استخدام الماسحات الضوئية للحفاظ على الآثار الواقعة في مرمى «داعش»

أميركي عراقي يقود حملة رقمية ثلاثية الأبعاد لتسجيل أطلال بابل القديمة

كثف ديرك هاوسليغنر عمله في المهمة الموكولة إليه وهي المسح الضوئي للجدران الشاهقة لـ«بوابة عشتار» البالغ عمرها 2600 عام (نيويورك تايمز)
كثف ديرك هاوسليغنر عمله في المهمة الموكولة إليه وهي المسح الضوئي للجدران الشاهقة لـ«بوابة عشتار» البالغ عمرها 2600 عام (نيويورك تايمز)
TT

استخدام الماسحات الضوئية للحفاظ على الآثار الواقعة في مرمى «داعش»

كثف ديرك هاوسليغنر عمله في المهمة الموكولة إليه وهي المسح الضوئي للجدران الشاهقة لـ«بوابة عشتار» البالغ عمرها 2600 عام (نيويورك تايمز)
كثف ديرك هاوسليغنر عمله في المهمة الموكولة إليه وهي المسح الضوئي للجدران الشاهقة لـ«بوابة عشتار» البالغ عمرها 2600 عام (نيويورك تايمز)

لم يكن هناك سوى الثور غائر النحت وآلهة التنين الأفعى لرؤيتها أثناء نقل المساحَين الألمانيين وحراسهما الأمنيين الذين يرتدون سترات واقية من الرصاص، معدات الليزر بشق الأنفس عبر الموقع الأثري الأكثر شهرة في العراق (أطلال بابل القديمة).
وبدافع القلق من العمل في دولة تمزق نفسها طوال سنوات، كثف ديرك هاوسليغنر، وإروين كريستوفوري، عملهما في المهمة الموكولة إليهما والبالغة مدتها أربعة أيام، وهي المسح الضوئي للجدران الشاهقة لـ«بوابة عشتار» البالغ عمرها ألفين و600 عام، ولمعبد «نابو شخاري» الذي أعيد بناؤه جزئيًا - بشكل ألحق الضرر به - في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.
وقال هاوسليغنر، خلال مقابلة أجريت معه مؤخرًا بشأن رحلته إلى ما كانت ذات مرة عاصمة الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني، التي أصبحت الآن ركاما من بقايا الكشف عنها جزئيا، وتبعد 50 ميلاً جنوب بغداد: «بالطبع، كنا قلقين بعض الشيء. لكنك تشعر بالفخر لرؤية ذلك المكان والحفاظ عليه، لأنه من التراث العالمي».
كانت الرحلة في عام 2010، قبل تحقيق تنظيم داعش سمعة سيئة على مستوى العالم مع شنه حملة لا هوادة فيها لتدمير - ونهب - المواقع الأثرية في جميع أنحاء العراق وسوريا.
ونجت مدينة بابل، لأنها تقع في أقصى الجنوب والشرق من المواقع الأثرية المجاورة الأقل حظا، وهي النمرود والحضر وتدمر، الواقعة تحت قبضة «الخلافة الإسلامية» المزعومة.
لكن ما بدت آنذاك أنها مهمة مباشرة للتخطيط للمحافظة على المواقع الأثرية - وإن كانت قد جرت بدقة غير عادية باستخدام التقنية ثلاثية الأبعاد - تبدو الآن أنها جرت بالاستخدام النافذ البصيرة للتقنية الرقمية في منطقة نزاع يتهافت الآخرون حاليا لتبنيها.
وفي مواجهة العجز الواضح للحكومات والوكالات الدولية لوقف متعصبي «داعش» عن تسوية التراث بالأرض، تحاول المنظمات الثقافية الأخرى إنشاء تسجيلات ثلاثية الأبعاد للمواقع الأثرية من أجل الحفاظ عليها - على شكلها الرقمي على الأقل - للأجيال المقبلة.
وذكر جيف ألن، مدير برنامج لدى «الصندوق العالمي للآثار» (هي منظمة خيرية غير ربحية مقرها نيويورك، وهي التي كلفت مهمة المسح الضوئي، وتعمل في بابل مع مجلس الدولة العراقية للآثار والتراث): «كنا في مقدمة هذا العمل».
وأوضح: «لقد مسحنا آثار البوابة. لم نكن نعلم أبدًا أنها قد تتعرض لمشكلة في المستقبل، وبالصدفة الغريبة، تجتاح الأزمة جميع أنحاء العراق. وبالنسبة للمواقع الأثرية مثل النمرود والحضر، لم يكن التوثيق على هذا النحو المبين بالتفصيل، ومن الصعب للغاية إعادة بناء المواقع عندما لا تمتلك القاعدة الجيدة من المعلومات».
