الاتفاق النووي وارتفاع قتلى الحرس الثوري في سوريا.. أبرز الملفات الإيرانية

الأزمة الاقتصادية تراوح مكانها.. والجدل السياسي يستبق الانتخابات المقبلة

وزراء الخارجية (من اليمين) الأميركي جون كيري والبريطاني فيليب هاموند والإيراني محمد جواد ظريف والاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أثناء المباحثات النووية في يوليو 2015 (أ.ف.ب)
وزراء الخارجية (من اليمين) الأميركي جون كيري والبريطاني فيليب هاموند والإيراني محمد جواد ظريف والاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أثناء المباحثات النووية في يوليو 2015 (أ.ف.ب)
TT

الاتفاق النووي وارتفاع قتلى الحرس الثوري في سوريا.. أبرز الملفات الإيرانية

وزراء الخارجية (من اليمين) الأميركي جون كيري والبريطاني فيليب هاموند والإيراني محمد جواد ظريف والاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أثناء المباحثات النووية في يوليو 2015 (أ.ف.ب)
وزراء الخارجية (من اليمين) الأميركي جون كيري والبريطاني فيليب هاموند والإيراني محمد جواد ظريف والاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أثناء المباحثات النووية في يوليو 2015 (أ.ف.ب)

طغت أخبار الاتفاق النووي على أبرز الأحداث التي شهدتها إيران في 2014. وأثار الملف النووي تجاذبات سياسية داخلية بين السلطة والحكومة والتيارات المعارضة للحكومة بشأن تفاصيل الاتفاق النووي بينما شكلت القضايا الاقتصادية والأمنية والحريات وفضح أبعاد الدور الإيراني في سوريا عناوين ملفات ساخنة أثارت نقاشا كبيرا لدى الرأي العام في إيران.
في بداية يناير (كانون الثاني) 2015 قالت وكالة أسوشييتد برس إن إيران وأميركا والدول الأخرى تمكنوا للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2014 من تحديد النقاط التي يمكن التوصل إلى اتفاق بشأنها ومن ضمنها نقاط الخلاف، إضافة إلى اتفاق مبدئي على نقل المواد النووية إلى روسيا.
لكن المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ومرضية أفخم المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية نفيا صحة الخبر. ووصفت السيدة أفخم تقرير الوكالة بأنه «افتعال أجواء إعلامية» لأغراض سياسية خاصة، تهدف إلى تخريب أجواء المفاوضات. وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد بدأ 2015 مهاجما، قبل التوجه إلى مفاوضات حاسمة في منتصف يناير على مستوى وزراء الخارجية، بإعلانه أنه يريد «إجراء استفتاء شعبي حول القضايا الحساسة التي تهم الجميع في البلد».
وشهد منتصف يناير عودة المفاوضات الإيرانية الأميركية المباشرة، حيث كانت نزهة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، في شوارع جنيف، منعطفا فی مسار الحوار النووي والعلاقات الدبلوماسية بين الطرفين بعد اقتحام السفارة الأميركية وأزمة الرهائن في 1979. بينما أثارت في الداخل الإيراني موجة من الغضب لدى الدوائر المقربة من المرشد الأعلى والتيارات السياسية الرافضة للمفاوضات النووية.
في نهاية فبراير (شباط)، استؤنفت المفاوضات في جنيف بين وزير الخارجية الأميركي ونظيره الإيراني لبحث الحلول والوصول إلى اتفاق شامل حول الملف النووي الإيراني بحضور وزير الطاقة الأميركي، أرنست مونيز، ورئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، علي أكبر صالحي، في الوقت الذي كان يزداد فيه ضغط البرلمان على فريق التفاوض الإيراني لوقف المفاوضات والانسحاب. كما صدر تقرير مفصل من الوكالة للطاقة الذرية يؤكد التزام طهران بالتزاماتها منذ العودة إلى طاولة المفاوضات، ثم أصبحت المفاوضات في مارس (آذار) أكثر جدية مع تهديد وزير الخارجية الأميركي بالانسحاب في حال عدم التوصل إلى اتفاق في نهاية الموعد المحدد.
