علماء الأزهر يُفندون مزاعم طهران بشأن نظرية «ولاية الفقيه»

قالوا إنها حولت المجتمع الإيراني لـ«قطيع» مسلوب الإرادة تُمارس عليه أبشع أنواع القهر

الخميني يؤدي الصلاة في قصر نوفل لوشاطو بفرنسا في نوفمبر 1978 (غيتي)
الخميني يؤدي الصلاة في قصر نوفل لوشاطو بفرنسا في نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

علماء الأزهر يُفندون مزاعم طهران بشأن نظرية «ولاية الفقيه»

الخميني يؤدي الصلاة في قصر نوفل لوشاطو بفرنسا في نوفمبر 1978 (غيتي)
الخميني يؤدي الصلاة في قصر نوفل لوشاطو بفرنسا في نوفمبر 1978 (غيتي)

وجه علماء الأزهر نقدا شديدا لمزاعم إيران بأن هناك ملامح تتحقق الآن على أرض الواقع من نظرية «ولاية الفقيه» في كتاب المرجع الأعلى للشيعة روح الله الخميني «الحكومة الإسلامية». وقال العلماء إن «الكتاب يُظهر أن الشيعة متخصصون في تزييف الحقائق وتشويه التاريخ»، مؤكدين أن «الناظر بعين البصيرة إلى واقع الحياة الإيرانية بعد قيامهم بتطبيق «نظرية الفقيه» يتبين له ما جرته هذه النظرية على إيران من ديكتاتورية مطلقة واستبداد بالحكم أورث تدميرا وخرابا وقتلا، بعد أن حول المجتمع الإيراني لقطيع مسلوب الإرادة، تُمارس عليه أبشع أنواع القهر والظلم والاستبداد.
وأضاف علماء الأزهر الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن نظرية «ولاية الفقيه» شاذة وثمرة خبيثة لا تصلح لها الأراضي الطيبة، ورفضت من كافة علماء الأمة ومنهم علماء الشيعة الاثني عشرية الجعفرية، لافتين إلى أنها تكرس الحُكم المُطلق في يد رجل واحد تسبغ عليه صفة الكمال والعصمة قريبا من النبوة واعتبار الشعب كصغار قاصرين.. وبذلك فالنظرية على الضد تماما من النظام الديمقراطي أو نظام الشورى.
وقال علماء الأزهر إن أي حديث عن تفويض إلهي يحمل نوعا من الوصاية العامة والسلطة المطلقة مما يجعل الشعب ينقاد طائعا مختارا، طالما أنه سلم بذلك التفويض.

