نحو 5 ملايين مدني تحت الحصار في 18 بقعة على الخريطة السورية

«خدمات جوية» في بلدات النظام المحاصرة.. ومجاعات في مناطق المعارضة

رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)
رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)
TT

نحو 5 ملايين مدني تحت الحصار في 18 بقعة على الخريطة السورية

رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)
رجل يتفحص الدمار الذي لحق بمبنى في حلب نتيجة غارة جوية للنظام (رويترز)

أدت الحرب السورية المشتعلة منذ قرابة خمس سنوات إلى نشوء «حصارات» وحصارات متبادلة بين النظام السوري ومعارضيه، مع اختلاف نسبي في نوعية الحصارات، إذ تتمتع المناطق التي يحاصرها المعارضون بالمعونات الجوية التي تشمل حتى مسابقات الامتحانات المدرسية، بينما تعاني المناطق التي يحاصرها النظام في كثير من الأوقات من الجوع الشديد، كحال مدينة مضايا التي استقطبت الاهتمام العالمي بعد ظهور صور تبين حجم المعاناة.
ومع انضمام مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، إلى اللائحة الطويلة من المناطق المحاصرة منذ اندلاع الأزمة في مايو (أيار) 2011. بدأ البحث الجدي من قبل الدول التي تقود التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية بإمكانية استخدام الطائرات لإسقاط المساعدات جوا على غرار ما يقوم به النظام في المناطق التي تحاصرها المعارضة، وما قامت به موسكو أخيرا في دير الزور. وأعلن المتحدث باسم البيت الأبيض في الساعات القليلة الماضية أن الولايات المتحدة الأميركية لا «تستبعد إسقاط مساعدات من الجو على مناطق محاصرة في سوريا».
بحسب برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة فإن 18 منطقة سورية يتعذر الوصول إليها. ويُقدر بيير بوليه ديباريو، مدير برنامج منظمة «أطباء بلا حدود» في سوريا، عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت «درجات مختلفة» من الحصار في البلاد بما يتراوح بين 1.8 و2 مليون شخص. أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) فيؤكد أن هناك 4.52 مليون شخص يعيشون في مواقع «يصعب الوصول إليها» في سوريا، بما في ذلك 393.700 شخص في 15 بقعة محاصرة.
راهنًا ترزح أكثر من 10 مناطق سورية تحت الحصار الكلي منذ أكثر من 3 سنوات، ويفتقر الآلاف من سكانها للطعام والدواء والاحتياجات الأساسية التي باتوا يسعون لتأمين ولو جزء صغير منها عبر وسائل بدائية ومختلفة. وهذا ما أشار إليه عضو مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق إسماعيل الداراني الذي تحدث عن «اعتماد أهالي الزبداني طوال فترة حصارهم على الحمير لنقل المواد الغذائية من المناطق المحيطة عبر الطرقات الجبلية الوعرة»، لافتا إلى أن «أهالي منطقة الحولة التي تقع شمال شرقي مدينة حمص، ما زالوا يلجأون إلى القوارب التي يتنقلون فيها عبر الأنهار لتأمين حد أدنى من احتياجاتهم». وأوضح الداراني لـ«الشرق الأوسط» أن «الأنفاق تشكل وسيلة أساسية للمدنيين المحاصرين للتواصل مع محيطهم. ولقد انكب أهالي داريا القريبة من دمشق على حفر الأنفاق التي تصلهم بالعاصمة لكسر جزء من الحصار الذي يفرضه النظام عليهم».