مع حلول شهر مارس، تكثفت اللقاءات الدبلوماسية بين إيران والدول 5+1. وبموازاتها وجَّه 47 من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي رسالة مفتوحة إلى قادة إيران محذرين من التوصل إلى اتفاق نووي مع إدارة أوباما. وبالمقابل اعتبر خامنئي تلك الرسالة دليلا على «انهيار الأخلاق السياسية» في النظام السياسي الأميركي معربا عن قلقه حول مستقبل الاتفاق إذا ما توصلت إليه إيران مع الدول 5+1.
في منتصف مارس عادت الدول الست الكبرى وإيران على مستوى وزراء الخارجية إلى المفاوضات المباشرة في لوزان السويسرية. وبعد أسبوعین من المفاوضات الماراثونية أعلن «تفاهم لوزان النووي» في الثاني من أبريل (نيسان) تمهيدا للمفاوضات النهائية في يونيو (حزيران). وقرأ البيان الختامي محمد جواد ظريف، ومنسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، في مؤتمر صحافي بحضور وزراء خارجية الدول الست الكبرى.
وذكر أن إيران وافقت على شروط تتعلق بتخصيب اليورانيوم في منشأة «نطنز» وتغيير منشأة «فوردو» من مفاعل تخصيب إلى مركز أبحاث نووي وتقني من دون مواد قابلة للانشطار وتغيير قلب مفاعل أراك للمياه الثقيلة يمنع إنتاج بلوتونيوم يمكن استخدامه في برنامج التسلح. وأعلنت إيران تنفيذ البرتوكول الإضافي بشكل طوعي.
كما ستتمكن الوكالة الدولية من تفتيش منشآت إيران النووية في أي وقت وبالمقابل سترفع العقوبات الدولية عن إيران إذا تحقق من التزامها بالاتفاق. ومن أبرز التداعيات التي أثارت مواقف وردود فعل كانت ورقة الحقائق الصادرة من الخارجية الأميركية على تباين واضح مع ورقة الحقائق في النسخة الفارسية الأمر الذي سبب ضغطا متزايدا على إدارة حسن روحاني والفريق المفاوض النووي في الداخل الإيراني من قبل التيارات والمؤسسات المعارضة للمفاوضات بحجة تجاوزهم الخطوط الحمر المعلنة من المرشد الأعلى علي خامنئي، والذی بدوره لم يعلن تأییده أو رفضه لتفاهم لوزان النووي لكنه اعتبر تصريح وزير الخارجية الإيراني حول مفاوضات، تحت إشراف المرشد، كلاما غير دقيق.
وبعد شهور من الجدل حول ورقة الحقائق ونص تفاهم لوزان بين الحكومة والبرلمان والتيارات السياسية الإيرانية وتهديد الأجهزة الأمنية والعسكرية على رأسهم قادة الحرس الثوري بعرقلة التحقيق وتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستدعاء ظريف والفریق المفاوض النووي إلى البرلمان، صوت البرلمان الإيراني على قرار «إلزام الحكومة حفظ الإنجازات النووية» بالتزامن مع المشاورات التي كانت تجري بين إيران والدول الست الكبرى في تحرير نص الاتفاق النووي قبل التوجه إلى فيينا.
في 27 يونيو بدأت مفاوضات فيينا الحاسمة بين إيران والدول الست الكبرى قبل أن تنتهي، وذلك بعد مرور 17 يوما من المفاوضات المكثفة بإعلان منسقة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، موغيريني، ووزير الخارجية ظريف، في مؤتمر صحافي، التوصل إلى «برنامج العمل المشترك» حول الملف النووي لتكون ختام 22 شهرا منذ عودة إيران إلى طاولة المفاوضات.
ووفق اتفاق فيينا فإن إيران توافق على تعليق تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة، والسماح لها بتخصيب في نسبة خمسة في المائة، وتقليص أجهزة الطرد المركزي من 19 ألفا إلى 6014. وتشغيل 5060 منها لعشر سنوات، وإعادة تصميم مفاعل أراك للمياه الثقيلة بمشاركة مجموعة العمل (الدول الست الكبرى) وتقليص ذخائر إيران من اليورانيوم من 10000 إلى 300 كلغ لفترة 15 عاما، وموافقة إيران على التفتيش الدولي للتحقق من تنفيذ الاتفاق النووي تشمل منشأة «بارشين» للتأكد من عدم تلوثها بمواد انشطارية.