قال الدكتور أحمد سيد الأزهري، الأستاذ في كلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بأسيوط، ‏ إن نظرية «ولاية الفقيه» كما جاء في كتاب الخميني لا يشك عاقل أنها تخالف الكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين والعلماء الصالحين، مضيفا أن «الناظر بعين البصيرة إلى واقع الحياة الإيرانية بعد قيامهم بتطبيق هذه النظرية يتبين له ما جرته هذه النظرية على إيران من ديكتاتورية مطلقة واستبداد أورث تدميرا وخرابا وقتلا، وأوشك أن يؤدي بشعبها إلى الفناء والهلاك.. والعجيب أن تسمع من هؤلاء المغيبين من ينادي بتطبيق هذه النظرية الفاشلة في جميع بلاد الإسلام، بل ويتشدق بجهل مطبق وحماقة ظاهرة بأن ما كتبه الخميني في كتاب ولاية الفقيه بدأ يتحقق الآن».
وتابع بقوله: «لا أدري كيف لنظرية شاذة مثل هذه النظرية أن تؤتي أكلها، إلا ثمرة خبيثة لا تصلح لها الأراضي الطيبة، إن هذه النظرية رفضت من كافة علماء الأمة ومنهم علماء الشيعة الاثني عشرية الجعفرية وفي رفضهم لها شهادة شاهد من أهلها، فقد أنكر هذه النظرية آية الله الخوئي زعيم الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، وآية الله شريعتمداري، وهو الذي تفضل على الخميني بدرجة (آية الله) ثم قتل مسجونا في بيته ممنوعا من العلاج، والشيخ اللبناني محمد جواد مغنية، والدكتور موسى الموسوي».
وأضاف الأزهري: «المفارقة أن حفيد الخميني، حسين الخميني، وهو رجل دين بدرجة آية الله، من أشد المعارضين في إيران لنظرية ولاية الفقيه وزج الدين بالسياسة.. وغيرهم كثير، والقارئ البسيط لهذه النظرية من تعريفها وبنودها لا يخفى عليه عوارها وفسادها ومصادمتها للحق والعدل الذي جاء به الإسلام»، موضحا: «أما تعريفها عندهم فهو (نيابة الفقيه) الجامع لشروط التقليد والمرجعية الدينية عن الإمام المهدي فيما للإمام من الصلاحيات والاختيارات المفوضة إليه من قبل الله عز وجل عبر نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله في إدارة شؤون الأمة والقيام بمهام الحكومة الإسلامية».
واستطرد قائلا: «وعلى هذا فولاية الفقيه تكرس الحكم المطلق في يد رجل واحد تسبغ عليه صفة الكمال والعصمة قريبا من النبوة، تتوفر فيه العلوم الدينية والعدالة، ويكون نائبا للإمام الثاني عشر الغائب (المهدي المنتظر)، وطاعته واجبة على كل مسلم ومسلمة، واعتبار الشعب كصغار قاصرين، وبذلك فالنظرية على الضد تماما من النظام الديمقراطي أو نظام الشورى.. فهذا الإمام معين بالنص من الله فلا ترشيح ولا انتخاب وله الرئاسة المطلقة في شؤون الدين يقيمه الله ويختاره متى شاء ويظهره متى شاء ويخفيه متى شاء، وهو معصوم عصمة النبي فلا يجوز عليه الخطأ».
وتساءل الأزهري: «ماذا أنتجت نظرية ولاية الفقيه في إيران حتى يقال إنها تتحقق الآن، أو ينادى بتطبيقها في غير إيران؟»، مضيفا أن «نظرية الفقيه حولت المجتمع الإيراني لقطيع مسلوب الإرادة، تُمارس عليه أبشع أنواع القهر والظلم والاستبداد».
وحول تحقيق إيران الأمن لشعبها والبلاد المجاورة لها كما جاء في النظرية، قال الأستاذ في كلية أصول الدين: «إن كل القلاقل والفتن الموجودة الآن سببها إيران، ففي العراق تلعب طهران دور العراب للجماعات المسلحة الشيعية، وفي سوريا قيادة الحرس الثوري الإيراني هي الشريك الأكثر فعالية لحكومة بشار الأسد، وهي اليد المساعدة لقتل السوريين الأبرياء وتشريدهم، وفي اليمن هي الحليف الرئيسي للمتمردين الحوثيين، وهي الصانعة والداعمة لحزب الله في لبنان»، لافتا إلى أنه لو كانت هذه النظرية ناجحة لما خرج الناس في إيران يطالبون بتغييرها في صيف عام 2009 عندما نزل مئات الآلاف من الإيرانيين مرة أخرى لشوارع طهران، مطالبين بحكومة ديمقراطية حرة وإنهاء طغيان ولاية الفقيه.
وانتقد الدكتور حامد المكاوي، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، زعم بعض الكتاب بدء تحقق ما جاء بكتاب الخميني عن «ولاية الفقيه»، قائلا: «أولا، العقل: لتكن باكورة الحديث عن الأدلة العقلية وهي كما يلي: تبطل ولاية الفقيه عقلا، لأنها تستلزم التسلسل، لأن الولي نفسه يحتاج إلى ولي آخر، وولي الولي لولي، وهكذا، مخالفة الولاية المطلقة للعقل والواقع، لأنه لا يمكن للولي المطلق أن يكون وليا على الدكتور في طبه عند مرضه، وعلى المهندس عند بنائه للمباني، وعلى القاضي عند حكمه بينه وبين خصمه، وهكذا، فالولاية مقيدة، يتناقض القائلون بولاية الفقيه، مع أنفسهم، فتارة يقولون عنها نظرية وتارة يقولون عنها عقيدة، تعطي فكرة ولاية الفقيه.. نفس فكرة الحلولية النصرانية حيث تعطي لخامنئي ومن قبله الخميني، حق النيابة عن إمامهم المعصوم والحلول باطل عقلا ونقلا، ومن ثم فإن القول بولاية الفقيه باطل، تعداد الطائفة الشيعية لا يزيد في العالم كله عن 200 مليون من مليار ونصف المليار مسلم، مما يستبعد معه عقلا، ظهور الأقلية على الأكثرية الساحقة.. افتراض ولاية الشعب للولي الفقيه لا للشريعة، التي يجب على الجميع موالاتها غير معقول، لاستحالة انتظام المجتمعات بوضع معكوس، وعدم جواز اعتقاد العصمة لغير الأنبياء».
وتابع المكاوي: «ثانيا النقل: ولاية الفقيه المطلقة تعني النيابة التامة عن النبي أو الإمام المهدي، وهو ما لم يقل به أحد من علماء الشيعة السابقين، مما يدل على أنها أساس لها، وسيأتي الوقت الذي يتبرأ فيه الشيعة جميعا منها، ونظرية ولاية الفقيه لا أصل لها عند بعض الشيعة، لضعف الروايات التي استندت عليها، وترك مذهب التقية (خداع أهل السنة المسلمين) يواجه معارضة شديدة لديهم، وتكفير محمد تقي الدين يزدي لمن ينكر ولاية الفقيه، يدل على ظهور الشقاق بين الإيرانيين بسببها، كما يدل على سقوطها، واستباحة الشيعة لقتل أهل السنة في عقيدتهم ونصوص أئمتهم، مما يقضي على التسليم لهم بما هم عليه من ولاية الفقيه وغيرها من نظرياتهم الدينية ويكشف نازيتهم الوحشية».
