سوريا.. طريق الحل السياسي لا يزال غير معبد

غليون أكد لـ {الشرق الأوسط} أن 2015 شهد هزيمة الإيرانيين وحزب الله في سوريا فجاء الروس لإنقاذ النظام

سوريون يسيرون وسط دمار سببته غارة لطيران النظام السوري بأحد شوارع دوما الواقعة شرق العاصمة دمشق (أ ف ب)
سوريون يسيرون وسط دمار سببته غارة لطيران النظام السوري بأحد شوارع دوما الواقعة شرق العاصمة دمشق (أ ف ب)
TT

سوريا.. طريق الحل السياسي لا يزال غير معبد

سوريون يسيرون وسط دمار سببته غارة لطيران النظام السوري بأحد شوارع دوما الواقعة شرق العاصمة دمشق (أ ف ب)
سوريون يسيرون وسط دمار سببته غارة لطيران النظام السوري بأحد شوارع دوما الواقعة شرق العاصمة دمشق (أ ف ب)

كل اللقاءات والحوارات والجهود التي بذلت على طريق بلورة اتفاق سياسي يوقف آلة القتل في سوريا، لم تفض إلى نتيجة، خصوصًا بعد التدخل العسكري الروسي الذي زاد من تعقيدات المشهد السوري، لأنه قام على ثابتتين أساسيتين: الأولى محاولة فرض حلّ سياسي بالقوة يبقي بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا، والثانية إرغام المعارضة على أن تكون جزءًا غير مؤثر في أي صيغة حكم جديدة.
غير أن عام 2015 رغم كلّ تعقيداته أقفل على إيجابيتين مهمتين: الأولى مؤتمر الرياض الذي رعته السعودية ونجح في توحيد المعارضة المعتدلة بجناحيها السياسي والعسكري، والثانية قرار مجلس الأمن الدولي رقم «2254» الذي أقرّ الاتفاق الذي توصلت إليه المجموعة الدولية لدعم سوريا، التي تضمّ 17 دولة، ويفضي إلى وقف إطلاق النار على كل الأراضي السورية، والدخول في الإجراءات الأولية لمفاوضات الانتقال السياسي للسلطة في سوريا برعاية الأمم المتحدة.
لكن كلّ هذه الإيجابيات لا تعني أن الطريق بات معبّدا أمام الحل السياسي الذي يخرج السوريين من محنتهم، وهو ما تقاطعت عنده آراء المعارضة السورية والخبراء المتابعين لمجريات الأزمة السورية، ذلك لأن جذور هذه الأزمة لم تجر مقاربتها بشكل موضوعي، لا سيما ما يتعلّق منها بحسم مصير بشار الأسد، وتقليص التأثير الإيراني الذي يلعب دورًا مدمرًا في سوريا وفي المنطقة، وهذا ما أشار إليه عضو الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة في سوريا (الرئيس الأسبق للمجلس الوطني) برهان غليون، في الوقت الذي اعتبر فيه أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس المحلل الاستراتيجي خطار أبو دياب، أن تعقيدات الأزمة السورية لم تبدد، وأنها ستؤجل إلى ما بعد انتخاب رئيس أميركي جديد في نهاية 2016، ومعرفة السياسة التي ستنتهجها الإدارة الأميركية الجديدة في سوريا والمنطقة، مما يعني أن الحرب السورية ستستمرّ.
ويعد غليون في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «خلال هذه السنة (2015) كان هناك تخبط من أجل التوصل إلى حل عسكري، وفق ما كان يعتقد الإيرانيون، ولكن عندما منوا بالهزيمة هم وحزب الله، جاء الدخول الروسي لإنقاذ النظام والفرض على المعارضة الدخول في الحكومة من دون تغيير النظام». ويرى أنه «بعد اعتراف الإيرانيين بالهزيمة، دخل الروس على الحرب، لكنهم لم يحققوا أي تقدم على الأرض، واكتشفوا فشل النصر العسكري وعجزهم عن سحق الثورة»، مشيرًا إلى أن «الإخفاق الروسي ولّد إرادة دولية تشاركية لإيجاد حل في سوريا لسببين: الأول أن الإرهاب صار يخيف الجميع خصوصًا بعد الأعمال الإرهابية التي شهدتها باريس، والثاني موضوع اللجوء الذي تحول إلى كرة ثلج، وهذا ما دفع المجتمع الدولي إلى الحديث عن وقف للقتال في سوريا».
