هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر

راهن على إمكانات العقل الأنواري لإصلاح أعطاب النظام الليبرالي

هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر
TT

هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر

هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر

تتأتى الحاجة إلى الحديث عن دور للفلسفة في الفضاء العمومي المعاصر، من الأزمة التي تعرفها المجتمعات المعاصرة. وهي أزمة مرتبطة، على المستوى الاجتماعي، بإشكاليات العنف والشرعية السياسية. وعلى المستوى الكوسموبولتيكي (أي الدولي)، بإشكالية العدالة وسوء التوزيع. ففي المستوى الأول، المرتبط بقضايا الشرعية السياسية، وتزامنا مع التفكك الذي تعرفه الدولة - الأمة، التي حددتها معاهدة وستفاليا، سيساهم ذلك بشكل مباشر وغير مباشر، في العودة إلى الخطاب الهوياتي. هذا الخطاب الذي يجد أسسه الصلبة في فلسفات التنوير. في هذا السياق، سينخرط الجيل الثالث والثاني من مدرسة فرانكفورت، في البحث عن بديل لهذا الانحراف أو المنعطف الكارثي، الذي تعرفه المجتمعات المعاصرة، وذلك بتفكيك الأنساق الفلسفية التي تحوي هذا النزوع الكارثي، وخصوصا في تركيزهما على العقل الأنواري وتفكيك الارتكاس الذي سقط فيه، وذلك بطرحهما لسؤال عميق نجده حاضرا في مقدمة تيدور أدورنو وماكس هوركهايمر، لكتابهما «جدلية العقل»: كيف سقطت الإنسانية في بربرية جديدة عوض أن ترتقي لوضع إنساني أصيل؟
في هذا السياق، ستعبر فلسفات ما بعد الحداثة، عن نوع من النزوع اليوتوبي، بعد أن وصلوا إلى أن الأفق - وظيفة الفلسفة بالنسبة إليهم - لم يعد يتسع لأكثر من التحليل والتفكيك، أو النقد الجذري، من دون تقديم بديل يمكن أن يجد مخرجا (الخروج بمعناه الكانطي)، ويطرح بديلا يعيد الفاعلية للذات وللعقل وللأخلاق والسياسة بالمعنى الكوني، شريطة تقويض النزوع الذاتي للفعل الأخلاقي، كما أصّل له كانط في ميتافيزيقا الأخلاق. ومن هذا المنطلق يستمد الحديث عن الحاجة إلى الفلسفة ضرورته، وخصوصا الفلسفة السياسية والاجتماعية، التي رأت في سياق حديث النهايات الذي تصاعد منذ فوكوياما، عن نهاية التاريخ ونهاية البدائل القادرة على تجاوز الإمكانات التي تتيحها الليبرالية، باعتبارها أقصى ما يمكن الوصول إليه، وصولا إلى أطروحة صامويل هنتغتون، حول الصراعات التي تغذيها الهويات الدينية والثقافية، في هذا السياق، سترى الفلسفة السياسية والاجتماعية مع روادها المعاصرين، أنه بالإمكان إعادة تأسيس المجتمع وتحقيق العدالة والمساواة، وذلك بالتفكيك النظري والعملي لفلسفات الوعي والشعور والنزعة العلموية - الأداتية، والتأسيس لفلسفة إجرائية يكون التواصل وأخلاقيات النقاش والنضال في سبيل العدالة الاجتماعية كأسس لها. وهو ما سيمكّن من تجديد الديمقراطية الليبرالية، التي يراها رواد النزعة التواصلية في الفلسفة السياسية، «ممكنا» بديلا عن الشموليات الماركسية والفاشية والنازية والرأسمالية في صيغتها البيروقراطية، باعتبار النزوع التواصلي من داخل الفلسفة، لا يزال مراهنا على إمكانية تجديد موارد الفضاء العمومي الذي تعرض للاستعمار اليوم من طرف السلطة والنسق، كما يسميهما هابرماس (ويقصد بالنسق الاقتصاد والإدارة)، من داخل النظام الليبرالي.