وأضاف أن «إبادة البشرية ما لم تتحقق بمقدار الثلثين يعني يموت من 8 مليارات نحو 5 مليارات و165 مليونا لا يتم لهم الأمر، فانظر كيف يجري العبث بمصير العالم واللعب بالنار عن طريق العقائد، على حساب دماء الأبرياء».
وأما النص بقتل تسعة أعشار العالم فيعنون 90 في المائة من الناس، فيبقى من 8 مليارات ما يقدر بحاصل ضرب 900 مليون في 8 = 7 مليارات و300 مليون، وهذا يعني أن المطلوب لتوسع تلك الدولة عدد 700 مليون، ومن ثم يصبح النص بأنه لن يتبقى على وجه الأرض، إلا آل البيت وأتباعهم من الشيعة، قد تحقق».
وتابع المكاوي: «مما يعجل بسقوط دولتهم القائمة على (ولاية الفقيه) والتي يدعون أنها خير للعالم العربي، أنها لم ولن تغير من أصولهم التي تعتقد بوراثة العرب لخطيئة قتل الحسين - رضي الله عنه - كما قالت النصارى بوراثة خطيئة آدم عليه السلام واستباحة الغيلة بالإغراق والحوادث القدرية، وادعائهم نقص سبعين سورة من القرآن.. كل ذلك سيواجه من المسلمين أهل السنة بالتكذيب والمقاومة فهم ينوون قتل العرب وهدم الكعبة والبيت الحرام والمسجد النبوي وأخذ الحجر الأسعد لكربلاء ونقل الحج إليه، لقولهم إن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة وأفضل من عشرين عمرة وحجة إلى الكعبة وإلغاء الشريعة الإسلامية وإقامة شريعة أخرى فارسية، يؤخذ فيها من شريعة داود أو اليهود أو غيرهم».
وتابع بقوله: «هكذا ندرك أهداف ومعتقدات النازيين الإيرانيين أهل الضلال والنفاق، بما يجعلنا نقاوم كل تداعيات الهجمة الإيرانية، بما فيها فرض ولاية الفقيه، والتي باءت بالفشل على أرض الواقع، وستزداد ضياعا مع مرور الأوقات الممتلئة بالحوادث والمفاجآت، فضلا عن كفر الحاكمين بولاية الفقيه، لتكفير المسلمين السنة، واستباحة دمائهم، وأموالهم وأعراضهم وجعل ذلك التكفير جزءا من عقيدتهم، فالنبي يقول: (من كفر مسلما فقد كفر).. وهذا معناه استمرار المقاومة للحاكمين بنظام ولاية الفقيه، مما ينذر بانتهائها».
وقال المكاوي: «ثالثا الواقع: ويتمثل في مقاومة أهل السنة المسلمين لعقيدة الشيعة بما فيها نظرية (ولاية الفقيه) في البلاد التي استولوا عليها والبلاد التي يحكمونها، وتوقع اصطدام حلم أصحاب ولاية الفقيه (من المحيط إلى الخليج) بحلم صهاينة إسرائيل (من النيل إلى الفرات)، حيث ظهر بالدليل القاطع الجازم المخطط (الإيراني - الأميركي - الإسرائيلي) وصلة الشيعة الخفية بـ(القاعدة والإخوان)، وسواء قالوا بـ(النيابة العامة) عن المهدي أو ولاية الفقيه مكانه، ونبذ التقية والنفاق، فهم يؤمنون بالكذب على الناس وعدم النزاهة في الانتخابات، انطلاقا من أن طاعة الولي الفقيه من أشد الفروض، وأن خطب الجمعة للولي الفقيه هي فصل الخطاب، مما يفقد مواطنيهم ومن يتولون أمورهم الثقة بهم واستحلال حكام إيران ومرجعياتهم لأموال الشعب ودمائه ونهب الخمس منه، وكذلك الشعوب التي وقعت تحت أيديهم من العراق وسوريا ولبنان، يناقض قول الخميني: إن الولاية لجمهور الشعب، والمتناقضات باطل، ودولة الباطل ساعة، ثم تضمحل».
فيما قال الدكتور محمد أحمد الدش، مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر بالمنوفية: «إن محتوى هذا الكتاب يدور حول ترسيخ فكرة واحدة هي ولاية الفقيه فما هو إلا عبارة عن دروس فقهية ألقاها الخميني في النجف تحت عنوان ولاية الفقيه والاستدلال على أصوليتها وشرعيتها وتثبيت دعائمها وبنائها، حتى تتلقاها الشعوب بالإيجاب والتسليم، ثم تجد في ثناياه كما من الأدلة الواهية التي تبعد عن منهج الدولة الإسلامية ونظامها، كما بين ملامحها ومعالمها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، والمتصفح لهذا الكتاب يجده يطفح بكثير من الأفكار السقيمة التي لا يقبلها من كان صاحب فطرة سليمة وعقل صريح.. فبادئ ذي بدء يعرض الكاتب إلى فكرة أنه لا بد من قيام الحكومة الإسلامية التي تستمد مقوماتها – كما يقول – من منبع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.. فالحكومة عنده هي حكومة القانون والحاكم هو الله وحده وهو الشرع وحده لا سواه وحكم الله نافذ في جميع الناس وفي الدولة نفسها.. ثم لا يلبث أن يرسخ لمبدأ ولاية الفقيه، وأن تلك الولاية منصوص عليها اعتمادا على ما هو عند الشيعة من أن (من يحق له أن يلي الناس معروف منذ وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم وحتى زمان الغيبة، وحيث إنهم يعيشون زمان الغيبة ينتظرون إمامهم المغيب في السرداب – كما يزعمون –!!).. وليس هناك نص على إمام بعينه يلي أمورهم ويدير شؤون دولتهم وتلك ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، كان لا بد أن يكون هناك نائب عن الإمام الغائب.. فنجده يقول (إن خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يعتبر توفرها في أي شخص مؤهلا إياه ليحكم في الناس وهذه الخصائص موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر».
