تيد كروز.. السيناتور الطموح في مواجهة التحديات

منافس دونالد ترامب الأول حاليًا.. تهدد ترشيحه للرئاسة الأميركية «روابطه» الكندية

تيد كروز.. السيناتور الطموح  في مواجهة التحديات
TT

تيد كروز.. السيناتور الطموح في مواجهة التحديات

تيد كروز.. السيناتور الطموح  في مواجهة التحديات

برز اسم السيناتور تيد كروز، وهو جمهوري يمثل ولاية تكساس في مجلس الشيوخ الأميركي، خلال الأسابيع الأخيرة في استطلاعات الرأي، وبات المنافس الأقوى للملياردير اليميني المتطرف دونالد ترامب في سباق الظفر ترشيح الحزب الجمهوري لخلافة باراك أوباما في البيت الأبيض في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويرى المراقبون أن كروز يتمتع بأفضليتين مهمتين عن معظم منافسيه، هما: أولاً تمثيله ولاية ضخمة هي تكساس، وثانيًا انتماؤه للأقلية الأميركية اللاتينية، أسرع الأقليات الأميركية نموًا وأوسعها حضورًا في الولايات الأميركية الكبرى الثلاث؛ كاليفورنيا، وتكساس، وفلوريدا.

تتزايد سخونة النقاشات داخل الحزب الجمهوري الأميركي قبل بداية التجمّعات التمهيدية المعدّة لبدء مسار اختيار مرشح الحزب لانتخابات رئاسة الجمهورية في الخريف المقبل. ومن المقرر أن تشهد الأسابيع المقبلة سلسلة مهمة من المناظرات بين المرشحين الجمهوريين تبدأ في ولاية ساوث كارولينا يوم 14 يناير (كانون الثاني) الحالي، تليها مناظرة في ولاية أيوا في 28 يناير قبل أيام من التجمّع الجمهوري الأول في أيوا. ثم تحل وفق الروزنامة المعدة للحملة مناظرة في ولاية نيوهامشير يوم 6 فبراير (شباط)، يليها التجمع الجمهوري الثاني في 9 فبراير، ثم تأتي مناظرة جمهورية في ساوث كارولينا في 13 فبراير، يليها تجمع جمهوري تمهيدي في 20 فبراير وفي نيفادا يوم 23 فبراير، ثم مناظرة أخرى مهمة جدًا في تكساس يوم 26 فبراير.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المرشح اليميني دونالد ترامب لا يزال متقدما عن بقية منافسيه في سباق الجمهوريين ويتقدم بشكل كبير في ولاية نيوهامشير، في إقليم نيو إنغلاند بشمال شرقي الولايات المتحدة. إلا أنه مع بداية العام الجديد، سطع نجم مرشح منافس لديه كل المؤهلات للسير بعيدا في المعركة الرئاسة هو تيد كروز، السيناتور من تكساس، الذي بات منافسًا جديًا لترامب وأخذ يجذب أنظار المجمع الجمهوري إليه بقوة، وبنتيجة هذا البريق المستجد لترشح كروز تنبه ترامب إلى خطره على فرصه، فبدأ يشن ضده حملات انتقادية مريرة. ويرى مراقبون أن وراء القلق ما يبرره، لا سيما أن كروز حقق بالفعل تقدما واضحا في عدد من استطلاعات الرأي على الملياردير المتطرف. إذ قد أظهر استطلاع للرأي لصحيفة «هيفينغتون بوست» تقدم كروز بنسبة 30.8 في المائة، يليه ترامب بنسبة 28.4 في المائة ثم السيناتور ماركو روبيو (ولاية فلوريدا) في المرتبة الثالثة بنسبة 12.5 في المائة، بينما تراجع كل من طبيب الأعصاب المتقاعد بن كارسون والحاكم السابق لولاية فلوريدا جيب بوش.
أما بالنسبة لاستطلاعات المنافسة في ولاية نيو هامبشير فإنها ما زالت تظهر تقدمًا كبيرًا لترامب، مقابل إظهار استطلاعات الرأي الوطنية حتى الآن تقدم ترامب بنسبة 35 في المائة مقابل 18 في المائة لكروز مقابل 13 في المائة لروبيو، مع حصول بن كارسون على نسبة 9.7 في المائة، بينما يحصد بقية المرشحين على نسب لا تجاوز أصابع اليد الواحدة.
المهم، أنه حتى الآن يقول الناخبون إن تيد كروز هو الخيار الثاني في اقتراعات الحزب الجمهوري أكثر من أي مرشح آخر. غير أن هذا المرشح الذي يرى كثيرون أن فرصته بعد تقدم المعركة في فصل الربيع ستكون أكبر من فرصة ترامب، يواجه مشكلة يحرص بعض منافسيه على استغلالها وتضخيمها واللعب على وترها. فلقد أثير جدل كبير حول أهلية السيناتور التكساسي للترشح لمنصب رئيس الولايات المتحدة لكونه ولد في كندا وليس على الأراضي الأميركية، كما أنه يحمل أيضًا الجنسية الكندية.
وجدير بالذكر، أن القوانين الأميركية تنص على وجوب أن يكون المرشح لمنصب الرئيس مولودا على الأراضي الأميركية، حيث تنص المادة الثانية من مواد تشكيل السلطة التنفيذية بالدستور الأميركي أنه «لا يجوز لأي شخص سوى المواطن الأميركي المولد أو مواطني الولايات المتحدة في وقت إقرار هذا الدستور – أن يكون مؤهلا لمنصب الرئيس».
ولقد ستغل دونالد ترامب هذه النقطة ليشن هجوما ضاريا على كروز مشككًا بأهليته في دخول السباق الرئاسي. كذلك هاجم السيناتور جون ماكين - وهو مرشح جمهوري رئاسي سابق - السيناتور كروز، وانتقد ترشحه خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس» التلفزيونية معتبرًا أن «حمل كروز الجنسية الكندية يشكل عائقا شرعيًا شرعيا أمام ترشحه للرئاسة الأميركية».

