استقبال فاتر في الشارع الإيراني لرفع عقوبات «النووي»

مواطنون يستبعدون أن تؤدي الخطوة إلى تحسين أوضاعهم المعيشية

أفراد أسرة إيرانية يجلسون خارج البازار الكبير في طهران (أ.ف.ب)
أفراد أسرة إيرانية يجلسون خارج البازار الكبير في طهران (أ.ف.ب)
TT

استقبال فاتر في الشارع الإيراني لرفع عقوبات «النووي»

أفراد أسرة إيرانية يجلسون خارج البازار الكبير في طهران (أ.ف.ب)
أفراد أسرة إيرانية يجلسون خارج البازار الكبير في طهران (أ.ف.ب)

في اليوم الذي تَقرر فيه رفع العقوبات الدولية القاسية المفروضة على إيران، افتتح التلفزيون الإيراني الرسمي ساعات البث الصباحية ببرنامج عن تطعيم الأطفال. لم يكن هناك شباب يلوحون بأعلام إيران أو يرددون الأناشيد الوطنية في شوارع العاصمة طهران، فقد مرت ساعات الذروة صباح السبت كما هو الحال في بداية كل أسبوع عمل في إيران.
جاء الاحتفال البسيط ومراسم استكمال تنفيذ الاتفاق الإيراني الذي مكن إيران من العودة لمنظومة الاقتصاد العالمي ليعكس مظاهر خيبة الأمل والوعود التي لم تتحقق لإيران، تلك الوعود التي تلقتها إيران على مدى العامين اللذين أعقبا بداية المفاوضات. وفي الوقت الذي تحدثت فيه الحكومة عن الاتفاق لترفع من معنويات مواطنيها، لم يتفاءل بتحسن الأوضاع المعيشية إلا القليلون.
وقال علي شوجا، عامل نظافة يتوجه إلى عمله باستخدام مترو الأنفاق: «لم أر أي مظاهر جديدة»، مضيفا: «يتحدثون عن مليارات الدولارات التي ستهبط علينا، لكن كما كان الحال دوما في الماضي، لا أتوقع أن تصل تلك الدولارات إلى جيبي».
وحتى صفقة مقايضة الإيرانيين السبعة المعتقلين في السجون الأميركية مقابل مراسل «واشنطن بوست» جوزيف رزيان وثلاثة أميركيين آخرين معتقلين هنا كلها فشلت في إضفاء أي إثارة تذكر.
وللتلفزيون الرسمي أسبابه في عدم الاكتراث بالحدث؛ فنهاية العقوبات تعتبر في حد ذاتها نجاحا لحكومة الرئيس حسن روحاني، لكنها في نفس الوقت أتت على حساب النظام الإيراني الحاكم. فقد جرى توقيع الاتفاق في شهر يوليو (تموز)، وكان على الحكومة الاحتفاظ في مخازنها بنحو 12.000 جهاز طرد مركزي، وتصدير تقريبا كل مخزونها من اليورانيوم المخصب وإزالة مفاعلها المائي الضخم. ويجد الكثير من المسؤولين خاصة المتشددين صعوبة في وصف الاتفاق الإيراني بالانتصار في ظل المقابل الذي تحتم على إيران دفعه كي تصل إلى حل وسط.
وتفضل الحكومة التركيز على المكاسب الاقتصادية التي سوف تعود على إيران بعد رفع العقوبات التي يعود تاريخ بعضها لعام 2007. ويشير الرئيس روحاني في كل مناسبة تقريبا إلى أن إيران خرجت من عزلتها في عهده.
وفي الحقيقة، يخطط وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير للقيام بزيارته الثانية لإيران، ومن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة لطهران في 22 يونيو (حزيران)، وسيقوم الرئيس روحاني بزيارة لإيطاليا وفرنسا بعد مغادرة الرئيس الصيني مباشرة.