في المقابل، لم تبلغ معاناة المناطق التي تحاصرها قوات المعارضة، وأبرزها بلدتا كفريا والفوعة في ريف محافظة إدلب وبلدتا نبّل والزهراء في ريف محافظة حلب - وكان الحصار قد فك عن الأخيرتين منذ أيام قليلة - مستويات متقدمة كالتي ترزح تحتها المناطق التي تحاصرها قوات النظام أو تنظيم داعش. والسبب أن النظام كان يلقي بشكل دوري كل أنواع المساعدات للمدنيين المحاصرين الذين يؤيدونه بينما يستثني كل أهالي المناطق المعارضة له.
ومن أبرز المناطق الخاضعة لـ«سياسة الحصار والتجويع» التي ينتهجها النظام لحث مقاتلي المعارضة على تسليمها للقوات الحكومية، مدن وبلدات الغوطة الشرقية لدمشق التي يعيش فيها نحو 700 ألف نسمة، وكذلك مدن وبلدات داريا والمعضمية والزبداني ومضايا (تقع في الريف الغربي لدمشق)، إضافة إلى حصار مطبق تفرضه القوات الحكومية على ريف محافظة حمص الشمالي، وبالتحديد تلبيسة والرستن وسهل الحولة. وانضمت مدينة حلب الواقعة في الشمال السوري إلى الريف الشرقي لحلب الذي يحاصره النظام و«داعش».
النظام يتمسك بسياسة الحصار والتجويع بعدما أثبتت فعاليتها في أحياء مدينة حمص القديمة وأحياء دمشق الجنوبية حيث اضطر المقاتلون للرضوخ لهدن مع النظام أو مغادرة مناطقهم لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين.
واليوم يتخوف أكثر من 40 ألف شخص محاصر داخل بلدة مضايا الواقعة في ريف دمشق الغربي من استعادة التجربة المريرة السابقة بمشاهدة الأطفال والشيوخ يموتون من الجوع بعد نفاد معظم المساعدات الإنسانية التي أدخلت إلى البلدة نتيجة الحصار المفروض عليها من قبل قوات النظام السوري وعناصر حزب الله منذ أكثر من تسعة أشهر. وحقًا توفيت سيدتان في البلدة الخاضعة لسيطرة المعارضة قبل يومين جراء سوء التغذية وعدم توافر الأدوية. وأفاد محمد الشامي، الناشط في مضايا وعضو الهيئة الطبية في اتصال مع «الشرق الأوسط» أنّه «تم إبلاغ الأمم المتحدة بوجوب إخراج السيدتين من البلدة نظرا لضرورة خضوعهما لعلاج عاجل، إلا أن أحدا لم يتجاوب معنا». كذلك أوضح الناشط نبراس محمد، من مضايا، أن السيدتين المتوفيتين تتراوح أعمارهما بين الخمسين والستين سنة، وكانت حالتهما متأزمة منذ دخول كادر الهلال الأحمر الطبي إلى البلدة منذ مدة، غير أن جميع الجهود المبذولة لإخراجهما من البلدة وتلقي العلاج اللازم باءت بالفشل، مؤكدا لـ«مكتب أخبار سوريا»، وجود أكثر من «30 حالة تعيش تحت الخطر في حال لم يتم إخراجها لتلقي العلاج».
