خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي

الرئيسة الجديدة لمجلس النواب تدافع عن حقوق المرأة والمهاجرين

خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي
TT

خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي

خديجة عريب .. مغربية الأصل تتحدى اليمين المتطرف الهولندي

أن تنجح في الصعود إلى قمة جبل في ظروف مناخية صعبة، أو تتمكن من السباحة عكس التيار أو في وجه أمواج عاتية لكي تصل إلى برّ الأمان، فهذا بلا شك إنجاز كبير، يستحق أن يحظى بتقدير الجميع. هذا بالضبط ما ينطبق على خديجة عريب، السيدة الهولندية المتحدّرة من أصل مغربي، التي خطفت الأضواء خلال شهر يناير (كانون الثاني) الجاري، بعد انتخابها رئيسة لمجلس النواب في هولندا. كما هو معلوم على نطاق واسع في أوروبا - وربما في خارجها أيضًا - يتمتع تيار اليمين المتطرّف الهولندي، بل والعنصري غالبًا، بشعبية كبيرة. وكمثال، نشير إلى حزب الحرية الذي يقوده خيرت فيلدرز المعروف بمواقفه العدائية من المهاجرين الأجانب وخاصة المسلمين والعرب. وبناءً عليه، في ظل هذا الحضور القوي لليمين المتطرف لم يكن أحد يتوقع أن تنجح سيدة من أصول أجنبية في إلحاق الهزيمة بخطط اليمين التي تستهدف الأجانب في هولندا وتطالب بإبعادهم خارج البلاد.