وتابع الدش: «ثم تبدأ المراوغة في تحديد منزلة الولي الفقيه ومكانته وصلاحياته فيبدأ بالقول بأن الله (قد فوض الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوضه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين – عليه السلام – من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات، فالله - تعالي عن قولهم - أعطى تفويضا لحكومتهم لتحكم الناس من خلاله، ولا شك أن كلمة التفويض هذه تحمل نوعا من الوصاية العامة والسلطة المطلقة تجعل الشعب ينقاد طائعا مختارا طالما أنه سلم بذلك التفويض الإلهي، وفي أي شيء يكون التفويض؟، لافتا إلى أنه لا شك يكون في استئثار الولي الفقيه بالسلطات الثلاث التي تتكون منها أجهزة الدولة الحديثة (القضائية والتشريعية والتنفيذية)، والمؤلف يبرر استبداد اختصاصات الولي الفقيه بتلك السلطات باستناده إلى تفسيره هو لقوله تعالي «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» فيقول: إنها (خطاب عام شامل لكل من تتألف منه أفراد هذه السلطات)، ثم يستدل على مشروعية استئثاره بكل الاختصاصات في الدولة صغيرها وكبيرها وأنه الرئيس الأعلى، فيستخرج من القرآن الكريم ما يوجب طاعة الأئمة والفقهاء العدول من بعدهم – الولي الفقيه، فيقول frown رمز تعبيري فالقرآن يأمرنا برد كل القضايا حقوقية كانت أم جزائية إلى الرسول باعتباره رئيس الدولة وهو بدوره مأمور أن يحق الحق ويبطل الباطل، ومن بعده الأئمة ومن بعدهم الفقهاء العدول، ثم بعدها بقليل يدعو إلى إحداث الثورات والتأليب بين الشعوب والحكومات فيعلن عن باقي الحكومات بكونها طواغيت لا تستحق البقاء وأنها لا بد أن تزول، فيقول في تفسيره لقوله تعالي: «ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به».. وfrown رمز تعبيري المقصود من الطاغوت، كل هيئة وسلطة قضائية حكومية تحكم أو تقضي بغير ما أنزل الله وتعمل في الناس بالجور والإثم والعدوان، وقد أمرنا الله أن نكفر بمثل ذلك وأن نتمرد على كل حكومة جائرة، وإن كان ذلك (يكلفنا الصعاب ويحملنا المشاق).. ولم لا؟ فالشيعة أجمعهم يعتبرون الحكومات جميعا باطلة ما عدا حكومة النبي والأئمة المعصومين – في زعمهم – ولا شك فيمن ينوب عن الإمام الغائب في حكمهم».
ويقول كتاب الخميني «علينا أن نسعى لتشكيل الحكومة الإسلامية ومحاولة نشر هذه الأفكار وبثها من أجل إقناع الآخرين تدريجيا لكسب مؤيدين».
في غضون ذلك، أكد الدكتور أحمد عرفة، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، أن الناظر لكتابات الخميني ومنها كتابه «الحكومة الإسلامية» يرى أنها مخالفة تماما لعقيدة أهل السنة والجماعة، وليس كما يروج البعض بأن الخلاف بيننا وبين الشيعة خلاف في الفروع.. وخير شاهد على ذلك ما سطره في كتابه هذا من شذوذ في العقائد، ولننظر إلى عقيدته في الأئمة حيث يرى أنهم أفضل من الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك قوله في صفحة رقم 52 (إن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون)، ما معنى هذا القول؟ وما الخلافة التكوينية التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون؟ أليس في هذا القول رفع الأئمة إلى مقام الربوبية والألوهية، فإننا لا نعرف أحدا غير الله تعالى يرقى إلى هذا المقام، وفي نفس الصفحة يقول: (وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل).
وتابع بقوله: «وعن موقفه من حكام المسلمين يقول (فرأي الشيعة فيمن يحق له أن يلي الناس معروف منذ وفاة رسول الله وحتى زمان الغيبة، فالإمام عندهم فاضل عالم بالأحكام والقوانين، وعادل في إنفاذها).. هو بهذا الكلام يريد أن يلغي حكم أبي بكر وعمر وعثمان، فهؤلاء في رأيه لا يستحقون أن يلوا أمور الناس، والنص صريح لا يحتاج إلى تأويل ولا يحتمله، رأي الشيعة فيمن يحق له أن يلي أمور الناس معروف، ونلاحظ قوله: معروف هو يجري على مذهب الشيعة ولا يعدل عنه ولا يأتي بقول (جديد) منذ وفاة رسول الله وحتى زمان الغيبة».
وأضاف عرفة: «الكتاب يظهر أن الشيعة متخصصون في تزييف الحقائق وتشويه التاريخ كما يزعمون في هذه الأيام بأن ما يحدث لهم هذا حق تنبأ به الخميني في هذا الكتاب، حيث يقول في صفحة رقم 146: (وأئمتنا وشيعتهم كانوا على مدى الأحقاب يقاومون سلطات الجور في كل مكان ولا يهادنونها، وبسبب من ذلك فقد نالهم من الخسف والأذى الكثير)، لافتا إلى أن كل ما فعله الشيعة الوقوف في وجه حكام المسلمين ودعاة السنة في كل مكان، مرة بالعلانية ومرة بالإفساد من الداخل، وإلا فأين دور الشيعة في محاربة الكفر والشرك والضلال في أقطار الأرض. كل ما يريده الشيعة الحكم، والحكم لمن؟ لأنفسهم فحسب».
موضحا أن الشيعة يحاربون الملكية ووراثة الحكم في الوقت الذي يضعون عقيدة لا دين إلا بها، وهي أن الحكم للأئمة ولأتباع الأئمة من الشيعة، هم ينادون بإبطال الملكية، ثم يتحولون إلى طلاب حكم يلزمون أتباعهم بتوارثه دون سواهم.. والشيعة يزعمون أنهم سيحاربون اليهود ويستردون فلسطين، ونحن نعلم أنهم يتاجرون بفلسطين كما تاجر غيرهم بها، وحتى لو كانوا صادقين، فإنهم يرون الطريق إلى القدس لا يمكن الوصول إليها، إلا من خلال السيطرة على مكة والمدينة».
في ذات السياق، قال الدكتور محمد خضر أبو زيد، المدرس المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالشرقية جامعة الأزهر، ‏إن الصراع الشيعي في المنطقة يعتبر في المقام الأول صراعا عقائديا بين أهل السنة والجماعة، وبين الفكر الشيعي، وعليه تم الانتقال بهذا الصراع العقائدي إلى صراع سياسي ليبث سمومه بين الدول العربية بأيدلوجيات مختلفة، فسعي بالفساد والإفساد بين الدول المختلفة، لافتا على أن ما نراه اليوم من الصراعات القائمة في كل من اليمن وسوريا والعراق ولبنان والبحرين، يدل على الفكر العقيم الذي لا أصل له في شرع الله عز وجل»، مضيفا: أن ما جاء في الكتاب أكدته الأيام بأن مسألة القتل والاغتيال تحتل مساحة كبيرة من العقلية الشيعية والتركيبة الشيعية لكل ما هو سني، ولذلك لم تختف هذه الفكرة (فكرة القتل والاغتيال) في أي عصر من عصور الوجود الشيعي، حيث باتت لازمة وملازمة لبقاء الحياة في هذا التكوين العنصري، الذي تعود الدماء وأصبح لا يقوى على العيش بغير إراقتها». وتابع بقوله: «مسألة الاغتيالات هي فرع خارج من سمة كبرى اشتهرت بها الشيعة، وهي الخيانة - ذلك الأصل الكبير الحاوي لمجموعة من الأفكار العدوانية - والتي لم يُشتهر بها سوى صنفين من البشر هما اليهود والشيعة، ولهذا درج العلماء على الجمع بينهما في كثير من المواقف والأحكام، وكثيرة هي الكتب التي صنفت في المقارنة والمقاربة بينهما عقيدة وأخلاقا وفكرا».



