هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر

راهن على إمكانات العقل الأنواري لإصلاح أعطاب النظام الليبرالي

هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر
TT

هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر

هابرماس ودور الفلسفة في عالمنا المعاصر

تتأتى الحاجة إلى الحديث عن دور للفلسفة في الفضاء العمومي المعاصر، من الأزمة التي تعرفها المجتمعات المعاصرة. وهي أزمة مرتبطة، على المستوى الاجتماعي، بإشكاليات العنف والشرعية السياسية. وعلى المستوى الكوسموبولتيكي (أي الدولي)، بإشكالية العدالة وسوء التوزيع. ففي المستوى الأول، المرتبط بقضايا الشرعية السياسية، وتزامنا مع التفكك الذي تعرفه الدولة - الأمة، التي حددتها معاهدة وستفاليا، سيساهم ذلك بشكل مباشر وغير مباشر، في العودة إلى الخطاب الهوياتي. هذا الخطاب الذي يجد أسسه الصلبة في فلسفات التنوير. في هذا السياق، سينخرط الجيل الثالث والثاني من مدرسة فرانكفورت، في البحث عن بديل لهذا الانحراف أو المنعطف الكارثي، الذي تعرفه المجتمعات المعاصرة، وذلك بتفكيك الأنساق الفلسفية التي تحوي هذا النزوع الكارثي، وخصوصا في تركيزهما على العقل الأنواري وتفكيك الارتكاس الذي سقط فيه، وذلك بطرحهما لسؤال عميق نجده حاضرا في مقدمة تيدور أدورنو وماكس هوركهايمر، لكتابهما «جدلية العقل»: كيف سقطت الإنسانية في بربرية جديدة عوض أن ترتقي لوضع إنساني أصيل؟
في هذا السياق، ستعبر فلسفات ما بعد الحداثة، عن نوع من النزوع اليوتوبي، بعد أن وصلوا إلى أن الأفق - وظيفة الفلسفة بالنسبة إليهم - لم يعد يتسع لأكثر من التحليل والتفكيك، أو النقد الجذري، من دون تقديم بديل يمكن أن يجد مخرجا (الخروج بمعناه الكانطي)، ويطرح بديلا يعيد الفاعلية للذات وللعقل وللأخلاق والسياسة بالمعنى الكوني، شريطة تقويض النزوع الذاتي للفعل الأخلاقي، كما أصّل له كانط في ميتافيزيقا الأخلاق. ومن هذا المنطلق يستمد الحديث عن الحاجة إلى الفلسفة ضرورته، وخصوصا الفلسفة السياسية والاجتماعية، التي رأت في سياق حديث النهايات الذي تصاعد منذ فوكوياما، عن نهاية التاريخ ونهاية البدائل القادرة على تجاوز الإمكانات التي تتيحها الليبرالية، باعتبارها أقصى ما يمكن الوصول إليه، وصولا إلى أطروحة صامويل هنتغتون، حول الصراعات التي تغذيها الهويات الدينية والثقافية، في هذا السياق، سترى الفلسفة السياسية والاجتماعية مع روادها المعاصرين، أنه بالإمكان إعادة تأسيس المجتمع وتحقيق العدالة والمساواة، وذلك بالتفكيك النظري والعملي لفلسفات الوعي والشعور والنزعة العلموية - الأداتية، والتأسيس لفلسفة إجرائية يكون التواصل وأخلاقيات النقاش والنضال في سبيل العدالة الاجتماعية كأسس لها. وهو ما سيمكّن من تجديد الديمقراطية الليبرالية، التي يراها رواد النزعة التواصلية في الفلسفة السياسية، «ممكنا» بديلا عن الشموليات الماركسية والفاشية والنازية والرأسمالية في صيغتها البيروقراطية، باعتبار النزوع التواصلي من داخل الفلسفة، لا يزال مراهنا على إمكانية تجديد موارد الفضاء العمومي الذي تعرض للاستعمار اليوم من طرف السلطة والنسق، كما يسميهما هابرماس (ويقصد بالنسق الاقتصاد والإدارة)، من داخل النظام الليبرالي.
