تونس.. 16 عملية إرهابية شلت الاقتصاد

مافيات التهريب و«داعش» على أبواب قرطاج

رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
TT

تونس.. 16 عملية إرهابية شلت الاقتصاد

رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)
رجل أمن تونسي يبدو متأهباً إثر الهجوم الإرهابي الذي حدث في 17 نوفمبر 2015 الماضي بشاطئ سوسة وراح ضحيته عشرات القتلى (إ.ب.أ)

توقع التونسيون أن يؤدي إسقاط حكومة الائتلاف السابقة برئاسة حزب النهضة إلى القضاء على الإرهاب والعنف السياسي.
لكن عام 2015، وهو العام الخامس بعد الإطاحة بحكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، كان عام تصعيد الهجمات الإرهابية على مواقع استراتيجية تونس فكانت الحصيلة «شل» الاقتصاد، خصوصًا قطاعات السياحة والخدمات المرتبطة بها.. وبلغ الأمر بالإرهابيين حد تهديد مباشر لمؤسسة رئاسة الجمهورية وقصر قرطاج من خلال التفجير الذي استهدف لأول مرة في تاريخ تونس قوات الحرس الرئاسي.
ولئن قدرت عدد العمليات الإرهابية طوال 2015 بما لا يقل عن 16 فإن أكثرها خطورة وضررًا ثلاثة، استهدف اثنان منها السياح، وتسببت الثالثة في توجيه ضربة موجعة لقوات النخبة الأمنية في البلاد (الحرس الرئاسي).
لم يعط المورطون في الإرهاب الرئيس التونسي الجديد الباجي قائد السبسي وحكومة الحبيب الصيد مهلة طويلة، إذ بادروا بتنظيم سلسلة من الهجمات على العسكريين والأمنيين وأعوان «القمارق» في المناطق الجبلية المتاخمة للحدود مع الجزائر وليبيا. ثم توسعت تلك العمليات لتشمل العاصمة والمدن.
وكانت الحصيلة تعاقب سقوط «الشهداء» والجرحى بين العسكريين والأمنيين وأعوان «القمارق» في عمليات نسبت إلى «عصابات التهريب والإرهاب في بلدان المغرب الإسلامي التي تشابكت مصالحها»، على حد تعبير المدير العام السابق للمخابرات العسكرية التونسية وللديوانة الجنرال محمد المؤدب.

حرب استنزاف طويلة

وكشفت تصريحات وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي ونظيره وزير الدفاع فرحات الحرشاني أن قوات الأمن المدنية والعسكرية «نجحت في إحباط عشرات الهجمات الإرهابية الخطيرة»، التي برمجها مهربون وإرهابيون تونسيون ومغاربيون تلقى أغلبهم تدريبات على حمل السلاح وعلى حروب العصابات والاستنزاف طويلة المدى في ليبيا وسوريا والعراق.
وتضاعفت محاولات شن هجمات على مؤسسات سيادية في الدولة - من بينها مقرات وزارة الداخلية وقصرا الحكومة والبرلمان - بسبب سهولة جلب الأسلحة والمتفجرات من ليبيا «التي لم تعد فيها دولة منذ أعوام بل حكومات وميليشيات متصارعة»، على حد ما ورد في تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ووزير خارجيته الطيب البكوش.

نجاحات ولكن

لكن نجاحات قوات الأمن والجيش في توجيه ضربات «استباقية» للمشتبه بانتمائهم إلى عصابات الإرهاب والتهريب التونسيين وإلى شركائهم الليبيين والجزائريين والمغاربة لم تمنع تعاقب الهجمات الدامية التي تسببت في سقوط عشرات المدنيين والأمنيين والعسكريين التونسيين والسياح.
وحسب بلاغات وزير الداخلية، فقد شهد عام 2015 تكثيفًا للهجمات الإرهابية وتكديس الأسلحة ومحاولات الاغتيال في محافظات الساحل التونسي ذات الصبغة السياحية التي ينحدر منها غالبية حكام تونس منذ 60 عامًا، أي منذ عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
وكشفت التقارير الأمنية أن إحدى الخلايا الإرهابية التي وقع الكشف عنها تم إجهاض هجماتها في مدينة سوسة السياحية - التي ينحدر منها رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد وعدد من وزرائه والمقربين منه كانت هربت من ليبيا إلى تونس كميات هائلة من المتفجرات والأحزمة الناسفة والأسلحة الخطيرة والأموال.
ووصف وزير الداخلية ناجم الغرسلي ومدير عام الأمن الوطني السابق رفيق الشلي تلك «الخلية الإرهابية» بكونها «الأخطر في تاريخ تونس من حيث نوعية الأسلحة والمتفجرات والإرهابيين».