وأشار المحمد إلى أن المساعدات التي دخلت البلدة خلال الشهر الفائت شارفت على الانتهاء، إضافة إلى عدم توافر الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية للعلاج، وخاصة تلك المخصصة لحالات سوء التغذية الناجمة عن الجوع، مذكّرا بأن عدد الذين لقوا حتفهم بسبب الحصار منذ دخول المساعدات الإنسانية قبل نحو شهر بلغ 18 شخصا. أيضًا أوضح محمد الشامي أن الهيئة الطبية في مضايا تقتصر حاليًا على طبيب بيطري واحد وطالبين في طب الأسنان، لافتا إلى أنّه يجري الاتصال بأطباء موجودين خارج مضايا لطلب مساعدتهم وخبراتهم في الحالات الصعبة وخاصة تلك التي تحتاج لعمليات جراحية. وأضاف: «رغم مطالبتنا مرارا وتكرارا بإجلاء أكثر من 35 شخصا يحتاجون لعلاج فوري، لم نرَ أي خطوات في هذا الاتجاه حتى الساعة، باعتبار أن الأمم المتحدة لا تتجاوب مع حجم الكارثة».
من ناحية ثانية، نفى الشامي نفيا قاطعا أن تكون أي مساعدات دخلت إلى مضايا منذ أكثر من 25 يوما، ليدحض بذلك ما أعلنته اللجنة الدولية للصليب الأحمر الخميس عن تمكنها من الوصول بمساعدات غذائية ومستلزمات للنظافة إلى بلدة مضايا وبما يكفي لنحو 12 ألف شخص وذلك بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري.
أما في الشمال السوري، فقد تردد في الأيام الماضية أن ممثلين عن مقاتلي معارضين، اتفقوا مع ممثلين عن النظام السوري وحزب الله، على «إدخال مساعدات دورية إلى كفريا والفوعة (وهما بلدتان شيعيتان تحاصرهما المعارضة في ريف إدلب) والزبداني ومضايا». وأشيع أن الاتفاق تم في تركيا، بوساطة أممية، وبرعاية تركية قطرية سعودية، وينص على إدخال مساعدات دورية إلى البلدات الأربع، بالإضافة إلى إدخال الهلال الأحمر لعيادات متنقلة لعلاج ضحايا سوء التغذية في مضايا، إلا أنه حتى الساعة لا معلومات رسمية في هذا الإطار، وقد ردت الأمم المتحدة على ناشطين في مضايا سألوها عن الموضوع بأن «لا يوجد شيء واضح بعد في هذا المجال».
هذا، ولا تقتصر الأحوال الإنسانية الصعبة على أهالي بلدة مضايا، فقد شهدت أسواق وصيدليات سهل الحولة، المحاصر من قبل قوات نظام الأسد منذ أكثر من أربع سنوات ويقطنه أكثر من 70 ألف نسمة ثلثهم من النساء والأطفال، فقدانا لغالبية المواد الغذائية والطبية، وانقطاعا تاما للتيار الكهربائي عنها، ما يهدد عمل المشافي الميدانية فيها بالتوقف، وذلك بعد تضييق القوات النظامية حصارها لها.
وقال التاجر عدي العلي من مدينة تلذهب في سهل الحولة لـ«مكتب أخبار سوريا» بأن المواد الغذائية الأساسية كالرز والسكر والطحين والخضار وجميع أنواع الزيوت، مفقودة بشكل كامل من السوق المحلية للمدينة، وسط إغلاق المحال التجارية لأبوابها. وأرجع السبب إلى قطع القوات النظامية لكل طرق التهريب إلى ريف حمص الشمالي المحاصر منذ عشرة أيام، ما دفع الأهالي خلال تلك الفترة إلى شراء الكثير من المواد خشية انقطاعها قريبا، على حد تعبيره.