في هذا المنحى، نجد الفيلسوف يورغن هابرماس، الذي يعود إلى تراث القرن الثامن عشر ليستعيد أسس التنوير الفرنسي والألماني، مراهنا على الإمكانيات التي يتيحها التنوير، التي اعتبرها هابرمارس لم تستنفد، بعد قدرتها على تجديد المشروع الإنساني الذي راهنت عليه الحداثة، سيدافع هابرماس على العقل الأنواري، مع توجيه نقد شديد لأقطاب العقلانية سواء مع ديكارت الذي رأى فيه هابرماس مؤسسا لأنموذج الذاتية أو كانط الذي رأى هابرماس في ميتافيزيقاه الأخلاقية إقصاء للآخر، وذلك لأنها تتيح وتقوم على تصور للفاعل الأخلاقي الذاتي الذي بإمكانه أن يشرع ما هو خير في غياب الذوات الأخرى، من منطلق أن الذات عند كانط، قبل إقدامها على الفعل، تتمثل نفسها في الوضع نفسه الذي يمكن أن توجد فيه الذوات الأخرى، لذلك يتيح لها هذا التمثل القدرة على التمييز بين ما هو خير وماهو شر، على أساس مبدأ الألم والضرر الذي يمكن أن يلحقه الفعل الذاتي بالغير، فتمتنع الذات عنه أو تقدم عليه. لكن هابرماس بوعي استراتيجي، يرى أن هذا النوع من الأخلاق في أقصى مداه، والذي يمكن أن يتجسد في العلاقات الدولية، يجعلنا أمام ذوات جماعية (دول)، تتصرف وتشرّع لأفعال أخلاقية في غياب تام للذوات الأخرى (دول أخرى). لذلك سيدافع عن ضرورة التأسيس لأخلاقيات للنقاش تقصي كل الاعتبارات والخلفيات والتمثلات التي تدعيها الذات، وتحتكم فقط، للقدرة على التبرير العقلاني والحجاجي لجميع الأفعال الأخلاقية أو السياسية. وفي هذا المنطلق، تكون مشروعية الفعل أو السلوك أو نظام سياسي معين، مستمدة من قدرته على تبرير نفسه أمام جموع المواطنين والأفراد، بناء على العقل وليس على القوة والإكراه والتأثير. وهو ما يجعل الفلسفة ضرورة ملحة، لأنها نشاط وفعالية معرفية قادرة على تمكين الفاعلين والذوات داخل العالم المعيش، من المعرفة النقدية القادرة على تنوير الرأي العام، وتفكيك الأساطير التي يمكن للنظام الإعلامي أو السياسي أو الاقتصادي أن يبرر، من خلالها دعواه وأهدافه. وما يجب الإشارة إليه، هو أن الفلسفة في هذا السياق، لن تكون نسقا كليا أو نظريات في المعرفة والمنطق والأخلاق، بل أداة وفعالية معرفية ونقدية محايثة للواقع ولتحولاته. ولا غرابة في ذلك، إن عرفنا أن الفيلسوف هابرماس، لم يكن متمذهبا بقدر ما كان رجلا جمّاعا - بلغة الأستاذ مصطفى الحداد - استوعب كل المتون الفلسفية القديمة والحديثة والمعاصرة، منتقيا منها ما يخدم مشروعه الفلسفي الذي كان، في عمقه، دفاعا عن الحداثة التي لم تستنفد كل مهامها بالنسبة إليه. وهو ما جعل منه مقاوما صلبا لفلاسفة ما بعد الحداثة الداعين إلى التخلي عن العقل والحداثة، باعتبارهما مؤسسين لكل أشكال السيطرة والسلب والتشيؤ التي يعاني منها الإنسان الحديث.
بخلاف براديغم الصراع الذي مثلته كل الاتجاهات الفلسفية الداعية إلى تغيير أسس العالم المعاصر، بناء على العنف الثوري والجذري الذي يتيح تجاوز التناقضات التي تخلفها الرأسمالية في صيغتها النيوليبرالية المعولمة، ينظر هابرماس إلى مشكلات المجتمع الحديث من منظور تواصلي، لا يهدف إلى القضاء على هذه المشكلات بالعنف الثوري، كما تصورت الماركسية، أو عن طريق ملء مكان السلطة بالقائد الذي تتجسد فيه جميع الصفات التيولوجية والسياسية، كما رأى كارل شميت. بالنسبة لهابرماس، كان يحاول أن يجد لمشكلات العالم المعاصر حلا «عقلانيا»، لا يكون ثابتا (قواعد ثابتة تضعها الذات)، كما رأت فلسفة الأنوار. بل حلولا تساهم الذوات في طرحها بصفتها ذوات عاقلة ومسؤولة، تفكر من منطلق العقلانية التواصلية، واستنادا للإجراءات التي تضعها أخلاقيات المناقشة، تكون ذواتا تجيد استخدام اللغة بنوع من الحياد حسب هابرماس! وفي هذا السياق، يبين الباحث عبد السلام الأشهب، أن أخلاقيات المناقشة لهابرماس، تختلف عن الفلسفة «الكانطية» في استراتيجيتها الحجاجية فقط، وليس في الأهداف والغايات؛ لأن براديغم الفلسفة الذاتية، يجعل من الذات مركزا لصياغة المعايير الأخلاقية التي تراها ملائمة للإنسانية، بينما المقاربة الهابرماسية، تنطلق من براديغم التذاوت. فهابرماس يعتبر أن الذات طرف فاعل مثل باقي الفاعلين الآخرين المعنيين بالأوامر الأخلاقية والمعايير الاجتماعية. ولهذا فصياغتها يجب أن تتم في إطار حواري تتشارك فيه جميع الأطراف المعنية. إن