فيضانات عارمة في الصين... إجلاء أكثر من 260 ألف شخص بسبب إعصار «بافي»

فيضانات عارمة في مدينة شنيانغ بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين (رويترز)
فيضانات عارمة في مدينة شنيانغ بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين (رويترز)
TT

فيضانات عارمة في الصين... إجلاء أكثر من 260 ألف شخص بسبب إعصار «بافي»

فيضانات عارمة في مدينة شنيانغ بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين (رويترز)
فيضانات عارمة في مدينة شنيانغ بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين (رويترز)

أجبرت أقوى عاصفة ضربت البر الرئيسي للصين هذا العام أكثر من 260 ألف شخص على إخلاء منازلهم في إقليم لياونينغ شمال شرقي البلاد، بعدما تسبّب إعصار «بافي» في فيضانات شديدة.

وقالت السلطات إن من المتوقع استمرار هطول الأمطار الغزيرة اليوم (الثلاثاء)، مع هطول أمطار شديدة الغزارة في بعض المناطق؛ إذ يجذب الإعصار «بافي» كميات هائلة من الرطوبة المدارية شمالاً، مما يؤدي إلى تدفق مستمر للهواء الرطب نحو شمال الصين، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأمرت السلطات جميع المدارس ومؤسسات التدريب بتعليق الدراسة، وشهدت خدمات النقل اضطرابات واسعة في مدن شمال شرقي الصين، بما في ذلك شنيانغ وجيلين.

وتشكّل الإعصار «بافي»، الذي يُغطّي مساحة بحجم فرنسا، في المحيط الهادئ قبل 13 يوماً. وظل هيكل الإعصار سليماً إلى حد كبير أمس (الاثنين) حتى بعد وصوله إلى شرق الصين مساء السبت، مما يجعله أطول إعصار مداري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ هذا العام.


تقرير: كيف حوّل بوتين اليابان إلى وكر للجواسيس

مكتب شركة الطيران الحكومية الروسية «إيروفلوت» في برج تورانومون كوتوهيرا بطوكيو
مكتب شركة الطيران الحكومية الروسية «إيروفلوت» في برج تورانومون كوتوهيرا بطوكيو
TT

تقرير: كيف حوّل بوتين اليابان إلى وكر للجواسيس

مكتب شركة الطيران الحكومية الروسية «إيروفلوت» في برج تورانومون كوتوهيرا بطوكيو
مكتب شركة الطيران الحكومية الروسية «إيروفلوت» في برج تورانومون كوتوهيرا بطوكيو

بعد وقت قصير من اجتياح القوات الروسية لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، قامت الدول الغربية بطرد مئات الجواسيس الروس من عواصمها، كما فرضت قوائم سوداء على شركات مرتبطة بالكرملين. وكان الهدف من هذه الحملة المنسقة هو جعل مهمة موسكو أكثر صعوبة في جمع المعلومات الاستخباراتية، والحصول على معدات وتقنيات حيوية مثل الشرائح الإلكترونية الدقيقة، وأجهزة الإرسال، والآلات المستخدمة في تصنيع الأسلحة.

لكنّ مسؤولين غربيين يقولون إن العشرات من هؤلاء العملاء الذين طُردوا من الدول الغربية ظهروا لاحقاً في مكان غير متوقع: اليابان.

فقد جعلت قوانين مكافحة التجسس الضعيفة في اليابان، إلى جانب ازدهار قطاع التكنولوجيا المتقدمة فيها، البلاد جزءاً مهماً من جهود روسيا للحفاظ على قدرتها العسكرية. ووفقاً لتقديرات الحكومة الأوكرانية، فإن نحو 90 في المائة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية تحتوي على مكونات يابانية.

وفي قلب هذه العمليات داخل طوكيو توجد وحدة استخبارات عسكرية روسية سرية اسمها «المديرية العشرون»، وهي وحدة لم يُكشف دورها علناً من قبل. ويقول مسؤولون حاليون وسابقون في خمس وكالات استخبارات غربية إن عناصر هذه الوحدة يعملون تحت غطاء دبلوماسيين أو رجال أعمال، ويسعون إلى شراء أو سرقة تقنيات عسكرية مستخدمة في ساحات القتال وتهريبها إلى روسيا.

ويشرف على عمليات هذه الوحدة في طوكيو رجل يحافظ على هوية زائفة بصفته موظفاً في شركة الطيران الروسية الحكومية «إيروفلوت»، وفقاً لمسؤولين حاليين في أربع وكالات استخبارات غربية. ويؤكد المسؤولون أنه يلعب دوراً محورياً في تزويد آلة الحرب الروسية بالمعدات اللازمة.

وتظهر نتائج هذه الجهود بوضوح في الهجمات الليلية التي تستهدف المدن الأوكرانية، وفي المعارك الطويلة على خطوط المواجهة. فبعد مرور أربع سنوات على حرب أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص ودمرت مدناً بأكملها، يقول مسؤولون إن استمرار قدرة روسيا على القتال يعود جزئياً إلى حصولها على تقنيات متقدمة، من بينها تلك التي تصل إليها من اليابان.

استخدم جواسيس تابعون لوكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) وظائف في «إيروفلوت» غطاء لأنشطتهم منذ الحقبة السوفياتية

فبعد أن دمر صاروخ روسي من طراز (Kh-101) مبنى سكنياً في العاصمة الأوكرانية كييف، ما أدى إلى مقتل 24 شخصاً على الأقل في مايو (أيار)، قام المحققون بفحص حطام الصاروخ. ووفقاً لتقييم أوكراني، وجدوا أن الصاروخ كان يعتمد على مكونات يابانية يُحظر على نطاق واسع تصديرها إلى روسيا.

واستناداً إلى وثائق حكومية سرية، وسجلات شركات، ومقابلات مع عشرات المسؤولين الاستخباراتيين والحكوميين في ثلاث قارات، بدأت صحيفة «نيويورك تايمز» في كشف كيف تعمل «المديرية العشرون» والدور الحاسم الذي تلعبه محطة موسكو الاستخباراتية في طوكيو في دعم الحرب التي يشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا.

وقد تحدث معظم المسؤولين بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، لأنهم غير مخولين بنشر معلومات استخباراتية علناً.

ووفقاً للوثائق والمقابلات، قدم مسؤولون أوكرانيون لليابان أدلة على استخدام تقنياتها في الهجمات الروسية. إلا أن الحكومة اليابانية، رغم إعلانها دعماً قوياً لأوكرانيا، تحركت ببطء لمواجهة هذه المشكلة.