وفي وسط التحركات الدبلوماسية تأتي المكاسب الكبرى من الاتفاق النووي الإيراني والثروات الطبيعية الضخمة التي تمتلكها إيران، وهي بالفعل تفوق ما تجنيه البلاد من عائدات النفط والغاز، ناهيك عن النفاذ لأكبر أسواق العالم غير المستغلة. فقد جرى توقيع الكثير من الصفقات التي تنتظر لحظة رفع العقوبات لتبدأ في السريان. ويطلق الرئيس روحاني على تلك الصفقات اسم «اتفاقيات المكاسب المشتركة» حيث يرى أنها ستعود بالنفع على كلا الطرفين، على الرغم من أن المتشددين في كل من إيران والولايات المتحدة يرون أنها سوف تعود بالنفع على طرف واحد فقط. وأيا كانت نتيجة ذلك الجدل، فسوف تتمكن إيران مجددا من بيع نفطها وإتمام تحويلات مالية دولية. ولكن في الوقت الذي تسرع فيه أوروبا وآسيا من خطواتهما في سبيل الحصول على نصيب من الكعكة، سوف يكتفي قطاع الأعمال في الولايات المتحدة، الذي يعتبر الوسيط الأساسي في إبرام الاتفاق، بالمشاهدة من الخارج.
وتتخطى شهية إيران للاستثمار واستقبال الواردات صناعة البترول والغاز، رغم تأكيد المسؤولين على أن إيران في حاجة إلى تمويل بقيمة 150 مليار دولار أميركي على الأقل للمحافظة على تدفق النفط خلال العقود القادمة.
ويقول سعيد ليلاز، خبير اقتصادي مقرب لحكومة الرئيس روحاني: «نحتاج إلى كل شيء تقريبا؛ مئات الطائرات، مطارات جديدة، وتحديث لبنيتنا التحتية».
وتبدي الشركات الأميركية اهتماما بإيران، بيد أن العقوبات التي يعود تاريخها لعام 1984 عندما كانت إيران مصنفة كدولة راعية للإرهاب سوف تجبرها على العمل من خلال شركات من الباطن. ولهذا السبب توقع محلل اقتصادي أن الشركات الأوروبية والآسيوية ستتقاسم الحصص في السوق الإيرانية.
وأفاد أكير كيراس رازوغلي، رئيس مجموعة شركات أرا، وهي شركات استشارات تجارية مقرها طهران، أن «الشركات الأميركية سوف تنتظر على الأقل لما بعد انتخابات الرئاسة الأميركية» قبل أن تقوم بأي تحرك جدي بعد أن ترى الفائز. وأضاف أن الخوف كان كبيرا من فوز رئيس جمهوري في الانتخابات الأميركية قد يقوم بإعادة فرض العقوبات.
وقد يستغرق الأمر مدة أطول من ذلك في ضوء خليط العقوبات التي لا تزال مفروضة والتي لا يستطيع رفعها سوى كونغرس يهيمن عليه الجمهوريون، وهم في الأساس ليس لهم مصلحة في رفعها. ومع بعض الاستثناءات، لا تزال هناك بعض العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تمنع إلى درجة كبيرة أغلب الأميركيين من التعامل التجاري مع إيران والعكس. وفي حين أن المؤسسات المالية الإيرانية ستتمكن مجددا من النفاذ داخل النظام المصرفي العالمي، لن تتمكن تلك المؤسسات من استخدام ذلك النظام، أو العمل من خلاله، لعمل تحويلات إلى الولايات المتحدة كما هو الحال الآن.
وقال فرهاد علوي، الشريك التنفيذي لمجموعة أكريفيز القانونية المتخصصة في قوانين العقوبات الاقتصادية والتحكم في الصادرات: «خضعت إيران للعقوبات الاقتصادية قبل إبرام الاتفاق النووي، وسوف تستمر النافذة الضيقة التي ستتعامل الولايات المتحدة من خلالها مع إيران دون تغيير كما هي الآن». وأضاف: «حتى بعد يوم تنفيذ الاتفاق، سوف تتسبب متاهة ما تبقى من عقوبات أميركية في وضع المزيد من العراقيل أمام التجارة الأميركية».