انتخبت خديجة عريب، وهي سياسية وبرلمانية تتحدّر من أصل مغربي وتنتمي إلى حزب العمل الهولندي، يوم 13 يناير الجاري رئيسة لمجلس النواب، الذي هو أحد المجلسين اللذين يشكلان السلطة التشريعية (البرلمان) في هولندا.
في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قال باين لامفيرس، الباحث في شؤون الإحصاء والأقليات في مدينة لاهاي، معلقًا على هذا الحدث البارز «من وجهة نظري، أنا أعتبر تصويت النواب سيفًا ذا حدّين، فهو من جهة سيعزّز مكانة المهاجرين ويقوي ثقتهم في المؤسسات النيابية الهولندية. ولكن من جهة أخرى أرى في التوافق على انتخاب خديجة عريب، السياسية المغربية الأصل، عملية تصفية حسابات سياسية مع حزب خيرت فيلدرز، خاصة أن هذا الحزب عادة ما يشكك في عمل المؤسسات التمثيلية.. وكلنا يتذكر تدخل فيلدرز في كلام أمام البرلمان اعتبر فيه «البرلمان زائفًا». وبالتالي، سيستغل حزب الحرية هذا الحدث إعلاميًا للتأثير كعادته على الرأي العام الهولندي، لا سيما أن التكهنات تشير إلى احتمال فوز هذا الحزب بالمكانة الأولى في الانتخابات المقبلة، والظفر بـ42 مقعدًا تقريبًا في مجلس النواب التالي.
السيرة الذاتية لخديجة عريب، تفيد بأنها من مواليد أكتوبر (تشرين الأول) عام 1960 في الهدامي، إحدى بطون قبيلة أولاد سعيد بمنطقة لغنيميين، في إقليم سطات (جنوب شرقي الدار البيضاء). وهي وحيدة عائلتها وهاجرت إلى هولندا بعد بلوغها الخامسة عشرة من عمرها في إطار جمع شمل الأسرة، وكان قانونًا جديدًا في حينه. وكان أول تحدٍّ لها هو كيفية استيعاب لغة البلاد، الصعبة والمعقدة. وهو الأمر الذي استطاعت التمكن منه بعد فترة وجيزة من الزمن قبل بلوغها سن الشباب.
في هولندا أكملت عريب دراستها المتوسطة والثانوية، والتحقت على الأثر بجامعة أمستردام حيث تخرّجت مجازة (بكالوريوس) بعلم الاجتماع، ثم حصلت من الجامعة نفسها على شهادة الماجستير. أما في ميدان العمل فإنها تقلبت في العمل الحكومي والنشاطات الاجتماعية والتعليم في مدن بريدا وأوتريخت وروتردام، بالإضافة إلى أمستردام. وانخرطت في المجال السياسي عبر عضويتها في حزب العمل، وهو حزب ديمقراطي اشتراكي يعد أكبر أحزاب يسار الوسط في البلاد.
وعام 1998 دخلت عريب مجلس النواب لأول مرة واحتفظت بمقعدها فيه حتى أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2006. ثم عادت إلى البرلمان في 1 مارس (آذار) 2007 وحتى اليوم. وطوال فترة عملها البرلماني ركّزت عريب اهتماماتها على قضايا العنصرية والتمييز والإساءة إلى المرأة والعنف المنزلي والعناية بالطفل والأم. وفي المقابل، واجهت حملات عنيفة من العنصريين واليمينيين المتطرفين في حزب الحرية لاحتفاظها بالجنسية المغربية مع حملها الجنسية الهولندية، ودورها في هيئة استشارية على صلة بالعرش المغربي. وللعلم، فإن عريب متزوجة من نور الدين دحّان، وأم لثلاثة أولاد منهم الكاتبة صابرة دحّان.
هذه هي أول مرة تصل فيها امرأة مهاجرة من أصل مغربي إلى رئاسة مجلس نواب في أوروبا الغربية، مع العلم أنه سبق لسيدات من عائلات مهاجرة من شمال أفريقية شغل حقائب وزارية، لعل أبرزهن المغربية نجاة فالو - بلقاسم وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي والأبحاث حاليًا في فرنسا، والجزائرية رشيدة داتي وزيرة العدل السابقة في فرنسا أيضًا. كذلك، فإن مغربيًا يشغل اليوم منصب عمدة روتردام، ثاني كبرى مدن هولندا هو أحمد أبو طالب. وأبو طالب - وهو عمالي مثل عريب - من محيط مدينة الناظور، بشمال المغرب، وهي المنطقة نفسها التي تنتمي إليها نجاة بلقاسم.
نور الدين العمراني، الإعلامي والباحث المهتم بشؤون الأقليات، قال لـ«الشرق الأوسط» في تصريحات حول الموضوع «إن اختيار خديجة عريب رئيسة للمجلس النيابي انتصار للمهاجرين، خاصة، أن الظروف التي تمر بها الهجرة عسيرة أمام تزايد مظاهر الكراهية والحقد ضد الأجانب عامة، والمسلمين، خاصة. ولقد تساءل فيلدرز علانية في تغريدة له عقب فوز خديجة عريب بأنه لا يريد أن يصدّق أن تترأس البرلمان مغربية بيدها قرآن في مؤسسة تشريعية هولندية؟ إن تصريحات كهذه تجعل من المغاربة والمسلمين مواطنين معزولين مجتمعيًا. وهذا ما سيشجع على التطرّف وتبني الأفكار التي تدفع بهم إلى العزوف عن المشاركة السياسية والتمثيلية، وهو بالضبط ما يهدف إليه فيلدرز وأمثاله. لذا أكرّر أن ترؤس عريب مجلس النواب يعدّ انتصارًا للديمقراطية وهدية اعتراف بنضال وصمود الجمعيات الذاتية التي انتزعت حق المشاركة السياسية للأجانب في مطلع الثمانينات».
آراء كثيرة، مثل رأي العمراني، رحبت بإنجاز خديجة عريب السياسي الكبير، ومنها الترحيب الذي أورده موقع مجلس الجالية المغربية المهاجرة. إذ أشاد المجلس المذكور بهذا التتويج، مشيرًا إلى أنه «على الرغم من محاولات مرشحي حزب الحرية اليميني المتطرف عرقلة وصول المهاجرة المغربية إلى أعلى هرم السلطة التشريعية في هولندا، تمكنت ابنة الدار البيضاء من الفوز بالأصوات الكافية التي خوّلتها التربع على قمة البرلمان الهولندي». وأضاف الموقع الإلكتروني نفسه أن «خديجة عريب تعتبر من أقدم البرلمانيات في هولندا إذ نجحت في الوصول إلى قبة البرلمان، أربع مرات على التوالي، ضمن صفوف حزب العمل الهولندي. وهذه السياسية المغربية الهولندية تتمتع، وفق وسائل الإعلام الهولندية، باحترام واسع في الأوساط السياسية الهولندية بفضل الدور الذي لعبته في الحياة البرلمانية ومؤسستها التشريعية».