الحكومة اليمنية ترحب باستئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وعمَّان

مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)
مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)
TT

الحكومة اليمنية ترحب باستئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وعمَّان

مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)
مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)

رحَّبت الحكومة اليمنية، الجمعة، بالمبادرة الإنسانية التي أطلقها الأردن لاستئناف الرحلات الجوية بين مطارَي صنعاء وعمَّان؛ انطلاقاً من حرصه على تخفيف معاناة الشعب اليمني، مؤكدة التزامها الكامل بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لإنجاح المبادرة.

وأعربت الحكومة، في بيان نقلته الوكالة الرسمية، عن بالغ تقديرها موقف الأردن الثابت إلى جانب اليمن على امتداد العقود الماضية، وما قدّمه من إسهامات إنسانية وسياسية مشهودة تعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين وشعبيهما، وحرصه الدائم على أمن اليمن واستقراره ووحدته وسيادته وسلامة أراضيه.

وأكد البيان التزام الحكومة اليمنية الكامل بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لإنجاح هذه المبادرة؛ «انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه المواطنين، وإيمانها بأن حماية مصالح اليمنيين وتخفيف معاناتهم تمثلان أولوية وطنية قصوى لا تنفصل عن واجبها الدستوري في صون السيادة الوطنية»، في خطوة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى مصداقية الحوثيين في مطالبتهم بفكّ ما يسمونه «الحصار»، حيث سيمكن، عبر هذه الرحلات، تلبية جميع الاحتياجات للشعب اليمني، سواء فيما يتعلق بنقل الركاب من وإلى البلاد أم تنفيذ الأنشطة الاقتصادية أو الإنسانية، وفق مراقبين.

ونوَّهت الحكومة بأن هذه الخطوة «تنسجم مع مبادراتها السابقة لتشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة عبر الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، إلى أي وجهة يُتَّفق عليها»، بتوفر الضمانات الكفيلة بحماية الطائرات وأطقمها، وعدم التعرض لها أو التدخل في شؤون الشركة وعملياتها الملاحية، و«بما يكفل خدمة جميع المواطنين دون تمييز، ويحفظ سيادة البلاد، واحترام القوانين الوطنية، وقواعد القانون الدولي، والاختصاص الحصري للدولة في إدارة مجالها الجوي ومطاراتها كافة».

وأعاد البيان تأكيد الحكومة أن الحوثيين «كانوا وراء إعاقة وإجهاض جميع المبادرات لتشغيل الناقل الوطني»، وأنهم ملزَمون، اليوم، بـ«الكف عن الاستمرار في هذا النهج التخريبي، والإفراج عن أموال الشركة، وأصولها المحتجَزة، وضمان سلامة طواقمها، وتمكينها من أداء واجبها في نقل جميع اليمنيين، ووقف تسخير المطارات ومقدَّرات اليمن لخدمة قيادات الميليشيات وعائلاتها، أو أجنداتها العسكرية والسياسية على حساب شعبنا».

وترفض الحكومة اليمنية تسيير رحلات عبر شركة «ماهان» الإيرانية التي ارتبطت، خلال السنوات الماضية، بعقوبات دولية تتعلق بتقديم دعم لوجستي لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إضافة إلى سلوكها المُريب في رحلتها التي نقلت وفد الحوثيين إلى طهران مؤخراً، حيث قطعت إشارات التتبع الخاصة بها أثناء عبورها الأجواء اليمنية، مما يعكس حرصها على التخفي في ضوء حملها عناصر من «الحرس الثوري» و«حزب الله» ومُعدات عسكرية وأسلحة وأجهزة اتصالات لتعزيز قدرات الميليشيا، في خرق واضح وصريح لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.

وحذّرت الحكومة الحوثيين من «تفويت هذه الفرصة، والاستمرار في خطاب التعبئة والتحشيد، والزج بالشعب اليمني في مغامرات طائشة لا تخدم سوى المشروع الإيراني، بدلاً من الانخراط في خطوات مسؤولة تُعزز فرص السلام، وتصون مصالح المواطنين، وجعلها فوق كل اعتبار»، بدلاً من خدمة الأجندة الإيرانية، وتكريس استخدام اليمن ساحة للابتزاز العابر للحدود، وإعاقة إعادة تسيير الرحلات، ومفاقمة المعاناة التي مر بها الشعب اليمني، خلال السنوات الماضية، وفق مراقبين.

وجدَّد البيان تأكيد الحكومة «تمسكها بخيار السلام العادل والشامل القائم على المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، ومواصلة العمل مع الأشقاء والأصدقاء من أجل إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة»، مؤكداً أن «الدولة ستظل قادرة على الجمع بين الحزم في حماية سيادتها، والمسؤولية في الوفاء بالتزاماتها الإنسانية تجاه جميع أبناء الشعب اليمني، وتحقيق تطلعاتهم في الأمن والاستقرار والتنمية».