لطالما عُرفت اليابان بأنها بيئة مناسبة لعمل الجواسيس، ويرجع ذلك جزئياً إلى القيود التي فُرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية من قبل الدول المنتصرة، والتي أبقت أجهزة الاستخبارات اليابانية محدودة وضعيفة. بل إن اليابان لا تملك جهاز استخبارات خارجياً متخصصاً.

ويقول مسؤولون يابانيون إنهم يدركون حجم التهديد المرتبط بالتجسس، وإنهم يعملون على إزالة القيود القديمة التي تعيق جمع المعلومات الاستخباراتية.

وقال أكيهيسا شيوزاكي، النائب عن الحزب «الليبرالي الديمقراطي» الحاكم والمحامي السابق الذي تولى قضايا تجسس صناعي: «لدينا شعور بالأزمة تجاه هذا الوضع».

ولم ترد وزارة الخارجية اليابانية على الأسئلة التفصيلية المتعلقة بعمليات التجسس، لكنها قالت إن الحكومة تعاونت مع حلفائها الغربيين لحظر تصدير المواد المرتبطة بالجيش إلى روسيا.

وجاء في بيان مكتوب للوزارة: «العدوان الروسي على أوكرانيا عمل شائن يهز أسس النظام الدولي ذاته».

ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن جواسيس روساً ربما يعملون أمام أعين السلطات اليابانية مباشرة.

فمكتب شركة «إيروفلوت» في طوكيو يقع على بعد عشر دقائق سيراً على الأقدام من مقر وكالة الشرطة الوطنية اليابانية، وهي الجهة المسؤولة عن التحقيق في قضايا التجسس.

ويقول مسؤولون استخباراتيون غربيون إن الرجل المسؤول عن عمليات هذه الوحدة في طوكيو يدير نشاطه السري من الطابق الثاني والعشرين في مكتب الشركة.

وصول جاسوس إلى طوكيو

اسمه: مكسيم فلاديميروفيتش فيلتشينكوف.

كانت روسيا في حاجة ماسة إلى مكونات التكنولوجيا المتقدمة عندما تولّى مكسيم فيلتشينكوف، البالغ من العمر 49 عاماً، منصبه في طوكيو في فبراير 2024.

فقد بدأت طبيعة الحرب في أوكرانيا تتحول من مواجهات مدفعية شبيهة بحروب القرن العشرين إلى حرب تعتمد بشكل كبير على الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الحديثة، في وقت كان فيه الأوكرانيون يحققون تقدماً في المجال التقني.

ولكي تواصل موسكو القتال، احتاجت إلى تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية بتقنيات جديدة. وكانت الصين قادرة على تقديم بعض المساعدة، لكن بالنسبة إلى أكثر الأسلحة الروسية تطوراً، لم يكن هناك بديل عن المعدات الإلكترونية المتقدمة، والآلات الصناعية الدقيقة، والمكونات الأخرى التي أصبحت شركات كثيرة ممنوعة من بيعها لروسيا بشكل مفاجئ بعد فرض العقوبات.

هنا ظهر دور فيلتشينكوف، وهو ضابط مخضرم في جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU). ووفقاً لمسؤولين استخباراتيين، فإن خبرته السابقة خلال مهمة عمل سابقة في اليابان منحته المعرفة اللازمة للعثور على المعدات المطلوبة ونقلها إلى روسيا.

وحسب سجلات تجارية ومقابلات، بدأ فيلتشينكوف بتطوير علاقات مع شركات الخدمات اللوجستية التي تشحن البضائع من اليابان إلى روسيا.

وقد حذرت جهات غربية اليابان من أن مثل هذه العلاقات يمكن أن تساعد ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية على شراء تقنيات حساسة تحت ذرائع كاذبة، ثم إرسالها إلى روسيا، أحياناً باستخدام وثائق شحن مزورة.

ويقول مسؤولون استخباراتيون حاليون وسابقون إن هذا المجال هو تحديداً ما تتفوق فيه «المديرية العشرون».

ورغم أن تاريخ هذه الوحدة لا يزال غير واضح بشكل كامل، فإن المسؤولين يؤكدون أنها كانت موجودة قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. ومنذ بداية الحرب، أصبحت هذه الوحدة جزءاً أساسياً من جهود الكرملين للحصول على التكنولوجيا العسكرية المحظورة.

كما أن عملاء الاستخبارات العسكرية الروسية استخدموا وظائف في شركة «إيروفلوت» غطاء لأنشطتهم منذ الحقبة السوفياتية، أثناء بحثهم عن التكنولوجيا الغربية.

يقع مكتب شركة «بروكو إير» (Proco Air) وهي شريك رسمي لشركة الطيران الروسية الحكومية «إيروفلوت» في الطابق السادس من هذا المبنى في طوكيو وتُعرّف الشركة نفسها بأنها جسر يربط بين اليابان وروسيا

مكتب «إيروفلوت» في طوكيو

يبدو مدخل مكتب شركة «إيروفلوت» في طوكيو أشبه بباب سجن؛ نافذة ضيقة لا تكاد تسمح بالرؤية، إلى جانب جرس على الباب.

وفي وقت سابق من هذا العام، فتحت الباب امرأة روسية في منتصف العمر، ذات شعر بلون القش، وكانت ترتدي صليباً أرثوذكسياً روسياً حول عنقها. بدت متفاجئة من وجود زوار.

وقالت إن فيلتشينكوف لم يكن موجوداً، وإنها لا تعرف متى سيعود.

ولا تخضع «إيروفلوت» رسمياً للعقوبات اليابانية، لكنها توقفت عملياً عن العمل هناك لأنها لم تعد قادرة على الحصول على قطع الغيار والخدمات الضرورية. لكن شركاء «إيروفلوت» الرسميين ما زالوا يعملون.

ومن بين هؤلاء شركة «بروكو إير» (Proco Air)، التي تصف نفسها بأنها جسر بين اليابان وروسيا.

