«حرب النجوم».. تكريس المفهوم الرأسمالي للعولمة

إنه ليس فيلمًا فقط بل ظاهرة ثقافية بالغة التعقيد

«حرب النجوم» تغزو أميركا
«حرب النجوم» تغزو أميركا
TT

«حرب النجوم».. تكريس المفهوم الرأسمالي للعولمة

«حرب النجوم» تغزو أميركا
«حرب النجوم» تغزو أميركا

بعد 30 عامًا على انكسار الإمبراطورية العابرة للمجرات في «حرب النجوم» تواجه المجرّة - وفق الإطلاق الأحدث لسلسلة أفلام الخيال العلمي الأميركية الأشهر - تهديدًا جديدًا من دولة المنظومة الأولى التي يتحد في مواجهتها طيار متمرد على النظام (يلعب دوره الممثل البريطاني الأسود الشاب جون بويغا) مع صبية حسناء تعيش حياة هامشية في بقايا خراب الكواكب بعد الحرب الأخيرة (الممثلة البريطانية ديزي ريدلي) بالإضافة إلى مقاتل معتق (شخصية هان سولو التي يلعبها النجم هاريسون فورد) وذلك لدعم المقاومة في الحصول على معلومات استخبارية بشأن مكان وجود الشخصية الملهمة وآخر رعيل مجموعة فرسان (الجيدي) لوك سكايووكر (ويلعب دوره الأميركي مارك هاميل).
لقد حطم الفيلم الجديد المعنون «قيامة القوة المقاتلة» (ضمن سلسلة الخيال العلمي المستقبلي الأطول في السينما الأميركية والمسماة حرب النجوم) عدة أرقام قياسية وجمع ما يفوق الملياري دولار على شكل عوائد وما زال مرشحًا للتفوق على الفيلم الأميركي «أفاتار» الذي سبق وجمع ما يقارب الثلاثة مليارات دولار - باعتباره الفيلم الأعلى عوائد عبر تاريخ هوليوود وخصوصًا بعد إطلاقه في سوق الصين الهائلة التي يتوقع أن تصبح أكبر أسواق العالم سينمائيا خلال عام أو عامين متفوقة على السوق الأميركية ذاتها.
الفيلم الجديد كان مغامرة محسوبة قامت بها شركة والت ديزني عندما اشترت بأربعة مليارات دولار أميركي الحقوق الفكرية للفيلم من جورج لوكاس منتج الأجزاء الستة السابقة مراهنة على نجاح ثلاثة أجزاء أخرى جديدة، كان أولها هذه القيامة. وعلى الرغم من أن الستة أجزاء الأولى جلبت لمنتجها ما مجموعه عشرة مليارات دولار، فإن «ديزني» تعتقد بأنها ستجمع 30 مليارا من عوائد شباك التذاكر إلى جانب حقوق الألعاب الإلكترونية والكتب والمجلات المصورة والمجسمات والمسلسل التلفزيوني المرتبط بالفيلم وغيرها.
إذن الفيلم كان بالضرورة ومنذ اللحظة الأولى مشروعًا تجاريًا محضًا يستهدف استخلاص آخر نقطة «نقد» من هذه البقرة الحلوب. بالطبع فإن كل الأفلام الهوليوودية تنتج بالضرورة بغرض الربح أساسًا ولا جديد في ذلك، لكن أي محاولة لمقاربة محتوى الفيلم دون تفهم إطار الضغط الذي وضعته «ديزني» على فريق العمل، والذي كان – مباشرًا وقليل الحياء وفق أحد النقاد - يمكن أن لا تعطي صورة متكاملة عن كيفية تشكل الصورة الفنية للفيلم.
كان أول إطلاق لـ«حرب النجوم» في عام 1977 وقد فاجأ وقتها الجميع بنجاحه المبهر. وكما هي عادة الإعلام الأميركي فالنجاح الخارق يفسر دومًا بعبقرية أسطورية بالطبع لشخصية واحدة متفردة.
جورج لوكاس كان هذه الشخصية. ورغم أنه لا يمكن لأي فردٍ مهما أوتي من الألمعية أن ينتج فيلمًا عظيمًا وأن لوكاس اعتمد على طاقم واسع من موهوبين في مجالات مختلفة، فقد استمرأ الرجل رواية العبقري الفرد هذه وكرسها في كل مقابلاته معليًا من دوره في العمل على حساب بقية الفريق. على أن قراءة عمومية لكل الأجزاء معًا تكشف ذكاء يكاد يكون خارقا من قبل لوكاس في تبسيط الأفكار الكبرى المتداولة في السردية الأميركية المعاصرة للجمهور العادي: الفيلم مبني على فكرة الصراع بين الخير المطلق والشر المطلق، حروب الإمبراطوريات المعولمة وقوى المقاومة، حرب النجوم، حروب المستنسخين، الجمهورية الأولى وقوى الاتحاد، عبثية المقاومة، الأبطال الخاضعون للمنظومة، صناعة الهويات وذلك دون أي محاولة حقيقية لتفسير هذه الأفكار من خلال الفيلم ربما باستثناء المقدمات النصية الطويلة نسبيًا والتي صارت تقليدًا في افتتاح كل فيلم تحت هذه السلسلة.