كما تُوقف إيران تخصيب اليورانيوم لفترة 15 عاما في منشأة «فوردو» ولا يسمح لها بتطوير وبناء منشأة لتخصيب اليورانيوم على مدى الـ15 عاما المقبلة، ويسمح لها بالبحث وتطوير تخصيب اليورانيوم في منشأة «نطنز» لفترة ثمانية أعوام فقط، وتطبق إيران البروتوكول الإضافي بشكل طوعي طيلة فترة تنفيذ الاتفاق النووي. وبالمقابل ترفع عقوبات الأمم المتحدة المتعلقة بالملف النووي وتختصر القيود على برنامج الصواريخ الباليستية على ثمانية أعوام فقط، كما تستمر عقوبات الأسلحة المتعارفة لخمس سنوات مقبلة.
مشوار الاتفاق النووي لم ينته بإعلان فيينا إذ أصدر مجلس الأمن في يوليو (تموز) القرار 2231. وكان أهم ما تضمنه إلغاء ستة قرارات سابقة، وخروج إيران من الفصل السابع والمادة 41 ورفع العقوبات عنها بعد دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ والتحقق من خطوات طهران وفرض قيود على صناعة الصواريخ الباليستية. ولم تدرج مطالب مجلس الأمن من إيران بخصوص الصواريخ الباليستية في القرار وهي غير ملزمة، وبالتالي لا يعد عدم التجاوب خرقا للاتفاق النووي. وفي نفس اليوم أعلن الاتحاد الأوروبي تأييده للاتفاق النووي بعد التصويت عليه مما يعني رفع العقوبات النفطية عن إيران مع استمرار العقوبات المتعلقة بالصواريخ الباليستية وحقوق الإنسان.
بدوره، وافق الكونغرس الأميركي على تمرير الاتفاق النووي في سبتمبر (أيلول)، بعد محاولات الجمهوریین لعرقلته. ومن جانبه، زار مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، موقع «بارشين» المشتبه بقيام إيران بأنشطه نووية عسكرية فيه. وحصلت الوكالة على عينات من المكان الذي كان قادة الحرس الثوري يعدون دخوله محرما على المفتشين. وفي ذات الوقت كانت لجنة برلمانية خاصة قد تشكلت في طهران لمناقشة الاتفاق النووي من مختلف جوانبه. وكاد البرلمان يرفض الاتفاق النووي لولا دور رئيس البرلمان، علي لاريجاني في تمريره بعد التصويت عليه في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول). وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول)، أغلقت لجنة الحكام في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ملف التحقق من النوايا العسكرية في النشاط النووي الإيراني، ليقترب موعد يوم تنفيذ الاتفاق النووي. ووفق نص الاتفاق فإن يوم التنفيذ هو اليوم الذي تعلن الوكالة الدولية قيام إيران بالتزاماتها الأولية في منشآت «أراك» و«نطنز» و«فوردو».
بينما رحب الشارع الإيراني بتحقق الاتفاق النووي على أمل تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وهتافات تطالب بتحسين أوضاع الحقوق المدنية، عشية إعلان الاتفاق النووي. كان المشهد السیاسی الإيراني بشكل عام مسرحا لتجاذبات بين هرم السلطة، المرشد الأعلى، والدوائر التابعة له، والحكومة والبرلمان والتيارات السياسية حول الاتفاق النووي. كما كانت التفاسير والقراءات المختلفة من مواقف وخطابات المرشد الأعلى حول الملف النووي من أبرز محاور الصراع السياسي في طهران.
وبعد التوصل إلى الاتفاق النووي دشن الرئيس روحاني محاولات استثمار إنجازه لكسب الرأي العام لصالح المعتدلين والإصلاحيين، بعد شهور من الاستحقاقات الانتخابية (المقررة في فبراير 2016) على المستوى البرلماني، وانتخاب مجلس جديد لخبراء القيادة. كما بدأ التحرك من أجل ضمان مشاركة واسعة للمرشحين الإصلاحيين وعدم إقصائهم من قبل «لجنة صيانة الدستور». وفي هذا السياق أثارت تصريحات روحاني حول الجهة التي تنفذ الانتخابات، موجة من الغضب من قبل خصومه السياسيين وقادة الحرس الثوري والمرشد الأعلى.