وتستأجر الشركة مساحات شحن على متن رحلات جوية متجهة إلى دول تعمل فيها «إيروفلوت»، مثل سريلانكا وأوزبكستان. وهناك تقوم «إيروفلوت» بتسلُّم الشحنات ونقلها إلى روسيا.

ولا يوجد ما هو غير قانوني أو غير معتاد في هذه العملية بحد ذاتها، إذ لا يزال كثير من السلع مسموحاً بتصديره إلى روسيا، وتساعد مثل هذه الشراكات على استمرار تدفق التجارة.

لكنّ مسؤولين استخباراتيين غربيين يقولون إن مثل هذه الترتيبات تمثل أيضاً عنصراً أساسياً في عمليات هذه المديرية. وتظهر سجلات الشحن أن اليابان هي أكبر مصدر في العالم لبعض تقنيات الاستخدام المزدوج الحساسة التي يسعى الكرملين إلى الحصول عليها.

ولا يحتاج المهربون بالضرورة إلى إيصال هذه المعدات مباشرة إلى روسيا؛ بل يكفي نقلها إلى دولة مستعدة لإعادة بيعها أو تصديرها إلى موسكو.

فعلى سبيل المثال، تُعد فيتنام أكبر وجهة لصادرات اليابان من هذه التقنيات الحساسة، وهي في الوقت نفسه أكبر مصدر لهذه التقنيات إلى روسيا.

تقع شركة «بروكو إير» في منطقة الميناء الصناعي بطوكيو، على بعد نحو 20 دقيقة بالسيارة من مكتب «إيروفلوت». لكن فيلتشينكوف لم يكن هناك أيضاً.

إلا أن مالك الشركة، تاكيهيكو ميكي، وزوجته وافقا على الحديث.

وقال ميكي، وهو ياباني الجنسية، إنه التقى فيلتشينكوف للمرة الأولى حوالي عام 2018، لكنه لم يبدأ التعاون معه بشكل فعلي إلا بعد عودة المسؤول الروسي إلى طوكيو بعد ست سنوات.

ووصفته زوجة ميكي بأنه رجل قليل الابتسام، لا يظهر سوى الجانب المهني من شخصيته.

وحسب شخصين لديهما معرفة مباشرة بالحادثة، تواصل تاكيهيكو ميكي العام الماضي مع شريك له في الصين كان فيلتشينكوف قد عرّفه عليه.

وقال المصدران إن ميكي طلب تحديداً المساعدة في شحن مواد كان يعلم أنها ممنوعة من الإرسال إلى روسيا. لكن خلال مقابلة ومراسلات لاحقة، نفى ميكي معرفته بوجود أي علاقة بين فيلتشينكوف والاستخبارات الروسية. كما نفى بشدة أنه حاول في أي وقت المساعدة في نقل مواد محظورة إلى روسيا.

وقال إن شركة «بروكو إير» لا تشحن سوى البضائع المصرح بها، مضيفاً: «معظمها معدات طبية وبعض مستحضرات التجميل».

مكتب شركة الطيران الحكومية الروسية «إيروفلوت» في برج تورانومون كوتوهيرا بطوكيو

التحذيرات الدبلوماسية

حذرت حكومات أجنبية اليابان مراراً من أن تقنياتها الحساسة يجري تهريبها إلى روسيا.

وفي شهر واحد فقط، أبريل (نيسان) 2025، أرسلت أوكرانيا ما لا يقل عن ثماني مذكرات دبلوماسية رسمية إلى وزارة الخارجية اليابانية حول هذا الموضوع. وتضمنت الرسائل أدلة على وجود مكونات يابانية داخل أسلحة ومعدات عسكرية روسية تم العثور عليها بعد هجمات استهدفت مناطق مدنية.

وقال مسؤول أوكراني إن بلاده أرسلت خلال العام نفسه نحو ثماني مذكرات دبلوماسية إضافية.

وتضمنت تلك الرسائل قوائم وصوراً لعشرات المكونات المصنعة في اليابان، بما في ذلك لوحات الدوائر الإلكترونية، وأجهزة الإرسال، وأشباه الموصلات.

وقد اطلع صحافيو الجريدة على إحدى هذه الرسائل، التي أشارت إلى العثور على مكونات يابانية داخل صواريخ باليستية روسية.

وجاء في الرسالة الموجهة إلى المسؤولين في وزارة الخارجية اليابانية: «آمل أن تأخذوا هذه المعلومات بعين الاعتبار عند دراسة فرض قيود إضافية على روسيا، أو تعزيز ضوابط التصدير المتعلقة بنقل السلع والتقنيات الحساسة إلى دول ثالثة».

وقدمت أوكرانيا لليابان قوائم بالمكونات التي تم العثور عليها، والتي صنعتها بعض أكبر الشركات اليابانية، من بينها: شركة «نيبون إلكتريك» (NEC)، و«باناسونيك»، و«توشيبا»، وشركات أخرى.

لكن الوثائق لم تتضمن أي دليل على أن هذه الشركات باعت منتجاتها لروسيا بشكل مباشر أو كانت تعلم باستخدامها في الحرب.

وقالت الشركات المذكورة إنها لم ترتكب أي مخالفات، وإنها ملتزمة تماماً بالعقوبات الاقتصادية اليابانية والقيود التجارية المفروضة على روسيا.

وأكدت شركة «نيبون إلكتريك» أن المكونات الإلكترونية التي حددتها أوكرانيا قديمة، وأن الشركة لم تبع هذه المنتجات منذ سنوات.

وقالت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية إنها أصدرت تحذيرات للشركات والمجموعات الصناعية بشأن محاولات التحايل على العقوبات. كما أضافت أنها وضعت عشرات الكيانات الأجنبية على قوائم الحظر، للاشتباه في مساعدتها روسيا على تجاوز القيود المفروضة على الصادرات.

ووفقاً لشخصين مطلعين على هذه المناقشات، فقد حذرت جهات غربية الحكومة اليابانية أيضاً من جهود الاستخبارات الروسية للحصول على التكنولوجيا اليابانية.