خط السرد الأساسي لقصة سلسلة أفلام حرب النجوم يقوم على مبدأ الحرب الأهلية الواسعة النطاق في هذا العالم والعلاقات التي تنشأ بين مجموعة من الأفراد التي تتولى أعمال مواجهة إمبراطورية الشر. النموذج الروائي يقوم على القالب الكلاسيكي للولد اليتيم البسيط الذي ينطلق من بدايات متواضعة في رحلة عجائبية - تطول بعض الشيء - لكنه يصل إلى مصيره من خلال قوى سحرية غامضة. ربما يبدو نجاح القصة عائدًا إلى هذا التداخل الشديد بين السرد المألوف والعناصر الغامضة، حيث يتحول كل مألوف إلى صورته المستقبلية المضخمة، في حين تساعدنا الرموز والمصطلحات الثقافية في ربط تسلسل الأحداث وتعدد الأشياء وتقاطع الشخصيات.
لوكاس وبعد إطلاقه لثالث الأجزاء في العام 1983 كان له أن يستريح على قمة النجاح. هو لم يصنع فيلمًا ناجحًا فحسب بل خلق ظاهرة ثقافية شديدة التعقيد لها أتباع وموالون على نطاق عالمي وجمع من ورائها ثروة طائلة لكنه لم يقاوم الإغراء وعاد بثلاثية أخرى بين 1999 و2005 محاولاً الاستفادة من التقدم التكنولوجي المذهل منذ ثلاثيته الأولى وأيضًا من التاريخ الموسّع للحرب الذي كتبه لوكاس دون أن يكون له أي علاقة بالقصة كما شاهدها الجمهور في الثلاثية الأولى. وعلى الرغم من عودة ذلك الجمهور ذاته بكثافة لمشاهدة أول أجزاء الثلاثية الجديدة، فإنه لم يعبأ بالجزأين الآخرين بل وشن معجبو ثلاثية حرب النجوم الأولى هجمات لاذعة واسعة النطاق - لا سيما بعد ظهور الإنترنت - اتهمت لوكاس بالتربح من نجاحه السابق وبخيانة حرب النجوم وتحوله إلى تاجر بضاعة مزورة. لوكاس لم يقنع بهذا النقد أبدًا، وبدا في مقابلاته شديد العناد وحزينًا على فشل الجمهور في فهم عبقريته الفنية.
«ديزني» عندما أقدمت على شراء الحقوق الفكرية لحرب النجوم قررت أن لوكاس سيكون بالضرورة عبئًا على أي محاولة لإحياء القصة، وهكذا فإن جورج لوكاس خارج الصورة تمامًا في الإنتاج الجديد، بل وقطعت الجذور مع الثلاثية الثانية في القصة، وتم التركيز على إعادة تأسيس الربط مع الثلاثية الأولى بوصفها الأقدر على استحضار الحنين والنوستالجيا في ذهن الجمهور. وطبعًا لن تجد «ديزني» أفضل من المحترف الأول - ج.ج. أبرامز - الذي اشتهر بأعمال شديدة النجاح في الدراما والسينما الأميركية ليس أقلها إنقاذ «ستار تريك» - فيلم الخيال العلمي الموازي لحرب النجوم والذي بدوره فقد روحه بالابتعاد عن أجواء أجزائه الأولى.
ج.ج. أبرامز ألهب حنين جمهور السلسلة القديم ونجحت النوستالجيا في استجلاب ليس فقط جيل الثلاثية الأولى بل عادوا جميعًا ومعهم أبناؤهم وأحفادهم لدور العرض، لكن الفيلم لا يقدّم في الحقيقة أي فكرة جديدة أو إبداع حقيقي وبقيت كل النقاط المرجعية للفيلم مرتبطة بموضوعات الثلاثية الأولى. بل إن الأمكنة التي تجري بها أحداث الفيلم الجديد تكاد تكون ذاتها في الثلاثية الأولى - رغم الدقة المتناهية في صياغة التفاصيل - وهي كانت بصفة مقصودة شديدة الواقعية مقارنة على الأقل بالإخراج الإلكتروني الذي ساد ثلاثية لوكاس الثانية الفاشلة.