* من هو تيد كروز؟
من جانبها، تقول شبكات الإعلام الأميركية إن كروز تخلّى عن جنسيته الكندية في وقت مبكر من العام الماضي قبل بدئه بداية حملته الانتخابية. ولكن الثابت أن السيناتور عن ولاية تكساس - واسمه الكامل رسميًا هو إدوارد رافائيل كروز (46 سنة) المعروف باسم تيد كروز - من مواليد مدينة كالغاري في ولاية ألبرتا بغرب كندا، يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) 1970، ولكن لأبوين أميركيين. وإن أمه هي الأميركية إليانور دل من مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير قرب مدينة فيلادلفيا، وأما أبوه فهو رافائيل كروز المواطن الأميركي الكوبي الأصل.
تلقى تيد كروز تعليمه في جامعتين من أرقى جامعات أميركا والعالم، إذ تخرج بدرجة البكالوريوس من جامعة برينستون عام ثم في كلية الحقوق بجامعة هارفارد عام 1995. وبعد تخرجه منصب مدير مكتب تخطيط السياسات في لجنة التجارة الاتحادية بين عامي 1999 و2003 وعمل نائبا مساعدا للنائب العام في وزارة العدل الأميركية ومستشارا للسياسة الداخلية للرئيس جورج بوش في جملته الانتخابية الرئاسية في عام 2000. كذلك عمل كروز أستاذا للقانون من عام 2004 إلى عام 2009 في مدرسة القانون في جامعة تكساس بمدينة أوستن. وهو الأميركي من أصل كوبي صاحب المدة الأطول للخدمة في منصب النائب العام في ولاية تكساس، كما أنه اليوم واحد من ثلاثة أعضاء بمجلس الشيوخ من أصل كوبي.
في مضمار السياسة، في يوليو (تموز) 2012 رشح كروز نفسه لمقعد مجلس الشيوخ وألحق الهزيمة بمنافسه الديمقراطي بول سادار في الانتخابات العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. وهو يرأس اليوم اللجنة القضائية لرقابة داخل مجلس الشيوخ كما يرأس اللجنة الفرعية للتجارة والفضاء والقدرة التنافسية وفي نوفمبر 2012 تم تعيينه نائبا لرئيس اللجنة الوطنية الجمهورية بمجلس الشيوخ. وخلال عمله بمجلس الشيوخ بالكونغرس رعى كروز 25 مشروع قانون منها مشروع قانون للرعاية الصحية بأسعار معتدلة، ومشروع قانون لحظر استخدام طائرات من دون طيار لقتل مواطني الولايات المتحدة داخل الولايات المتحدة ومشروع قانون لمحاكمة المجرمين والخارجين عن القانون الذين يشترون أسلحة نارية بشكل غير قانوني. ومن أبرز مشاريع القوانين التي دعمها كروز داخل مجلس الشيوخ هي مشروع قانون للسماح للولايات إثبات محل المواطنة للتسجيل في التصويت في الانتخابات الاتحادية ومشروع قانون آخر لزيادة إنتاج الفحم والغاز الطبيعي، ووافق على مشروع خط أنابيب كي ستون الذي عارضه الرئيس أوباما.