وأكدت الحكومة أن «القوات المسلحة والأمن ستبقى في حال جاهزية تامة، وعلى أهبة استعداد للتعامل مع أي تصعيد من جانب الميليشيات الحوثية الإرهابية، وردع أي تهديد يستهدف سيادة البلاد أو أمنها واستقرارها، والتعامل بحزم مع أي محاولات لفرض أمر واقع بالقوة».


شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
TT

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)

يثير التعاون المتنامي بين القاهرة وأنقرة، الذي امتد إلى مجالات الدفاع والتنسيق العسكري، تساؤلات بشأن انعكاساته على الشراكة الاستراتيجية التي تجمع مصر باليونان وقبرص منذ عام 2014، في وقت لا تزال العلاقات بين أنقرة وكل من أثينا ونيقوسيا، رهينة خلافات مزمنة حول ترسيم الحدود البحرية وملفات الطاقة في شرق المتوسط.

واعترف خبراء مصريون تحدثوا لـ«لشرق الأوسط» بأن قدرة القاهرة على تحقيق التوازن في علاقاتها الإقليمية ليست مهمة سهلة، لكنهم أكدوا أن التقارب المصري - التركي لا يستهدف قبرص واليونان، بل قد يخدم مصالحهما أيضاً، مع إمكانية اضطلاع مصر بدور في تقريب وجهات النظر، انطلاقاً من حرصها على الحفاظ على توازن علاقاتها مع الدول الثلاث.

شراكة قائمة

هناك شراكة استراتيجية قائمة بين مصر واليونان وقبرص منذ انعقاد أول اجتماع لآلية «التعاون الثلاثي» على مستوى الرؤساء في عام 2014، بوقت كانت علاقات القاهرة وأنقرة تتسم بالتوتر الشديد، على خليفة سقوط حكم «تنظيم الإخوان» عقب ثورة 30 يونيو (حزيران)، وفي ذلك الحين، كانت بعض التحليلات تفيد بأن مصر توجهت للشراكة مع قبرص واليونان لإحداث التوازن مع تركيا.

ودشنت مصر وقبرص واليونان «آلية للتعاون الثلاثي» على مستوى القمة؛ وعُقد الاجتماع الأول لها بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وتناوبت الدول الثلاث على استضافة اجتماعاتها بشكل دوري سنوياً، وعُقدت الجولة العاشرة منها في يناير (كانون الثاني) 2025 بالقاهرة.

وفي مطلع هذا العام، استضافت القاهرة مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر واليونان وقبرص، وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «خصوصية العلاقات التي تجمع القاهرة بأثينا ونيقوسيا؛ ما أسهم في توافق الرؤى حول تأسيس آلية القمة الثلاثية بينهم»؛ وعدّ الآلية «نموذجاً يحتذى به في علاقات التعاون والتكامل الإقليمي».

اجتماع ثلاثي لوزراء دفاع مصر وقبرص واليونان بالقاهرة في يونيو 2022 (المتحدث العسكري المصري)

وكانت أحدث خطوة في مسار تنامي العلاقات بين مصر وتركيا هي توقيع الدولتين «خطاب نوايا» بشأن التعاون الدفاعي، خلال زيارة وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، الأحد الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ الزيارة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيراً للدفاع في 8 مايو (أيار) 2013.

حذر يوناني

وفي تقرير لها رصدت صحيفة «ekathimerini» اليونانية هذا التقارب المصري التركي المتنامي مؤكدة قي تقرير نشرته بتاريخ 15 يوليو (تموز) الحالي، «أنه وإن كان لا يهدد المصالح اليونانية بشكل مباشر حتى الآن، فهو يزيد المخاوف وسط تحولات جيوسياسية إقليمية أوسع».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، قال إن «مصر تؤكد في جميع المناسبات واللقاءات سواء مع تركيا أو اليونان وقبرص، أنه لا سبيل لحل الخلافات بينها إلا عبر الحوار والتفاوض، وتسعى لتحقيق توازن في علاقتها بالدول الثلاث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مهمة مصر في تحقيق هذا التوازن ليست سهلة بسبب صعوبة الموقف نفسه؛ حيث إن تركيا لا تعترف بالقانون الدولي لأعالي البحار فيما يخص تقسيم الحدود البحرية والمنطقة البحرية الاقتصادية في شرق البحر المتوسط، بينما تصر اليونان وقبرص على تطبيقه، ومصر أيضاً موقّعة على هذا القانون الصادر عام 1982».