في هذا المنحى، نجد الفيلسوف يورغن هابرماس، الذي يعود إلى تراث القرن الثامن عشر ليستعيد أسس التنوير الفرنسي والألماني، مراهنا على الإمكانيات التي يتيحها التنوير، التي اعتبرها هابرمارس لم تستنفد، بعد قدرتها على تجديد المشروع الإنساني الذي راهنت عليه الحداثة، سيدافع هابرماس على العقل الأنواري، مع توجيه نقد شديد لأقطاب العقلانية سواء مع ديكارت الذي رأى فيه هابرماس مؤسسا لأنموذج الذاتية أو كانط الذي رأى هابرماس في ميتافيزيقاه الأخلاقية إقصاء للآخر، وذلك لأنها تتيح وتقوم على تصور للفاعل الأخلاقي الذاتي الذي بإمكانه أن يشرع ما هو خير في غياب الذوات الأخرى، من منطلق أن الذات عند كانط، قبل إقدامها على الفعل، تتمثل نفسها في الوضع نفسه الذي يمكن أن توجد فيه الذوات الأخرى، لذلك يتيح لها هذا التمثل القدرة على التمييز بين ما هو خير وماهو شر، على أساس مبدأ الألم والضرر الذي يمكن أن يلحقه الفعل الذاتي بالغير، فتمتنع الذات عنه أو تقدم عليه. لكن هابرماس بوعي استراتيجي، يرى أن هذا النوع من الأخلاق في أقصى مداه، والذي يمكن أن يتجسد في العلاقات الدولية، يجعلنا أمام ذوات جماعية (دول)، تتصرف وتشرّع لأفعال أخلاقية في غياب تام للذوات الأخرى (دول أخرى). لذلك سيدافع عن ضرورة التأسيس لأخلاقيات للنقاش تقصي كل الاعتبارات والخلفيات والتمثلات التي تدعيها الذات، وتحتكم فقط، للقدرة على التبرير العقلاني والحجاجي لجميع الأفعال الأخلاقية أو السياسية. وفي هذا المنطلق، تكون مشروعية الفعل أو السلوك أو نظام سياسي معين، مستمدة من قدرته على تبرير نفسه أمام جموع المواطنين والأفراد، بناء على العقل وليس على القوة والإكراه والتأثير. وهو ما يجعل الفلسفة ضرورة ملحة، لأنها نشاط وفعالية معرفية قادرة على تمكين الفاعلين والذوات داخل العالم المعيش، من المعرفة النقدية القادرة على تنوير الرأي العام، وتفكيك الأساطير التي يمكن للنظام الإعلامي أو السياسي أو الاقتصادي أن يبرر، من خلالها دعواه وأهدافه. وما يجب الإشارة إليه، هو أن الفلسفة في هذا السياق، لن تكون نسقا كليا أو نظريات في المعرفة والمنطق والأخلاق، بل أداة وفعالية معرفية ونقدية محايثة للواقع ولتحولاته. ولا غرابة في ذلك، إن عرفنا أن الفيلسوف هابرماس، لم يكن متمذهبا بقدر ما كان رجلا جمّاعا - بلغة الأستاذ مصطفى الحداد - استوعب كل المتون الفلسفية القديمة والحديثة والمعاصرة، منتقيا منها ما يخدم مشروعه الفلسفي الذي كان، في عمقه، دفاعا عن الحداثة التي لم تستنفد كل مهامها بالنسبة إليه. وهو ما جعل منه مقاوما صلبا لفلاسفة ما بعد الحداثة الداعين إلى التخلي عن العقل والحداثة، باعتبارهما مؤسسين لكل أشكال السيطرة والسلب والتشيؤ التي يعاني منها الإنسان الحديث.
بخلاف براديغم الصراع الذي مثلته كل الاتجاهات الفلسفية الداعية إلى تغيير أسس العالم المعاصر، بناء على العنف الثوري والجذري الذي يتيح تجاوز التناقضات التي تخلفها الرأسمالية في صيغتها النيوليبرالية المعولمة، ينظر هابرماس إلى مشكلات المجتمع الحديث من منظور تواصلي، لا يهدف إلى القضاء على هذه المشكلات بالعنف الثوري، كما تصورت الماركسية، أو عن طريق ملء مكان السلطة بالقائد الذي تتجسد فيه جميع الصفات التيولوجية والسياسية، كما رأى كارل شميت. بالنسبة لهابرماس، كان يحاول أن يجد لمشكلات العالم المعاصر حلا «عقلانيا»، لا يكون ثابتا (قواعد ثابتة تضعها الذات)، كما رأت فلسفة الأنوار. بل حلولا تساهم الذوات في طرحها بصفتها ذوات عاقلة ومسؤولة، تفكر من منطلق العقلانية التواصلية، واستنادا للإجراءات التي تضعها أخلاقيات المناقشة، تكون ذواتا تجيد استخدام اللغة بنوع من الحياد حسب هابرماس! وفي هذا السياق، يبين الباحث عبد السلام الأشهب، أن أخلاقيات المناقشة لهابرماس، تختلف عن الفلسفة «الكانطية» في استراتيجيتها الحجاجية فقط، وليس في الأهداف والغايات؛ لأن براديغم الفلسفة الذاتية، يجعل من الذات مركزا لصياغة المعايير الأخلاقية التي تراها ملائمة للإنسانية، بينما المقاربة الهابرماسية، تنطلق من براديغم التذاوت. فهابرماس يعتبر أن الذات طرف فاعل مثل باقي الفاعلين الآخرين المعنيين بالأوامر الأخلاقية والمعايير الاجتماعية. ولهذا فصياغتها يجب أن تتم في إطار حواري تتشارك فيه جميع الأطراف المعنية. إن رهان