كذلك، بعد نجاح عريب، قال مارك روته، رئيس وزراء هولندا، في تعليق له على فوزها برئاسة مجلس النواب «أرسل إليها تهنئة قلبية للفوز بالمنصب وأتطلع للعمل المشترك وبشكل جيد معها»، وهذا مع العلم أنها عمالية يسارية وهو زعيم حزب الشعب اليميني المحافظ. والحقيقة، أن فيلدرز، رئيس حزب الحرية المتطرف، وحده وجه انتقادات لهذا الاختيار، بل وغادر البرلمان عقب التصويت من دون تقديم التهنئة للرئيسة الجديدة التي تلقت التهاني المألوفة والتقليدية في هذه المناسبات من رؤساء الكتل الحزبية وأيضا من المتنافسين معها على المنصب خلال الانتخابات التي أجريت مساء الأربعاء قبل الماضي.
كما سبقت الإشارة، فيلدرز آخذ على الرئيسة الجديدة أنها لا تزال تحتفظ بجنسيتها المغربية إلى جانب الهولندية، واعتبر أن يوم انتخابها «يوم أسود في تاريخ البرلمان». وتابع في تصريح تلفزيوني أن «الأمر لا يتعلق بها كشخص. ولكن لا يجوز أن يتولى من حمل جنسيتين رئاسة مجلس النواب الهولندي».
هذه الحملة المغرضة المركزة حاولت عريب مرارًا مواجهتها عبر تشديدها في وسائل الإعلام المحلية أنها تشعر أنها هولندية الانتماء وأن السبب الوحيد وراء احتفاظها بالجنسية المغربية هو أن المملكة لا تسمح لرعاياها بالتخلي عن هويتهم. وردت على انتقادات فيلدرز قائلة لوكالة «إيه إن بي» للإعلام «أنا بكل بساطة أقوم بعملي، ويمكن أن أتولى أيضا رئاسة الحزب من أجل الحرية فنحن نعيش في ديمقراطية». وفي هذا السياق، فيما يتعلق بمسألة الجنسية المزدوجة، يعيش في هولندا نحو 1.3 مليون نسمة يحملون جنسيتين أو أكثر حسب أرقام المكتب الوطني للإحصائيات نشرت أخيرًا. وتغطي أرقام المكتب الفترة السابقة لأول يناير 2014. وهو تاريخ تعليق السلطات الهولندية تسجيل الجنسيات الأجنبية لحاملي الجنسيات المزدوجة في السجل الهولندي. وحسب المصدر ذاته فإنه من أصل 1.3 مليون مقيم مزدوج الجنسية، فإن الربع يحمل جواز سفر مغربيا ويحمل كثيرون الجنسية التركية. وأضاف المصدر أن 50 في المائة المتبقية تغطي عددًا كبيرًا من الجنسيات، مضيفا أنه يعيش في هولندا ما لا يقل عن 170 جنسية. وكانت هولندا قد أصدرت عام 2013 قانونًا جديدًا ينظم تسجيل حاملي الجنسيات المزدوجة في السجل البلدي للسكان. ويمنع هذا القانون ذكر جنسية أخرى غير الجنسية الهولندية في هذا السجل الذي يضم جميع المعطيات الشخصية للمقيمين.
عندما دخلت عريب البرلمان لأول مرة عام 1988 ممثلة حزب العمل الهولندي قالت: «لم أكن أفكر قط في الدخول إلى البرلمان». وحقًا وضعت جلّ قدراتها وإمكانياتها طيلة 17 سنة. ولقد صرحت غير مرة، أنها كفتاة من عائلة مهاجرة «بدأت تجربتها السياسية عضوًا عاديا في صفوف الحزب الذي اجتذبها سياسيا لتعاطفه مع قضايا الدول النامية والفئات المهمّشة في المجتمع الهولندي». وأضافت أن نشاطها في ميادين الصحة والهجرة والمرأة، كان دافعا لها للترشح باسم حزب العمل لانتخابات 1998. وهي تعتز كثيرًا بأنها ما زالت تمارس مهامها تحت قبة البرلمان لحد الآن بفضل تجديد الثقة فيها من قبل ناخبي دائرتها والاحترام الذي تلقاه من زملائها.
والواقع أن خديجة عريب التي استقرت بعد هجرتها إلى هولندا في العاصمة أمستردام، وكانت من مؤسسات اتحاد النساء المغربيات في هولندا، وتولت مسؤوليات ووظائف مختلفة قبل أن تصبح برلمانية في العام 1998، وذلك بهدف مبدئي تصفه كما يلي «لقد دخلت عالم السياسة لأن أمورًا كثيرة لم تكن تعجبني، بل قل كانت تضايقني، وأرى أنها يجب أن تتغير. الآن كبرلمانية، ما زلت أحتفظ دائما بالملفات نفسها التي أردتها للتغيير من الوضع». ولذا ما زالت اهتمامات عريب السياسية تتمحور حول قطاعات الخدمات الاجتماعية، وبالأخص، بقطاع الصحة، وتحديدًا الرعاية الصحية للنساء المغربيات والتركيات. وهنا تقول شارحة «من الإحصائيات يتبين أن نسبة الوفيات أثناء الولادة مرتفعة بنسبة تفوق الضعف لدى الأطفال المغاربة مقارنة بالأطفال الهولنديين. ولكنني، بالتعاون مع وزير الصحة نجحت في تحقيق أن تحظى المرأة الحامل بزيارة طبية إلى بيتها وأيضا بحث الظروف التي تلد فيها، وأن تخصص القابلات وقتا أطول مما كان متاحًا لتقديم المساعدة اللازمة».
أخيرًا، وفق أحدث الإحصائيات الرسمية في هولندا، فإن 380 ألف هولندي أصولهم مغربية يعيشون داخل البلاد، البالغ تعداد سكانها 17 مليون نسمة. ويقدر البعض أن حجم الجالية المسلمة الهولندية إجمالاً بأكثر من مليون نسمة. وكان الجيل الأول من المغاربة قد وصل إلى هولندا منذ خمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي وجاء هؤلاء للعمل في إصلاح ما دمرته الحرب العالمية الثانية. واليوم هناك أجيال متعاقبة من المغاربة، السواد الأعظم منهم نجحوا في الاندماج في المجتمع واحتلوا مناصب مرموقة.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.