* فرصه الانتخابية
الخبراء يرون أنه في حالة نجاح تيد كروز بالفوز بدعم الحزب الجمهوري والفوز بمنصب الرئاسة فإنه سيكون أول رئيس للولايات المتحدة تحمل شهادة ميلاده اسم دولة أخرى في محل الميلاد، بسبب مولده في كندا. ويتندر بعض المعارضين لكروز حاليًا في هذه المسألة متسائلين: «ماذا لو كان كروز مولودًا في كوريا الشمالية.. هل سيمكن قبوله في منصب رئيس الولايات المتحدة؟».
يجزم الخبراء بأن هذا الأمر يشكل قلقًا كبيرًا داخل الحزب الجمهوري، ويثير مشكلة كبيرة في حال فوز كروز بترشيح الحزب الجمهوري. غير أن قادة حملة كروز، يدعمهم بعض الخبراء القانونيين، ولا سيما من الليبراليين، يصرون على أن القانون الأميركي يعطي الطفل المولود بالخارج لأبوين أميركيين، الجنسية الأميركية عند الولادة، لكن ما زال الجدل مستمرا حول أهلية كروز في حال فوزه بمنصب الرئيس لأنه يمكن لأي شخص أن يذهب إلى المحكمة الدستورية ويطعن في مؤهلات كروز. ثم إن الجمهوريين أثاروا عاصفة إعلامية بعد فوز باراك أوباما بالرئاسة طارحين عدة علامات استفهام حول أصله.. وما إذا مولودًا حقًا في الولايات المتحدة. إذ واجه أوباما بعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة حملة تشكيك واسعة قادها ترامب بالذات وشكك فيها بأن يكون قد ولد داخل الولايات المتحدة، وبعد عدة أشهر من حملات التشكيك المحمومة اضطر البيت الأبيض إلى نشر شهادة ميلاد أوباما الرسمية التي تؤكد ولادته داخل الأراضي الأميركية.
في أي حال، يبدو أن الجدل سيستمر، بل ويتزايد خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، حين ترتفع حرارة المناظرات والتجمعات التمهيدية الجمهورية مع محاولات ترامب حماية نفسه بتوجيه النقد وحملات التشكيك ضد منافسيه الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. وكذلك داخل صفوف تيار اليمين الجمهوري المحافظ الذي كان وراء التشكيك بـ«أميركية» أوباما، ما يمكن أن يهدد بانقسام بين المحافظين الجمهوريين الذين ينتمي إليهم كروز وترامب وروبيو، الذين يحتلون الآن المواقع الأقوى في المعركة الانتخابية.
من ناحية أخرى، هناك بوادر أن خلفية كروز تثير حفيظة مرشحين آخرين من المحافظين الذين يتشددون كثيرًا في مسائل الهجرة والمهاجرين غير الشرعيين. ومن هؤلاء السيناتور اليميني السابق من ولاية بنسلفانيا ريك سانتورم، الذي يصف مواقف السيناتور كروز من قضايا الهجرة بـ«الضعيفة». ومن ناحية ثانية، لمح مرشح جمهوري يميني آخر هو مايك هاكابي (حاكم ولاية أركنسو السابق) إلى «افتقار كروز للخبرة التنفيذية». ولكن، بغض النظر عن تلك القضية الجدلية التي سيتابع الإعلام الأميركية أجواءها بسكاكين حادة فإن مساندي حملة السيناتور كروز يرون فيه مرشحا صاحب شخصية جذابة للغاية، ويستطيع التأثير على الناخبين وكسب ثقتهم. بل ويقر حتى خصوم كروز في تيار اليمين الجمهوري بأنه يتمتع بمستوى عالٍ من الذكاء وقوة الإرادة، وأنه سيتمكن من التغلب على منافسيه والفوز بدعم الحزب الجمهوري.
وحاليًا يجد تيد كروز دعما قويا من الأصوات الدينية المحافظة داخل الحزب الجمهوري لمساندته للقضايا الاجتماعية والمواقف المعارضة لزواج المثليين وقضايا الإجهاض والموقف المتشددة من قضية الهجرة غير الشرعية. وكانت كلمات كروز الأولى في استراتيجيته خلال إطلاق حملته الانتخابية أنه يريد الحصول على الأصوات الدينية المحافظة. ولقد سبق أن ساند التيار الإنجيلي المتشدد ودعمت المجموعات المحافظة في الحزب الجمهوري في السابق كلا من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والحاكم السابق هاكابي والسيناتور السابق سانتورم في الانتخابات التمهيدية الرئاسية الثلاث السابق للحزب الجمهوري. غير أن المرشح بن كارسون يعتبر اعتماد كروز على المتشددين المتدينين هو «بمثابة اللعب بالدين»، وذهب كارسون أبعد من ذلك للتشكيك في مدى عمق الإيمان الإنجيلي المسيحي لدى كروز.
وبجانب معارضو كروز الإجهاض وزواج المثليين والزواج المدني، وإيمانه بأن الزواج بين رجل واحد وامرأة واحدة مع قبوله بترك الزواج من نفس الجنس لكل ولاية لتتخذ قرارها في مدى شرعية هذا الإجراء، يعارض كروز مشروع الرئيس أوباما كير للرعاية الصحية. وبالفعل اعتمد موقفا متشددا في قضايا الهجرة كما يعارض تقنين الماريغوانا.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، انتقد كروز مرارا السياسات الخارجية للإدارة الأميركية، وشن هجوما ضاريا على الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران. واتهم كروز أوباما بأن إدارته ستصبح الممول الرئيسي للإرهاب الإسلامي المتطرف. ومن ثم، اعتبره الجمهوريين الخصم العنيد لـ«خطة العمل المشتركة الشاملة».. أي الاتفاق النووي مع إيران.
وعلى الرغم من كون كروز من أصل كوبي، فإنه عارض - مثل كثيرين من أبناء الكوبيين الأميركيين اليمينيين - عارض بشدة التقارب بين الولايات المتحدة مع الحكم اليساري في كوبا. ووصف كروز «ذوبان الجليد» في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بأنه «مظهر من مظاهر فشل السياسة الخارجية لأوباما وهيلاري كلينتون وجون كيري». وقال إن «التاريخ سيذكر ذلك بوصفه خطأ مأساويًا».
وبالنسبة للأزمة السورية، يعارض كروز استقبال اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة والسماح بحذر للاجئين بالدخول إلى الولايات المتحدة ويطالب بإعادة توطين اللاجئين السوريين في الدول العربية والإسلامية. ولا يدعم كروز تدخلا عسكريا أميركيا في سوريا، مع أنه يدعو لإقامة منطقة حظر طيران في شمال سوريا وتسليح الأكراد لمكافحة تنظيم داعش.