حرب التصريحات بين المرشد الأعلى خامنئي، وقادة الحرس الثوري، اشتعلت بعد إعلان الاتفاق النووي وزيارة عدد من وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي إلى طهران. وتوج نشاط السياسة الخارجية الإيرانية، بعد اتفاق فيينا، بتبادل افتتاح السفارات بين طهران ولندن عقب انقطاع العلاقات الدبلوماسية لمدة أربعة أعوام، على إثر اقتحام السفارة البريطانية من قبل المتشددين وتطلعات رئيس الحكومة إلى استقطاب الشركات الأجنبية للاستثمار في إيران.
وبدوره، فرض المرشد الأعلى، خامنئي، سطوته على حكومة روحاني والتيارات المؤيدة له، خاصة بعد الاتفاق النووي عبر تحذيره من «تغلغل أعداء الثورة» و«استغلال الاتفاق النووي لتحريف مسار الثورة» و«الغزو الثقافي»، ودعوته إلى «الاقتصاد المقاوم» بدلا من فتح أسواق إيران أمام الدول الغربية، بعد رفع العقوبات.
وكانت تصريحات خامنئي كالعادة كلمة الرمز التي تليها عاصفة من التصريحات المؤيدة من قادة الحرس الثوري والمؤسسات الدينية ورجال الدين النافذين. ومن جانبه، اعتبر قائد الحرس الثوري، محمد علي جعفري، في أهم تصريح له العام الماضي، مرحلة ما بعد الاتفاق النووي «الفتنة الرابعة» في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
وكانت زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى طهران ولقاؤه مع المرشد خامنئي في 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، على هامش قمة الدول المصدرة للغاز في العاصمة الإيرانية، من أبرز أحداث 2015 حيث ناقش الطرفان الأوضاع في المنطقة وسبل تعزيز العلاقات والتعاون في سوريا.

* سقوط قادة الحرس الثوري في سوريا
إقليميا، كشفت التطورات الميدانية في الحرب السورية معالم جديدة من حضور إيران العسكري عبر فيلق قدس الذراع الخارجية للحرس الثوري والميليشيات الموالية له. إذ سقط في 2015 عدد كبير من قيادات وعناصر الحرس الثوري في مختلف مناطق سوريا كما عثر على المزيد من الشواهد والأدلة على تورط الحرس الثوري في الحرب الأهلية السورية على خلاف ما تدعيه إيران حول مهمة قواتها «الاستشارية».
وكانت أقوى ضربة تلقاها الحرس الثوري، في الثامن من أكتوبر، حين قتل مستشار قائد الحرس الثوري وقائد «فيلق محمد رسول الله» في طهران، العميد حسين همداني، في معارك حلب، وهو أعلى قيادي عسكري يُقتل في سوريا. كما أنه يعتبر العقل المدبر في حرب الشوارع والميليشيات في الحرس الثوري. وبعد ذلك، وفي أقل من أسبوع، قُتل العقید حمید مختاربند، قائد لواء الحجة، وفرشاد حسوني، قائد لواء صابرین (نخبة القوات الخاصة في الحرس الثوري). كما قتل قائد فيلق 14 أصفهان، العقيد مسلم خيزاب، ونادر حميد، قائد قوات الباسيج.
وفي نوفمبر قُتل العقید عزت الله سلیماني، والعقید جبار عراقي، والعقید عبد الرشید رشوند، قائد الحرس الثوری (کتیبة الإمام الحسين في كرج). وكان قد قتل قبل ذلك، أي في يناير، المساعد الأيمن لقائد فيلق قدس، العميد محمد علي الله دادي، في غارة إسرائيلية على القنيطرة. وتشير الإحصائيات إلى أنه في نوفمبر وأکتوبر، سقط أكثر من 70 من عناصر الحرس الثوري أغلبهم في حلب.
