تونس تعلن حظر التجول الليلي.. وجلسة حكومية طارئة لتدارس الأزمة

رئيس الوزراء يؤكد السيطرة على الوضع.. والمرزوقي يدعو إلى انتخابات مبكرة

شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

تونس تعلن حظر التجول الليلي.. وجلسة حكومية طارئة لتدارس الأزمة

شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)
شبان عاطلون عن العمل خلال مشاركتهم في تظاهرة للمطالبة بالتشغيل والتنمية في العاصمة أمس (إ.ب.أ)

أعلنت تونس حظر التجول في كامل تراب الجمهورية، يبدأ من الثامنة ليلا إلى الخامسة صباحا، وذلك بداية من الليلة الماضية، في خطوة كانت منتظرة بسبب الانفلات الأمني الخطير الذي امتد من القصرين إلى بقية المدن، ووصل إلى الأحياء الشعبية القريبة من العاصمة، وأيضًا بسبب خوف السلطات من ازدياد تدهور الأوضاع الأمنية بعد انطلاق احتجاجات ليلية خرجت عن طابعها السلمي، وتبعتها عمليات نهب وتخريب للمؤسسات الحكومية والأملاك الخاصة.
وقالت وزارة الداخلية في بلاغ لها، إنه «نظرا لما شهدته البلاد من اعتداءات على الأملاك العامة والخاصة، وما بات يُشكله تواصل هذه الأعمال من مخاطر على أمن الوطن والمواطن، فإنه تقرر بداية من اليوم (أمس) إعلان حظر التجول بكامل تراب الجمهورية»، ودعت المواطنين إلى الالتزام بمقتضيات حظر التجول.
وكانت السلطات التونسية قد لجأت إلى هذا الإجراء بداية في ولاية (محافظة) القصرين، حيث انطلقت شرارة الاحتجاجات الاجتماعية، قبل أن تمتد إلى بقية البلاد بعد توسع رقعة الاحتجاجات.
وسينتهي إعلان حظر التجول، وفق خبراء أمنيين، عندما تنتهي المخاطر التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار، وهو غير محدد المدة، على غرار إعلان حالة الطوارئ. ومن شأنه حسب نفس المصادر، تخفيض الضغوط المسلطة على قوات الأمن والجيش في مواجهة المحتجين، وهو ما سيساعدها في السيطرة على مظاهر الانفلات الأمني الذي عاشته عدة أحياء شعبية خلال الليلة قبل الماضية.
وتجددت أمس الاشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن في عدد من الولايات، ومن بينها سيدي بوزيد، وقفصة وبنزرت، وسليانة والقصرين، التي تجمع بها نحو 1500 عاطل عن العمل أمام مقر الولاية، مطالبين بمقابلة الوالي (المحافظ) لبسط مطالبهم من جديد. أما في مدينة قفصة فقد تواصل إقفال خدمات سكك الحديد لنقل المسافرين، ومادة الفوسفات الحيوية للاقتصاد.
وفي حي «البوكري»، الذي يعد أحد الأحياء الشعبية الفقيرة القريبة من العاصمة، أغلق صباح أمس عدد من المحتجين الطريق الرئيس الرابط بين المنيهلة والمركب التجاري، وحي التضامن وطالبوا بتمتيع العائلات المعوزة بمساكن اجتماعية، فيما ساد هدوء حذر معظم المدن التونسية الأخرى، التي عرفت احتجاجات قوية أول من أمس، وامتدت شرارتها لأول مرة إلى حي التضامن بالعاصمة خلال مواجهات ليلية مع قوات الأمن.
وأعلن رئيس الوزراء الحبيب الصيد أمس أن الوضع بات «تحت السيطرة»، وقال متحدثا في باريس عقب مأدبة غداء مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في قصر الإليزيه، إن «الهدوء يعود» إلى المدن، والوضع «تحت السيطرة حاليا». كما تحدث عن الاضطرابات التي انطلقت من القصرين بوسط البلاد، وامتدت إلى الكثير من المدن الأخرى، مؤكدا أنها «مشكلة اقتصادية، مشكلة طلبات وظائف»، ووعد في هذا الصدد باتخاذ «تدابير جديدة في إطار برنامج إنمائي». لكنه أكد في المقابل أنه «ليس لدينا عصا سحرية لإعطاء وظائف للجميع في نفس الوقت».
وعلى أثر هذه الاحتجاجات والمسيرات، أصبحت أنظار المتابعين تتجه إلى الاجتماع الوزاري الذي سيعقده رئيس الحكومة اليوم (السبت)، حيث ينتظر الكثير من المواطنين من الحكومة التركيز على قضية التشغيل ومحاولة تصحيح المسار الاجتماعي والاقتصادي، بعد النجاح النسبي الذي عرفه المسار السياسي.