* مواقف الليبراليين تجاهه
وحسب المراقبين، فإن شعبية كروز لدى اليمين المسيحي المحافظ لا تضمن له أصوات كل أجنحة الجمهوريين، خاصة الجمهوريين الليبراليين الذين يطالبون بإصلاح شامل لقضايا الهجرة، بينما يعارضه كروز وتيار من المحافظين المتشددين. بل إن بعض المحللين يشيرون إلى أن السيناتور التكساسي ليس قادرا على جذب الناخبين المستقلين، علاوة على أن أصوات تيار المحافظين والدينين الإنجيليين باتت أكثر تعقيدًا بكثير مما كان عليه قبل عدة سنوات.
ويتعقد الأمر مع مواقف كروز وخلافاته مع عدد من أبرز القادة الجمهوريين، فكثيرا ما اصطدم كروز مع السياسيين الجمهوريين الآخرين، بل إن الخبراء يشيرون إلى علاقاته المتوترة مع مختلف أعضاء الحزب الجمهوري داخل الكونغرس التي تعد مظهرا سلبيا ومؤشرا لما يمكن أن تكون عليه الخلافات في حال توليه لمنصب رئيس الولايات المتحدة. ولقد وصف كروز بعض الجمهوريين الذين يتشككون في مقوماته لمنصب الرئاسة بأنهم «تجمع الاستسلام». وراهنًا، يرصد الخبراء توترا كبيرا في علاقة كروز وبالسيناتور جون ماكين من جانب وتوترا آخر بينه وبين وزعيم الجمهوريين بمجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل. وفي خضم هذه التشابكات، ينتقد معارضو كروز تاريخه ويرشقه بعضهم بتهمة الانتهازية، وأنه يغير مبادئه ومواقفه وفقا للموقف ووفقا لجمهور المستمعين. ويدلل المعارضين بموقف كروز من قضايا الهجرة حين دافع في السابق عن زيادة برنامج منح التأشيرات للمهاجرين، لكنه بعد حادث إطلاق النار في مدينة سان برناردينو بكاليفورنيا غير موقفه وأصبح معارضا لبرامج الهجرة وأكثر تشددا في منح تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.