ونبهت الأضرار التي لحقت بالآثار في العراق إلى جانب مئات الآلاف من القتلى وملايين المشردين في البلدان، حيث قد لا تعود الهياكل - البشرية والسياسية والثقافية - إلى ما كانت عليه. غير أن الهجمات على الأشخاص وعلى تراثهم الثقافي ترتبط ارتباطا وثيقا بعضها مع بعض، وفقا لأولئك المكلفين بحماية الآثار.
وقالت إيرينا بوكوفا، مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، في خطاب ألقته في نوفمبر (تشرين الثاني): «التطهير الثقافي هو جريمة من جرائم الحرب التي تستخدم الآن بوصفها تكتيك حرب. إنه ليس خيارا بين حماية الناس أو حماية الثقافة. إنما هو جزء من المسؤولية نفسها، لأن الثقافة تتعلق بالانتماء، والهوية، والقيم، والتاريخ المشترك، وذلك النوع من العالم التي نريد العيش فيه».
وتعمل منظمات ثقافية مع الخبراء العراقيين والسوريين - بالاعتماد على المعارف المحلية وتوفير المعدات والتدريب اللازم - لإنشاء سجلات رقمية للمواقع الأثرية المعرضة للخطر.
ومن بين المنظمات الرائدة في ذلك الأمر منظمة غير ربحية تسمى «ساي أرك»، مقرها في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، تكرس نفسها للحفاظ الرقمي ثلاثي الأبعاد للتراث الثقافي. وقد أرسلت فرقا لمسح عشرات المواقع عالية المخاطر - لكن لا تزال هناك إمكانية الوصول إليها - في سوريا والعراق، وتخطط لتوسيع المشروع ليشمل مائتي موقع آخر في البلدان المجاورة.
إن مؤسس «ساي أرك» هو بن كاسيرا، 75 عاما، وهو مهندس عراقي - أميركي، ولد في مدينة الموصل الواقعة شمال العراق والتي تقع الآن تحت سيطرة تنظيم داعش. إنه يتذكر حينما كان والده يأخذه معه إلى المواقع الآشورية القديمة مثل نينوى والنمرود وخورسباد. ويكمن الدافع وراء شغفه بالحفاظ على التراث في ذكرياته للموصل التي عاشت فيها المجتمعات المختلفة معا بسلام وهي محاطة بذكريات حضارات بلاد الرافدين القديمة التي ساعدت في تشكيل العالم الحديث.
وقال كاسيرا: «تدفعنا طبيعتنا البشرية إلى طرح سؤال: من أين جئنا؟ ومن خلال تدمير تلك المواقع الأثرية، إننا فقط لا نفقد المواقع، إنما نفقد القصص التي تخبرنا بتاريخنا. ويريد الأشخاص مثل (داعش) طمس هذه القصص، لأنهم يريدون محو كل الذكريات من أجل جلب قصتهم ومنطقهم الخاص بهم إلى الواجهة. وأنا أمقت ذلك».
وتجمع منظمة أخرى «معهد الآثار الرقمية» قاعدة بيانات مفتوحة المصدر مؤلفة من مليون صورة. ويتمثل هدفها في استخدام الصور الملتقطة قبل تدمير المواقع الأثرية مثل تدمير لتسجيل - وحتى إعادة بناء - بعض المعالم الأثرية.
وأشار مدير التقنية بالمعهد، أليكسي كارينوسكا، وهو فيزيائي بجامعة «أكسفورد»، إلى أن المعهد كان يزود المتطوعين بـ5 آلاف كاميرا ثلاثية الأبعاد خفيفة الوزن - أقل دقة لكنها أكثر سرية وسهل الحفاظ عليها أكثر من الماسحات الضوئية - لتوثيق المواقع الثقافية المعرضة للخطر في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي أبريل (نيسان)، في ساحة الطرف الأغر في لندن، سيتم تثبيت نسخة طبق الأصل واسعة النطاق لقوس معبد «بعل» في تدمر، استنادا إلى نموذجه الرقمي ثلاثي الأبعاد. ويظل الوضع الحالي للقوس الحقيقي غير مؤكد، رغم أن معظم المعبد قد تدمر على ما يبدو.
وأضاف كارينوسكا: «بالطبع، لا يكون الاستنساخ مثل الشيء الأصلي. ويمكن فقط أن يكون ثاني أفضل نسخة منه، لكن بالنظر إلى الوضع الحالي، أعتقد أنه ينبغي علينا تقبل إمكانية وجود ذلك».
وبالطبع، من الضروري أيضًا بذل كثير من العمل غير الرقمي. ويحتاج موقع بابل إلى عمل صيانة شاق ومكلف - سوف يتلقى مساعدة قدرها 530 ألف دولار من سفارة الولايات المتحدة على هيئة منحة أعلنت عنها الأسبوع الماضي - إذا كانت المعالم الأثرية المعرضة للخطر هي التي سيجري الاحتفاظ بها على أرض الواقع، وليس مجرد النسخة الافتراضية.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.