وتتمحور أبرز الخلافات بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى حول قضايا جيوسياسية واقتصادية معقدة، في مقدمتها النزاع القبرصي، وهو أقدم هذه الخلافات؛ إذ يعود إلى عام 1974 عندما تدخلت القوات التركية في شمال الجزيرة عقب انقلاب مدعوم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان آنذاك. وتقول أنقرة إن تدخلها جاء لحماية القبارصة الأتراك، بينما تعده قبرص واليونان احتلالاً للجزء الشمالي من الجزيرة.

كما تشمل الخلافات نزاعات بشأن ترسيم الحدود البحرية، والمجال الجوي، والجرف القاري، والمناطق الاقتصادية الخالصة في بحر إيجه وشرق المتوسط، وهي خلافات زادت حدتها مع اكتشافات الغاز الطبيعي والتنافس على استغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط.

مصر جسر للتقارب

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية بشير عبد الفتاح يرى أن «مصر اهتمت قبل عقد أو أكثر بدائرة البحر المتوسط في علاقاتها الخارجية، وركزت على قبرص واليونان، ورسّمت الحدود البحرية معهما، كما دخلت في ترتيبات أمنية ومناورات عسكرية دورية وتنسيق أمني واستراتيجي رفيع المستوى، والدولتان تقومان بدور مهم من حيث توطيد علاقات مصر مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه، استعادت مصر زخم العلاقات مع تركيا بعد مدة من الخلافات السياسية».

وأوضح عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا تناقض بين تقارب مصر مع تركيا من جهة وتقاربها مع اليونان وقبرص من جهة أخرى؛ لأن القاهرة حريصة على تنويع العلاقات، وهذا حق سيادي بالنسبة لها، وعلى عكس أي مخاوف، فمن الممكن أن تكون مصر جسراً لتحقيق التقارب بين تركيا واليونان وقبرص وحل الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية وتقاسم ثروات شرق المتوسط».

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

وتنامت علاقات مصر وتركيا بشكل متسارع من عام 2023 مع عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، وتبادل الزيارات بين الرئيسين السيسي ورجب طيب إردوغان؛ ما انعكس على التعاون العسكري خصوصاً في مجالي التدريب والتعاون في الصناعات الدفاعية.

المستشار في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو الشوبكي، قال إن «التقارب المصري التركي خصوصاً في المجال العسكري، من المفهوم أنه يقلق إسرائيل، ولكنه لن يكون أبداً في مواجهة اليونان وقبرص، بل على العكس من ذلك فإنه من منطلق هذا التقارب مع تركيا، يمكن أن يكون لمصر دور كبير في تخفيف حدة التوتر بين تركيا واليونان وقبرص لما لها من علاقات قوية ومتميزة مع الدول الثلاث».

وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه من «الطبيعي أن ترصد كل من اليونان وقبرص تطورات التقارب بين مصر وتركيا نظراً لحساسية الموقف نحو تركيا، ولكن بالقطع لديهما ثقة قوية بمصر بسبب قوة العلاقات معها».


الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
TT

الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)

تواجه المنظومة التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية موجة جديدة من الانتقادات مع العام الدراسي الذي بدأته الجماعة صيفاً؛ إذ تتهم الجماعة بحصر توزيع المستلزمات المدرسية والإعانات النقدية على أتباعها وأسر قتلاها ومفقوديها في الجبهات، وإلزام المدارس الأهلية بتقديم إعفاءات دراسية للفئات نفسها.