الهجوم على المتحف والبرلمان

وكانت الضربة الموجعة «النوعيّة» الأولى التي وجهها الإرهابيون إلى تونس وإلى حكومة الحبيب الصيد بعد شهرين فقط من تعيينها الهجوم الدامي على المتحف الوطني في باردو المجاور لمقر البرلمان.
وكانت حصيلة ذلك الهجوم - الذي وقع يوم 23 مارس (آذار) أي في ذروة موسم إجازات الربيع - أكثر من 20 قتيلا وعشرات الجرحى غالبيتهم من السياح.
وكان وقع تلك العملية الإرهابية كبيرا، لأنه استهدف سياحًا من العالم أجمع كانوا في «رحلة عبور بحرية» إلى تونس. لذلك كان بين الضحايا سياح من اليابان وروسيا وأوروبا وأميركا.
ولئن رد قادة العالم على ذلك الهجوم عبر تظاهرات ثقافية وسياسية بالجملة - شارك في بعضها رؤساء الدول والحكومات ومبعوثوهم - فقد كانت الحصيلة إلغاء أغلب الحجوزات لموسمي الربيع والصيف.

من «القاعدة» إلى «أنصار الشريعة»

رد رئيس الحكومة الحبيب الصيد على ذلك الهجوم بـ«قرارات بالجملة» من بينها إدخال تغييرات على رأس المؤسسات الأمنية وتنظيم حملات اعتقال واسعة على كل المشتبه بانتمائهم إلى تنظيمات مسلحة بينها «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«أنصار الشريعة» و«عقبة بن نافع» و«أسد بن الفرات».
وأعلن ووزير الداخلية ناجم الغرسلي بعد الهجوم أن الشابين المورطين في الهجوم كانا يستهدفان كذلك البرلمان بمن فيه من وزراء ونواب وموظفين وأمنيين، لذلك حاولوا استخدام متفجرات عسكرية ليبية تعود إلى عهد القذافي «يصل مداها لو نجحت عملية تفجيرها 8 آلاف متر مربع».
لكن اقتحام قوات النخبة التونسية للمتحف وقتلها للإرهابيين بعد بدئهما إطلاق النار على السياح وزوار المتحف خفف من عدد القتلى وحجم الكارثة.

مهربون جزائريون

وقد كانت من بين أبرز نتائج التحركات الأمنية المكثفة التي وقعت بعد جريمة الهجوم الإرهابي على متحف باردو إعلان قوات الأمن التونسية عن اعتقال مجموعة من أخطر الإرهابيين والمهربين الجزائريين والليبيين والمغاربيين الفارين من العدالة الجزائرية منذ العقد الماضي، بينهم لقمان أبو صخر (المكنى بـ«الأعور») الذي قتل في غارة نظمتها قوات مختصة من الأمن التونسي ضده و7 من رفاقه في محافظة قفصة الحدودية بالجنوب التونسي.
وحسب مصادر السلطات التونسية والليبية والجزائرية، فإن لقمان أبو صخر وعددا كبيرا من المهربين والإرهابيين الجزائريين والمغاربيين يتنقلون منذ انهيار النظام الليبي السابق في 2011 بين مواقع ليبية وأخرى في الصحارى والجبال التونسية والجزائرية.