كل هذه الإيجابيات المطروحة غير قادرة على إنتاج حلّ، أو الوصول إلى تسوية توقف الحرب. وفي نعي مبطن لقرار مجلس الأمن، أبدى غليون اعتقاده بأن «التسوية المطروحة في القرار الأممي تقضي بجمع (الذئب والحمل) في قفص واحد وتدعوهم إلى الاتفاق». ويشدد على أن «الحل يبدأ بحسم مصير بشار الأسد المسؤول عن القتل الجماعي واستخدام (الكيماوي) ضد شعبه وقصف الأبرياء بالبراميل المتفجرة والغازات السامة»، مؤكدًا أنه «لا يوجد رئيس في العالم لا يعبّر عن حزنه على رحيل نصف شعبه، والمؤسف أن القرار لم يحدد مصير الأسد، وهو يستجيب للرؤية الروسية التي تقول إن الشعب السوري يقرر مصيره، في حين أن من يقرر مصير الشعب السوري هو الأسد بدعم من إيران والميليشيات الشيعية».
ولم يخف غليون وجود رغبة لدى كثير من الدول الغربية، خصوصًا أوروبا، في الحل في سوريا، لكنه أعلن أن القرار الدولي «ينطوي على ألغام تعطّل الحل، خصوصًا ما يتعلق بمصير الأسد والحد من نفوذ إيران وسياساتها العدائية في سوريا ولبنان والعراق واليمن». وقال: «حصلت ثورات في تونس ومصر ولم تؤد إلى فوضى، لكن ما جعل سوريا محرقة، وجعل الشعب السوري وشعوب المنطقة وقودًا لهذه المحرقة، هو إيران التي سعت إلى تعزيز نفوذها في سوريا برئيس أخرق».
وتذهب تقديرات عضو الائتلاف إلى أن «الحرب ستستمر في سوريا، خصوصًا أن الذين وقفوا على القرار، أي الروس، مستمرون في القصف وارتكاب المجازر بأسلحة مدمرة»، مذكرًا بما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من أن «سوريا أفضل حقل لتدريب الجيش الروسي واختبار أهمية الأسلحة الروسية وفاعليتها». ويتابع: «الطريقة التي تدخل بها للحل غير جدية، خصوصًا تجاهل أسباب المشكلات، خصوصًا في ما يتعلّق بالأسد وإيران التي تريد نفوذًا في المنطقة من أجل زعزعة استقرارها».
وينتهي غليون إلى القول: «ما دام الحل ينطلق من هذه القواعد، فإن الحرب ستستمر، ولذلك، فإن الطريق لن تكون معبدة أمام أي حل سياسي يضع حدًا لمحنة الشعب السوري».
ولم تختلف مقاربة الخبير الاستراتيجي خطار أبو دياب عما قاله غليون، حيث يرى أن «تراكم الأحداث في 2015 وفشل المحور الإيراني في الحسم، دفعا بروسيا إلى التدخل بقوة، وأعطيا الأولوية لدى المجتمع الدولي بعد جهد جهيد لقرار مجلس الأمن رقم (2254)، الذي وضع حدا أدنى من التفاهم الأميركي - الروسي، علمًا بأن القرار هو أقرب إلى الرؤية الروسية منه إلى المعارضة السورية».
ويؤكد أبو دياب أن «القرار الدولي ليس إلا وسيلة تحاول أن تنقذ روسيا من الغرق أكثر في المستنقع السوري». ويلفت إلى أن «رأس النظام السوري ومحاولة تأليف ما تسمى حكومة وحدة وطنية، سيكون محور المفاوضات المنتظرة»، مبديًا اعتقاده بأن «أقصى ما يمكن التوصل إليه، وقف جزئي لإطلاق النار هنا وهناك، والنظام لن يتنازل، وما دام ميزان القوة كذلك، فلن يسمح بانفراجات كبيرة في سوريا».
وفي قراءته لمسار الأحداث، يرى الخبير الاستراتيجي أن «ما يحصل في العراق واليمن يلقي بثقله على المشهد السوري ضمن لعبة الأمم الجديدة». ويتوقع أن «تحصل مفاجآت، لكن ليست بمستوى ولادة حل في سوريا»، ويعدّ أن الحل «رهن بالإدارة الأميركية الجديدة، لذلك نحن أمام كسب جديد للقوت وليس أمام فرصة للحل».
وبرأي أبو دياب، فإن «الملف السوري لم يكن في أولويات (الرئيس الأميركي باراك) أوباما، الذي كان ينتظر ترتيب الملف النووي مع إيران، لكن جاءته صدمة دخول روسيا ساحة الحرب في سوريا، وأتى ذلك نتيجة ميزان القوة». ويلفت إلى أن «الخلافات الإقليمية والدولية والخلافات داخل الأطراف السورية كلها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في محاولة رسم خريطة طريق، لكن رسم خريطة الطريق شيء، وبدء التنفيذ شيء آخر». ويخلص أبو دياب إلى القول إن «نهاية عام 2015 حددت خطوة أولى للعملية السلمية، لكنها مجرد خطوة على درب شائك».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.