وفي نهاية نوفمبر تناقلت وكالات الأنباء نقلا عن مصادر ميدانية سورية إصابة قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في هجوم مضاد جنوب غربي حلب، إلا أن الحرس الثوري، وعلى لسان المتحدث باسمه، نفى صحة تلك الأخبار. ولم يظهر سليماني منذ التقارير التي جرى تناقلها عن إصابته. وكانت وكالة بلومبرغ قد ذكرت في وقت لاحق أن الحرس الثوري الإيراني بدأ سحب قوات النخبة من العملية العسكرية التي تقودها روسيا في سوريا. وذكرت أن من بين الأسباب الرئيسية الخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات الإيرانية في سوريا.

* أزمات وتحديات داخلية
على المستوى الداخلي، اتسعت دائرة المتهمين بالفساد الاقتصادي في البلد، بالتزامن مع التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات. وشملت الاعتقالات مزيدا من رجال الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد. واعتقلت السلطات مساعده التنفيذي، حميد رضا بقايي، بعد أن دخل مساعده الأول، محمد رضا رحيمي، في وقت سابق، لقضاء عقوبة السجن بتهمة تجاوزات مالية كبيرة. كما أن جلسات محاكمة الاقتصادي الذي كان مقربا من إدارة نجاد، رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني، احتلت واجهة الصحافة الإيرانية وأثارت الرأي العام على الرغم من التكتم الشديد حول تعاونه مع الحرس الثوري لمراوغة العقوبات الدولية على إيران.
كما استدعت السلطة القضائية سعيد مرتضوي، الرئيس السابق لمنظمة التأمين الاجتماعي، بتهمة الفساد الاقتصادي والتجاوزات الإدارية في زمن الرئيس السابق. كان مهدي هاشمي نجل الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني، أبرز من دخلوا السجن لقضاء عقوبة عشرة أعوام بتهمة الفساد المالي والإداري. ولم تستبعد الصحافة الإيرانية طيلة 2015 إمكانية التحقيق واعتقال محمود أحمدي نجاد نفسه، بتهمة الفساد الاقتصادي.
وبيّنت ملفات الفساد الاقتصادي التي اعتقل على أثرها عدد كبير من المسؤولين المتورطين في الجمهورية الإسلامية التي تقترب من عقدها الرابع، تهما متنوعة مثل تلقي الرشى والاستيلاء على الأراضي الحكومية والاختلاس واختفاء منصة نفط إيرانية.

* مشاورات الكتل الانتخابية والمشاكل الاقتصادية
وعلى الصعيد السياسي الداخلي الذي تأثر كثيرا بمناخ المفاوضات والاتفاق النووي، بدأت التيارات السياسية بالمشاورات والتحرك بهدف تشكيل الكتل الانتخابية، والتحالف لخوض الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس خبراء القيادة، في فبراير المقبل. وتراهن التيارات السياسية الإصلاحية والمعتدلة على ما تحقق في فيينا وما تبعه من تطورات لتغيير تشكيلة البرلمان الذي تسيطر عليه أغلبية أصولية في الوقت الحاضر. كما تحاول تلك التيارات وضع بصمتها على تشكيلة مجلس خبراء القيادة، ليكون لها دور في التغيير المحتمل للمرشد الأعلى.
وفي المقابل حاولت التيارات الأصولية نبذ الخلافات والتحرك وتقريب الصفوف خشية تكرار خسارة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الاستحقاقات الانتخابية في شهر فبراير. وشهد منتصف الثاني من شهر ديسمبر تقديم أوراق المرشحين إلى هيئة الانتخابات التابعة للجنة صيانة الدستور، حيث شهد أول أيام التسجيل، تقدیم 897 مرشحا للانتخابات البرلمانية من بينهم 41 امرأة و144 مرشحا لانتخابات مجلس خبراء القيادة. ولم تختلف أوضاع المواطن الإيراني ومعاناته من العقوبات الدولية عن الأعوام السابقة. إذ رهن حسن روحاني جميع وعوده الاقتصادية برفع العقوبات وتنفيذ الاتفاق النووي. وتنوعت التقارير والإحصائيات الرسمية وغير الرسمية عن ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية الأخرى. وتجاوزت «حياة التقسيط» في إيران، المسكن والسيارات، ووصلت إلى الخبز اليومي وفقا لما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية. وتتفاخر حكومة الرئيس روحاني بسيطرتها على التضخم وتقليصه من نحو 40 في المائة في زمن نجاد، إلى نحو 15 في المائة.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.