«غزوة» ضد السياح البريطانيين؟

وعلى غرار حملات التضامن الدولي مع فرنسا بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف باريس وصحيفة «شارلي إيبدو» كثف أحباء تونس في عواصم الدول الغربية حملات التضامن مع تونس ومع سياحتها معتبرين أن «أفضل رد على الإرهاب تشجيع مزيد من السياح على زيارة تونس».
لكن «المافيات» التي تحرك الإرهابيين والمهربين وتراهن على مزيد إضعاف الحكومات المركزية نظمت جريمة إرهابية أكثر بشاعة في منتجع سوسة السياحي، 130 كلم جنوبي العاصمة تونس وعلى بعد عشرات الكيلومترات فقط عن المنتجعات السياحية في الحمامات والمنستير والمهدية.
كان الصيف في أيامه الأولى عندما هاجم مسلح شاب من أبناء المناطق المهمشة في محافظة القيروان - اشتغل سابقًا مدربًا للسياح في السهرات الراقصة - أحد أكبر فنادق سوسة واستهدف بدقة عشرات السياح البريطانيين فقتل منهم 30 ومن رفاقهم الأوروبيين 10 آخرين وأصاب عشرات بجراح.
لكن الجرح الأكبر الذي خلفته «الغزوة» ضد السياح البريطانيين كان قرار سلطات لندن وواشنطن ثم غالبية العواصم الأوروبية «ترحيل» كل سياحها من تونس وتصنيف تونس «بلدا غيرا آمن» مع تشبيه «الثغرات الأمنية فيه بتلك التي تسجل في أفغانستان والصومال»(؟) وهو ما اعتبره المسؤولون التونسيون «مبالغة» و«خدمة لأهداف الإرهابيين الذين أرادوا شل قطاع السياحة واقتصاد البلاد».

ذبح المتعاونين مع الأمن التونسي؟

ولئن تميزت تونس طوال الأعوام الماضية بغياب جهة تتبنى العمليات الإرهابية فإن «القاعدة في المغرب الإسلامي» وحلفاءها المسلحون في ليبيا وبينهم «أنصار الشريعة» و«داعش» أصبحوا يتبنون الهجمات الجديدة ومن بينها مذبحة السياح في منتجع سوسة.
وتعفنت الأوضاع مجددًا بعد تعاقب حالات قتل المدنيين المتعاونين مع الجيش والأمن التونسيين في الجبال الحدودية مع الجزائر. وكانت العملية الأبشع ذبح شاب كان يرعى الأغنام وإرسال رأسه مع ابن عمه إلى عائلته في كيس. وقد نشر في المواقع الاجتماعية شريط مصور يتضمن اعترافات القتيل بالتعاون مع الجيش والأمن التونسيين ضد الإرهابيين في الجبال بمقابل مادي. وتنبت «داعش» العملية.

«داعش» في تونس

وعلى الرغم من إغلاق عدد من الشوارع الرئيسية في العاصمة تونس منذ أشهر أمام السيارات والدراجات النارية فقد نجح إرهابي يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) في أن ينغص احتفالات تونس بمهرجان السينما الدولي من خلال تفجير نفسه داخل حافلة لنقل 30 من قوات حرس رئاسة الجمهورية.. على بعد عشرات الأمتار من المقر المركزي لوزارة الداخلية. فكانت الحصيلة 12 «شهيدًا» من بين الأمنيين وعشرات الجرحى.
وتبين مرة أخرى أن المتفجرات ليبية كانت تستخدم في المؤسسات العسكرية الحربية لجيش القذافي. ردت السلطات التونسية الفعل بإعلان حالة الطوارئ وحظر الجولان وبإغلاق الحدود مع ليبيا لمدة أسبوعين وبإجراءات وقائية جديدة.
لكن كل الإجراءات الوقتية والحلول الأمنية في تونس سوف تبقى محدودة التأثير إذا لم تنجح جهود القضاء على الأسباب العميقة للعنف والإرهاب، وبينها غياب سلطة مركزية قوية في طرابلس تعيد توحيد ليبيا وتجميع ملايين قطع السلاح وأكياس المتفجرات وتقضي على كل الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون.



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.