وفي محاولة لخفض درجة التوتر الاجتماعي والأمني، دعا الصيد إلى ضبط النفس، وقال إن رجال الأمن تعاملوا مع الاحتجاجات برصانة، معتبرا أن الاحتجاجات الأخيرة خرجت عن طابعها السلمي، وأن الدولة مطالبة بأن تقوم بصلاحياتها وتنفذ الدستور الجديد، كما نفى نيته الاستقالة من منصبه تحت ضغط الاحتجاجات.
وفي غضون ذلك، دعا الرئيس السابق المنصف المرزوقي أمس إلى إجراء انتخابات مبكرة في البلاد، على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية التي ضربت عدة مدن منذ نحو أسبوع، معتبرا أن الحكومة الحالية فشلت ولا مستقبل لها. وصرح المرزوقي، الذي خسر انتخابات 2014 أمام الباجي قايد السبسي، والذي أطلق حزب (تونس الإرادة الجديد) بأن «الحكومة هي من أضعف الحكومات وليس لها مستقبل.. ورئيس الحكومة يتلقى الأوامر من رئيس الجمهورية»، مضيفا أن «التحالف الحالي في البرلمان فشل في حل المشكلات الاجتماعية.. ويجب تغيير المشهد السياسي الحالي عبر انتخابات تشريعية مبكرة».
ووفق المحلل السياسي جمال العرفاوي، فإن حكومة الصيد تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية كثيرة، ومهمتها تزداد تعقيدا بتنامي المخاطر الإرهابية وتحصن العشرات من المتطرفين على مقربة من مدينة القصرين (وسط غربي تونس)، وهي تنظيمات تسعى، على حد قوله، إلى استغلال الاحتجاجات للدعاية لفشل المسار السياسي في تونس، واستقطاب المزيد من الشباب الغاضب إلى صفوفها. واعتبر العرفاوي حزمة الإجراءات التي أعلنتها الحومة لفائدة القصرين مجرد مسكنات لن تنتهي إلى نتيجة، وقال إن الحل الأمثل هو البحث عن أسباب الأزمة، وإقرار حلول اجتماعية واقتصادية عاجلة. وبعد نحو ستة أيام من الاحتجاجات، أعدت وزارة الداخلية تقارير حول ما خلفته المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، حيث أشارت في حصيلة أولية إلى إصابة 59 رجل أمن، وحرق سبع سيارات أمنية، ورشق مجموعة من المقار الأمنية بقنابل المولوتوف.
وفي السياق ذاته، قال العميد خليفة الشيباني، المكلف الإعلام والاتصال بالإدارة العامة للحرس الوطني، إن قوات الأمن اعتقلت 16 شخصا على خلفية أحداث عنف وتخريب وسرقة شهدها حي التضامن بولاية أريانة القريبة من العاصمة، مسجلا اقتحام عدد من المراكز الأمنية والمستودعات التابعة للبلدية والجمارك، وسرقة وتخريب محتويات عدد من الفضاءات التجارية والفروع البنكية بالمنطقة. وفي تفسيرها لما عرفته تونس من احتجاجات سلمية مطالبة بالتنمية والتشغيل قبل أن تتحول إلى احتجاجات عنيفة، نبهت بدرة قعلول، رئيسة مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجي، إلى إمكانية وجود مخطّط فوضوي هدّام يستهدف الأمن القومي للبلاد، وكيان الدولة التونسية، على حد تعبيرها، واتهمت أطرافا سياسية لم تسمها بالإعداد الكامل لهذه الأرضية تحت شعار ما يسمى «ثورة الجياع»، أو «ثورة المهمّشين» وتحت راية التأجيج الاجتماعي، واستغلال وتوظيف ثغرات الحكومة، والحديث عن الفساد ونهب الثروات الوطنية. لكنها أشارت في المقابل إلى أن هذه «الاحتجاجات ستتواصل في حال عدم تمكن الحكومة من إيجاد حلول تنموية جذرية، ومباشرة تطبيقها، وإذا ما شعرت الحكومة بأنها عاجزة عن الوفاء بتعهداتها وجب عليها مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع في البلاد».
من ناحية أخرى، نجحت وحدة عسكرية بالمرتفعات المتاخمة لمدينة القصرين (وسط غربي تونس) في رصد مجموعة إرهابية، كانت بصدد التنقل بجبل سمامة، وداهمتها مما أجبرها على الانسحاب ودخول المرتفعات الجبلية الوعرة.
ووفق بلاغ لوزارة الدفاع التونسية، فقد خلفت وراءها دابتين محملتين بألغام مضادة للعربات وألغام مضادة للأشخاص جاهزة للاستعمال، ولغم حارق جاهز للاستعمال، وألغام حارقة في طور التحضير في أوعية بلاستيكية، بالإضافة إلى حزام ناسف. وأضافت الوزارة في ذات البلاغ بعثورها في نفس المنطقة على آثار دماء، مما يرجح وقوع إصابات في صفوف المجموعة الإرهابية بعد حصول اشتباكات بين التشكيلة العسكرية والعناصر الإرهابية.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.