حاول إبرامز الاشتغال على الرموز الثقافية في فيلمه كي يوسع دائرة استقطاب الهواة والمريدين بتقديمه شخصيات جديدة ذات أبعاد ثقافية مختلفة نوعًا ما عما ساد في السلسلة حتى الآن التي كان نموذجها التقليدي الرجل الأبيض في منتصف العمر. البطلان الجديدان للفيلم هما شابان في مقتبل العمر، صبية جريئة وطيار شديد المثالية، هي بيضاء وهو أسود ويبدوان معًا شديدي الجاذبية وتاريخهما غامض للغاية - ربما سيعاد استكشافه في الأجزاء المقبلة.
الشخصيات الأخرى كانت في أغلبها مستعادة من الثلاثية الأولى ذات وجوه مألوفة وماض معروف لكنه ينحو لأن يكون تاريخًا أسطوريًا وفق الحوارات بين الصبية البيضاء (ريي) والشاب الأسود (فيين)، لا تاريخًا قريبًا. وقد استعان أبرامز أيضًا بفكرة الشخصية الشريرة التي تتحدث من وراء الخوذة رغم موت البطل الأصلي في الأجزاء السابقة، فاستعار فكرة الخوذة لشخصية كايلو واحتفظ بأجزاء مهشمة من الخوذة التي ارتداها دارث فادر - الشرير في الثلاثية الأولى - وكأنها تراث ديني مقدس يحتفظ به اللاحقون ويجلونه.
وعلى الرغم من أن العمل الذي قدمه أبرامز موجّه للعائلات في أجيالها المختلفة، فإن الفيلم يحتوي على كمية ضخمة من أعمال العنف والإعدامات الجماعية، بل والقتل الكلّي للحضارات بأسلحة الدمار الشامل. ويتم تقديم البطل (فيين) بوصفه واحدًا من الأطفال الذين تخطفهم دولة المنظومة الأولى الفاشية النزعة وتربيهم ليصبحوا جنودًا صنعتهم القتل دون عميق تفكير.
الاستثناء طبعًا هو (فيين) الذي لا يقبل ضميره المشاركة بأعمال العنف العمياء هذه، لكن الآخرين هم ضحايا ومجرمون في الوقت ذاته، وهم يتساقطون كالذباب في معارك أشبه بألعاب الفيديو حيث لا قيمة للحياة إلا بوصفها ومضة في شاشة إلكترونية لا تلبث أن تنطفئ. الموت هنا - كما في كل فيلم هوليوودي - تراجيديا حزينة عند موت الأخيار لكنه جميل ويحتفى به عند مقتل الأشرار بل وهو أداة لإظهار مدى شرّ هؤلاء الأشرار عندما يقومون بقتل الأبرياء المحايدين. لا نتقدم كثيرًا هنا عن سطحية التعامل مع الموت التي قدمتها أفلام رعاة البقر والغرب الأميركي الكلاسيكية: حرب النجوم إذن أميركا مستقبلية، تتحول فيها التكنولوجيات وترتقي، لكن السيكولوجيا تبقى ذات إيقاع الأبيض والأسود المخطوف الذي إذا تحلى بضمير يصبح استثناءً، الكاوبوي - راعي البقر - والهندي الأحمر، والولايات المتحدة وكأنها على امتداد المجّرة كلها.
الثلاثية الجديدة من حرب النجوم إذن تكريس للفكرة بأن المنظومة الرأسمالية المعاصرة - وفي قلبها كجزء لا يتجزأ منها محورها الأميركي - قد تجاوزت مفهوم الوطنيات الفردية المرتبطة بالحدود لتنتقل إلى صيغة النظام الدولي المعولم الذي يعيد تعريف العدالة والقانون وفق وجهة نظره الذاتية، وعليه فكل من ليس خاضعًا للمنظومة هو بالضرورة عدو لها يستحق القتل الاستباقي دون رحمة حتى لمجرد الشك في إمكانية تحالفه مع المنظومة - بل ويراها البعض (كارل سيلفيو مثلا) أنها جزء من العمل الإعلامي الموجه من قبل المؤسسة الحاكمة في واشنطن بغرض تحضير عقول البشر لتقبل النظام العالمي الجديد، كما كان قد وصفه مايكل هاردت وأنطونيو نيغري في كتابهما النبوءة: «الإمبراطورية».
* إعلامية لبنانية



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».