جاء ذلك في وقت يتواصل فيه الجدل حول نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة، وسط تشكيك تربوي في معدلات النجاح المرتفعة، ومخاوف من انعكاسات تلك السياسات على العدالة التعليمية ومستقبل التعليم في اليمن.

وتأتي هذه التطورات بينما تعيش ملايين الأسر اليمنية أوضاعاً اقتصادية متدهورة، جعلت توفير الحد الأدنى من متطلبات الدراسة، من رسوم وحقائب وكتب وزي مدرسي، عبئاً يفوق قدرة كثير من العائلات، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر نتيجة الحرب والأزمة الاقتصادية.

مستلزمات مدرسية يخصصها الحوثيون لمصلحة أبناء عناصرهم (فيسبوك)

وبحسب مصادر تربوية، تولت ما تسمى «هيئة الزكاة» التابعة للحوثيين توزيع الحقائب المدرسية والمعونات النقدية عبر مشرفين تابعين للجماعة، وفق آلية قالت المصادر إنها منحت الأولوية لأسر المقاتلين وأتباع الجماعة، بينما استبعدت آلاف الأسر الفقيرة التي تعجز عن توفير مستلزمات الدراسة لأبنائها.

وأثار هذا الأسلوب في التوزيع حالة استياء واسعة بين أولياء الأمور والناشطين التربويين، الذين رأوا أن المساعدات التعليمية ينبغي أن تستند إلى معايير الاحتياج الإنساني، لا إلى الاعتبارات السياسية أو الانتماءات التنظيمية.

عدم المساواة

يقول إبراهيم، وهو ولي أمر في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أبناءه الثلاثة لم يحصلوا على أي دعم مدرسي رغم تسجيلهم ضمن قوائم المحتاجين، بينما شاهد توزيع الحقائب والزي المدرسي على أسر مرتبطة بالجماعة.

وأضاف أن أسرته تعاني ظروفاً معيشية صعبة، إلا أن احتياجاتها لم تؤخذ في الحسبان، معتبراً أن المبادرات الخيرية لو أشرفت بنفسها على توزيع تلك المساعدات لوصل جزء منها إلى أطفاله.

وأبدى أولياء أمور آخرون في ريف صنعاء شكاوى مماثلة، مؤكدين أن تكلفة تجهيز الأبناء للعام الدراسي تجاوزت قدراتهم المالية، في وقت اقتصرت فيه المساعدات على فئات محددة، الأمر الذي عمق شعورهم بعدم المساواة.

وفي موازاة ذلك، تحدثت مصادر إغاثية عن قيام الجهات الحوثية المختصة بالأعمال الإنسانية و«هيئة الزكاة» خلال الفترة الماضية بمصادرة كميات من الحقائب المدرسية والدفاتر والأقلام والزي المدرسي ومبالغ نقدية، كانت مخصصة من مبادرات خيرية لدعم الطلاب الفقراء مع بداية العام الدراسي.

اتهامات لجماعة الحوثي بإجبار مدارس على تجنيد الطلاب (إعلام حوثي)

كما فرضت الجماعة، وفق مصادر تربوية، على المدارس الأهلية إعفاء أبناء أتباعها وأسر قتلاها وأسر أسراها في الجبهات من الرسوم الدراسية لهذا العام، دون تقديم أي تعويضات لتلك المدارس.

وأكدت مديرة إحدى المدارس الأهلية في ضواحي صنعاء، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن إدارتها اضطرت لتنفيذ تلك التوجيهات خشية التعرض لإجراءات عقابية، مشيرة إلى أن الإعفاءات لم تشمل بقية الطلاب من الأسر الأشد فقراً، رغم احتياجهم الماس للدعم.