هابرماس على العودة إلى كانط من منظور حواري، هو تجاوز للتحدي الذي تطرحه مسألة التعددية في إطار من الإجماع الذي يحفظ حق الجميع في النقاش داخل مجتمع متماسك ومنسجم. وهكذا فالمناقشة تمثل سبيلا ملائما لحل الصراعات المطروحة، مادامت المناقشة هي مسعى يضمن تضمّن كل الأشخاص المعنيين واتخاذ مصالح الكل بعين الاعتبار وبشكل متساوٍ. فمثلا حينما تأتي الولايات المتحدة الأميركية إلى العراق، بدعوى القضاء على الديكتاتورية وتكريس الديمقراطية، ولو كان ذلك عن طريق الحرب، كما وقع في اجتياح العراق مثلا، فإننا هنا نكون أمام «فاعل ذاتي» شرع لمجموعة من القيم والأفعال والقرارات بشكل ذاتي، رأى فيها القيم الأفضل. ثم سعى إلى فرضها على الذوات الأخرى (دولة العراق) بالقوة. وهو ما يتنافى مع ما تدعو إليه العقلانية التواصلية التي تفترض نقاشا قبليا لا سلطة فيه إلا لسلطة العقل وقوة الحجة. ولا تكون معايير أو قيمًا ما مشروعة إلا إذا كانت مبررة عقلانيا. وهكذا يمكن الامتناع عن اجتياح بلد كالعراق مادامت الحجج التي تقدمها (الذات الأميركية) غير قابلة للتبرير عقلانيا ومعياريا. وبغاية تحقيق ذلك، حاول هابرماس أن يستبدل الديمقراطية الليبرالية التي تعطي القيمة للأغلبية العددية بتصور معياري للديمقراطية، والتي سماها بالديمقراطية التشاورية، وهي ديمقراطية حسب هابرماس، تتأسس على أشكال التواصل غير المهيكلة رسميًا من طرف السلطة، والتي يجب أن ترتكز على التواصل الدائم بين الفاعلين، من أجل تحقيق تسوية عادلة بين الجهات المنخرطة في العملية التشاورية - الفاعلين التواصليين المنخرطين في المجتمع المدني والفاعلين الخصوصيين.
هكذا لم تعد الفلسفة ترفا فكريا أو مادة تعليمية أو أنساقا نظرية كلية ومتعالية، بل أصبحت أداة للتغيير والتأثير في الواقع وتوجيهه. ولم يعد الفيلسوف حكيما، بل سياسيًا أيضًا، ليس بالمعنى الآيديولوجي لمفهوم -السياسة - لكن بالمعنى الفلسفي والأخلاقي للمفهوم. وهو ما يجعل منه موجها ومرشدا للمجتمع ولقضاياه الأساسية. لكن ما يمكن ملاحظته، هو أن الفيلسوف التواصلي الذي يمكن أن يذهب مع هابرماس مذهب القائل إن العنف لم يعد ضروريا للتغيير، يفترض وجود إرادة سياسية وأخلاقية لدى السلطة يمكن أن تعمل بمقتضاها على إتاحة الفرصة لجميع الأفراد بأن يحققوا العدالة والاعتراف. وهو ما يتنافى مع جوهر النظام الليبرالي الذي يقوم، في عمقه، على التناقض الأساسي الذي لخصه ماركس في بيانه الشيوعي بين من يملكون ومن لا يملكون. ومادام النظام الليبرالي يتغذى على الرغبات اللامحدودة التي يخلقها لدى أفراده والمتناقضة في الآن نفسه، فإن إمكانية الاعتراف والمساواة والعدالة المؤسسة على التواصل والحوار، تظل ضربا من المستحيل، لأنها تتنافى في العمق، مع ماهية هذا النظام. لذلك، فالتفكير مع هابرماس من داخل النظام الليبرالي، في إمكانية إصلاح أعطابه وتناقضاته، هو نوع من الارتكاس في حد ذاته. فإذا كان هابرماس يصنف كل الاتجاهات السياسية والفلسفية التي ترى في العنف حلا بديلا وجذريا لأزمات الليبرالية، بكونها شموليات جديدة، فهذا يعود في العمق، إلى اختيارات آيديولوجية وسياسية وسيكولوجية ذاتية بالأساس. فهابرماس الذي عايش صعود النازية والفاشية والديكتاتورية، لا يزال يعتقد أن أي حل أو بديل من خارج الليبرالية، لن ينتج إلا نازية أو فاشية أو ديكتاتورية أخرى. وهو ما يسقطه عن وعي أو بدونه، في أطروحة فوكوياما القائلة بنهاية البدائل التاريخية من خارج الليبرالية. لذلك، إذا كان هو نفسه كتب مقالة حول «التفكير مع هيدغر ضد هيدغر»، فنحن أيضًا، مطالبون، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف كارل اتو آبل، بالتفكير مع هابرماس ضد هابرماس.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.