رهان هابرماس على العودة إلى كانط من منظور حواري، هو تجاوز للتحدي الذي تطرحه مسألة التعددية في إطار من الإجماع الذي يحفظ حق الجميع في النقاش داخل مجتمع متماسك ومنسجم. وهكذا فالمناقشة تمثل سبيلا ملائما لحل الصراعات المطروحة، مادامت المناقشة هي مسعى يضمن تضمّن كل الأشخاص المعنيين واتخاذ مصالح الكل بعين الاعتبار وبشكل متساوٍ. فمثلا حينما تأتي الولايات المتحدة الأميركية إلى العراق، بدعوى القضاء على الديكتاتورية وتكريس الديمقراطية، ولو كان ذلك عن طريق الحرب، كما وقع في اجتياح العراق مثلا، فإننا هنا نكون أمام «فاعل ذاتي» شرع لمجموعة من القيم والأفعال والقرارات بشكل ذاتي، رأى فيها القيم الأفضل. ثم سعى إلى فرضها على الذوات الأخرى (دولة العراق) بالقوة. وهو ما يتنافى مع ما تدعو إليه العقلانية التواصلية التي تفترض نقاشا قبليا لا سلطة فيه إلا لسلطة العقل وقوة الحجة. ولا تكون معايير أو قيمًا ما مشروعة إلا إذا كانت مبررة عقلانيا. وهكذا يمكن الامتناع عن اجتياح بلد كالعراق مادامت الحجج التي تقدمها (الذات الأميركية) غير قابلة للتبرير عقلانيا ومعياريا. وبغاية تحقيق ذلك، حاول هابرماس أن يستبدل الديمقراطية الليبرالية التي تعطي القيمة للأغلبية العددية بتصور معياري للديمقراطية، والتي سماها بالديمقراطية التشاورية، وهي ديمقراطية حسب هابرماس، تتأسس على أشكال التواصل غير المهيكلة رسميًا من طرف السلطة، والتي يجب أن ترتكز على التواصل الدائم بين الفاعلين، من أجل تحقيق تسوية عادلة بين الجهات المنخرطة في العملية التشاورية - الفاعلين التواصليين المنخرطين في المجتمع المدني والفاعلين الخصوصيين.
هكذا لم تعد الفلسفة ترفا فكريا أو مادة تعليمية أو أنساقا نظرية كلية ومتعالية، بل أصبحت أداة للتغيير والتأثير في الواقع وتوجيهه. ولم يعد الفيلسوف حكيما، بل سياسيًا أيضًا، ليس بالمعنى الآيديولوجي لمفهوم -السياسة - لكن بالمعنى الفلسفي والأخلاقي للمفهوم. وهو ما يجعل منه موجها ومرشدا للمجتمع ولقضاياه الأساسية. لكن ما يمكن ملاحظته، هو أن الفيلسوف التواصلي الذي يمكن أن يذهب مع هابرماس مذهب القائل إن العنف لم يعد ضروريا للتغيير، يفترض وجود إرادة سياسية وأخلاقية لدى السلطة يمكن أن تعمل بمقتضاها على إتاحة الفرصة لجميع الأفراد بأن يحققوا العدالة والاعتراف. وهو ما يتنافى مع جوهر النظام الليبرالي الذي يقوم، في عمقه، على التناقض الأساسي الذي لخصه ماركس في بيانه الشيوعي بين من يملكون ومن لا يملكون. ومادام النظام الليبرالي يتغذى على الرغبات اللامحدودة التي يخلقها لدى أفراده والمتناقضة في الآن نفسه، فإن إمكانية الاعتراف والمساواة والعدالة المؤسسة على التواصل والحوار، تظل ضربا من المستحيل، لأنها تتنافى في العمق، مع ماهية هذا النظام. لذلك، فالتفكير مع هابرماس من داخل النظام الليبرالي، في إمكانية إصلاح أعطابه وتناقضاته، هو نوع من الارتكاس في حد ذاته. فإذا كان هابرماس يصنف كل الاتجاهات السياسية والفلسفية التي ترى في العنف حلا بديلا وجذريا لأزمات الليبرالية، بكونها شموليات جديدة، فهذا يعود في العمق، إلى اختيارات آيديولوجية وسياسية وسيكولوجية ذاتية بالأساس. فهابرماس الذي عايش صعود النازية والفاشية والديكتاتورية، لا يزال يعتقد أن أي حل أو بديل من خارج الليبرالية، لن ينتج إلا نازية أو فاشية أو ديكتاتورية أخرى. وهو ما يسقطه عن وعي أو بدونه، في أطروحة فوكوياما القائلة بنهاية البدائل التاريخية من خارج الليبرالية. لذلك، إذا كان هو نفسه كتب مقالة حول «التفكير مع هيدغر ضد هيدغر»، فنحن أيضًا، مطالبون، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف كارل اتو آبل، بالتفكير مع هابرماس ضد هابرماس.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.