كما قدمت هذه الجهات معلومات إلى السلطات اليابانية حول شبكة من الشركات، من بينها شركة «بروكو إير»، التي يشتبه مسؤولون استخباراتيون في أنها تساعد عملاء روساً على شحن بضائع خاضعة للعقوبات إلى روسيا.

اليابان بين دعم أوكرانيا وثغرات مكافحة التجسس

ورغم أن السلطات اليابانية لم تتخذ إجراءات ضد فيلتشينكوف، فإن المسؤولين اليابانيين لم يكونوا غير متعاطفين مع قضية أوكرانيا. ففي يوم بدء بوتين الغزو، انضمت اليابان إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على روسيا.

وفي خطوة خالفت تقليداً مستمراً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت اليابان لاحقاً بإرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا، مثل السترات الواقية من الرصاص والخوذات.

وفي عهد رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، بدأت البلاد برنامجاً طموحاً لتعزيز قدراتها الاستخباراتية، جزئياً بهدف تحسين قدرتها على منع الصادرات غير القانونية ومواجهة عمليات التجسس.

وفي يناير (كانون الثاني)، أعلنت شرطة طوكيو أنها كشفت عن ضابط استخبارات روسي كان يتظاهر بأنه أوكراني، وحاول سرقة أسرار تجارية من موظف ياباني.

لكن في ظل غياب قانون واضح لمكافحة التجسس، لم تتمكن الشرطة من توجيه اتهامات مباشرة للجاسوس، بل فتحت قضية ضد الموظف الياباني بدعوى انتهاك قوانين المنافسة التجارية. وكان العميل الروسي قد غادر اليابان قبل توجيه أي اتهامات.

وعندما عاد صحافيو «نيويورك تايمز» إلى مكتب «إيروفلوت» للمرة الثانية، لم يكن فيلتشينكوف متاحاً مرة أخرى. ولم يتلق الصحافيون أي رد على الرسائل التي أرسلوها إلى حساباته على تطبيق «تلغرام» أو بريده الإلكتروني.

وفي زيارة ثالثة غير معلنة إلى المكتب، وافقت المرأة التي فتحت الباب على الاتصال به.

كان المكتب مليئاً بخزائن ملفات كبيرة، تعلو كل واحدة منها مجسمات لطائرات تابعة لشركة «إيروفلوت». وكانت الستائر المعدنية مغلقة، وبدا أن المرأة هي الشخص الوحيد الموجود في المكان. وبعد مكالمة قصيرة باللغة الروسية، عادت المرأة وقالت إن فيلتشينكوف لا يرغب في الحديث.

* خدمة «نيويورك تايمز»


سجن الرئيس الكوري الجنوبي السابق لمدة عامين بقضية فساد سياسي

الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول (رويترز)
الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول (رويترز)
TT

سجن الرئيس الكوري الجنوبي السابق لمدة عامين بقضية فساد سياسي

الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول (رويترز)
الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول (رويترز)

قضت محكمة في كوريا الجنوبية، الاثنين، بسجن الرئيس السابق يون سوك يول، عامين بعد إدانته بتلقي استطلاعات رأي مجانية بشكل غير قانوني مقابل تقديم دعم سياسي، في حكم يضاف إلى مشكلاته القانونية المتزايدة.

ويقبع يون (65 عاماً) في السجن بالفعل بينما ينتظر نتائج استئناف تقدّم به ضد حكم آخر بالسجن مدى الحياة لإدانته بتزعّم تمرّد عبر إعلانه الأحكام العرفية في 2024.

وفي قضية منفصلة، قضت محكمة بسجن يون، 30 عاماً، لإرساله مسيّرات إلى كوريا الشمالية «لاختلاق» أزمة قبيل سعية لفرض الأحكام العرفية. ولا علاقة بين حكم الاثنين ومرسوم الأحكام العرفية.

تتعلّق القضية باتّهامات له بتلقي استطلاعات رأي مجانيّة بين عامي 2021 و2022 مقابل دعم مرشّح كان يسعى للحصول على ترشيح حزبه لخوض انتخابات برلمانية تكميلية.

وقال ممثّل عن محكمة سيول المركزية، لوكالة الصحافة الفرنسية: «خلصت المحكمة اليوم إلى أنه مذنب بانتهاك قانون التمويل السياسي، وحكمت عليه بالسجن لمدة عامين».

تغطية الحكم على يون سوك يول على شاشة في محطة قطارات بسيول يوم 19 فبراير 2026 (أ.ب)

وخلصت المحكمة في قرارها إلى أن يون، وبالتعاون مع زوجته كيم كيون هيي، تلقى 14 استطلاعاً للرأي مجاناً من الوسيط السياسي ميونغ تاي- كيون، مقابل دعمه مرشحاً كان يحظى بدعم ميونغ.

وأفادت المحكمة، في بيان شاركته مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن «سلوك يون أدى إلى تفاقم انعدام ثقة الرأي العام بالعمل السياسي بشكل كبير، وقوّض تطلعات الشعب إلى التطور السليم للحكم الديمقراطي». وأضافت أنه «لذلك، تُعد المسؤولية الجنائية للمتهم بالغة الخطورة».

وأدانت المحكمة أيضاً ميونغ وقضت بسجنه 18 شهراً. وأكد محامو يون أنهم سيستأنفون الحكم ورأوا أن إدانته «مبنية فقط على التدخل».

ويأتي الحكم الأخير في وقت تنتظر السيدة الأولى السابقة كيم، صدور حكم عن المحكمة العليا بشأن القضية ذاتها، الخميس. وتمّت تبرئتها في حكمين سابقين.

تقضي كيم أيضاً عقوبة بالسجن لمدة سبع سنوات في قضية رشوة ترتبط بوظائف يُشتبه بأنها وفّرتها مقابل هدايا. كما تقضي عقوبة بالسجن مدّتها أربع سنوات في قضية منفصلة تتعلّق بالتلاعب بأسواق الأسهم والفساد.

أدخل يون كوريا الجنوبية في أزمة سياسية عندما أعلن الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) 2024. وسارع نواب المعارضة للتصويت ضد المرسوم ليتم لاحقاً عزل يون وإطاحته من السلطة.