التزمت إيران بمتطلبات الاتفاق النووي بسرعة كبيرة وهو ما أرجعه المحللون إلى رغبة الرئيس روحاني في استغلال ذلك في بث روح الحماس في الانتخابات البرلمانية الحساسة المقرر عقدها فبراير (شباط) القادم. لكن هناك سبب آخر حيث يقول محللون بالداخل إن الحكومة على شفا الإفلاس بعد مرور عام على حرقها لمدخراتها وإن اقتصادها الآن أصبح أعرج. ويرى الإيرانيون دلائل ذلك في كل مكان حيث تقول مرجان فرجي، صحافية سابقة: «يمتلك زوجي متجرا لبيع عباءات السيدات ولم يبع قطعة واحدة على مدار الأسابيع الماضية»، مضيفة أن تنفيذ الاتفاقية سيكون له «تأثير نفسي إيجابي، فبعد التوقيع يتعين علينا الانتظار لنرى ما إذا كانت القوة الشرائية سوف ترتفع».
وتحت تأثير العقوبات التي رضخت لها إيران وتراجع مبيعات النفط، وتراجع أسعاره عالميا مؤخرا، تحتم على إيران سحب بعض من مدخراتها لدعم بعض الطبقات الغنية بالمجتمع. وتتعجب الطبقات المتوسطة، التي تضررت من التضخم الذي تراجع مؤخرا فقط من 42 في المائة إلى 12 في المائة، ما إذا كان معدل التراجع الذي تراه الآن هو ما تحدثت عنه الحكومة.
وسألت امرأة سائق تاكسي في طهران الأسبوع الماضي «ما هي السلعة التي انخفض سعرها؟» فقد ارتفعت أسعار وقود وخدمات السيارات وكذلك إيجارها. غير أنه وفق هيئة عقارات طهران، تراجعت أسعار العقارات وانخفضت نسبة مبيعاتها. ويعتقد القليلون أن رفع العقوبات سوف يحسن الأوضاع المالية ما بين ليلة وضحاها، لكن يبدو أن السخرية هي صاحبة اليد العليا بعد سنوات من الوعود التي لم تتحقق. وبحسب على بيصاري (45 عاما) عامل طباعة كان برفقة والده أثناء ذهابه للمستشفى: «لا أتابع الأخبار النووية. كيف يساهم توقيع الاتفاق النووي في تحسن الحالة الاقتصادية؟ لا أهتم، ولا أرى أحدا حولي يهتم بذلك».
ويشير الكثيرون إلى تدهور أسعار النفط. تاريخيا، كانت عائدات النفط تمثل ما بين الثلث إلى نصف نفقات الموازنة السنوية للحكومة، لكن انهيار الأسعار سوف يعرض كل ذلك للخطر. وستساهم إيران نفسها في تفاقم المشكلة بعد رفع العقوبات بإضافتها 500.000 برميل يوميا إلى إجمالي 1.2 مليون برميل تنتج يوميا في الوقت الحالي. والهدف، وفق وزير النفط الإيراني بيجان زنغنة، الذي أكد ذلك مرارا، هو العودة في النهاية إلى الإنتاج السابق الذي بلغ 4 ملايين برميل يوميا.
ووفق فرشاد غوربنور، محلل من طهران: «إيران تبدو مصممة على تنفيذ هدفها بزيادة إنتاجها من النفط والغاز حتى ولو تراجع سعر النفط إلى 5 دولارات للبرميل»، مضيفا أنه بعد تنفيذ الاتفاق من الممكن لأسطول حاويات النفط الإيراني الحصول على تأمين دولي ليبدأ في العمل مرة أخرى.
وستمثل نهاية العقوبات دفعة للتجارة، حسب حامد رضاتارغاي، وهو معلق سياسي مقرب من الحكومة. ويضيف «الآن لدينا أكثر من 1000 خطاب اعتماد في انتظار الموافقة من البنوك الدولية».
وأفاد المستشار الاقتصادي رازغاي أنه تحدث مع ممثلين عن شركة تركية كانت تفكر في استثمار أكثر من 100 مليون دولار في صناعة الأغذية، وأضاف أن بنكا أوروبيا قد أبدى رغبة في شراء بنك إيراني متوسط. وتابع: «غير أن ذلك سوف يستغرق وقتا طويلا يصل لعامين أو ثلاثة، ما يعنينا الآن هو أن تبدأ الأحول في التحسن بعد التنفيذ».
* خدمة: «نيويورك تايمز»



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.