ويرى تربويون أن تحميل المدارس الخاصة أعباءً مالية إضافية دون تعويض يهدد استقرارها المالي، ويضعف قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها التعليمية وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.

نتائج الثانوية تثير التساؤلات

بالتزامن مع الجدل حول توزيع المساعدات، أثارت نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة الحوثية نقاشاً واسعاً في الأوساط التعليمية، بعد تسجيل نسب نجاح مرتفعة ومعدلات تجاوزت 99 في المائة لعدد من الطلاب، رغم ما يشهده القطاع التعليمي من تراجع خلال سنوات الحرب.

وأعلنت وزارة التربية في حكومة الانقلاب الحوثي غير المعترف بها أن نسبة النجاح بلغت 88.12 في المائة، من أصل أكثر من 210 آلاف طالب وطالبة تقدموا للاختبارات، وهو ما عده مختصون رقماً يثير التساؤلات في ظل واقع المدارس التي تعاني نقص المعلمين، وانقطاع الرواتب، وضعف الإمكانات، وتراجع مستوى العملية التعليمية.

الحوثيون حولوا الغش إلى عادة تُمارس بشكل طبيعي (إكس)

ويعتقد تربويون أن الظروف التي يعيشها قطاع التعليم تجعل من الصعب تفسير هذا الارتفاع الكبير في نسب النجاح دون تقديم بيانات توضح آليات التصحيح والتقييم، بما يعزز الثقة في النتائج، ويبدد الشكوك التي رافقتها.

كما أبدى عدد من المعلمين استغرابهم من المعدلات المرتفعة، مؤكدين أن مستوى التحصيل العلمي الذي لمسوه خلال العام الدراسي لا يتوافق مع النتائج المعلنة، خصوصاً في ظل الغياب المتكرر للطلاب، وضعف انتظام العملية التعليمية.

اتهامات بالغش

تذهب مصادر تربوية يمنية إلى أن ارتفاع معدلات النجاح في مناطق سيطرة الحوثيين لا يعكس تحسناً في مستوى التعليم، بل يرتبط - وفق روايتها - بانتشار حالات غش جماعي في بعض المراكز الامتحانية، إلى جانب تداول إجابات نموذجية قبل الامتحانات وفي أثناء انعقادها، وهو ما تعده سبباً رئيسياً في ارتفاع النتائج.

كما اتهم ناشطون تربويون الجماعة بإسقاط نحو 25 ألف طالب من الذكور في الثانوية العامة هذا العام، معتبرين أن ذلك يأتي ضمن سياسات تهدف إلى ممارسة ضغوط على الطلاب وإغرائهم بالالتحاق في صفوفها مقابل الحصول على فرص النجاح، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تعليق من سلطات الجماعة.

طلاب في صنعاء يؤدون امتحانات الثانوية العامة (أ.ف.ب)

ويروي عدد من المعلمين أنهم رصدوا تجاوزات داخل بعض المراكز الامتحانية، بينها ضعف الرقابة والسماح بتقديم مساعدات لبعض الطلاب في أثناء أداء الاختبارات، وهو ما يرون أنه يضعف مصداقية العملية الامتحانية، ويؤثر في عدالة التقييم.

وفي إحدى الحالات، قال طالب من صنعاء إنه فوجئ بحصوله على معدل 72 في المائة، رغم تغيبه عن الدراسة معظم أيام العام الدراسي بسبب اضطراره إلى العمل لمساعدة أسرته، مؤكداً أنه لم يحضر سوى فترة الامتحانات النهائية، الأمر الذي دفعه إلى التشكيك في آلية احتساب النتائج.

وفي المقابل، أعرب عدد من الطلاب المتفوقين عن استيائهم من النتائج المعلنة، مطالبين بمزيد من الشفافية في إجراءات التصحيح وإعلان الدرجات، بما يضمن الحفاظ على حقوق الطلاب، ويعزز الثقة بشهادة الثانوية العامة.