إشكال أمني بين حزب الله والجيش اللبناني قرب الحدود السورية

احتدام القتال حول يبرود.. وخبراء يتوقعون حربا قد تطول لعشر سنوات

رجل يبكي مقتل أربعة من أبنائه في قصف يعتقد أن قوات النظام نفذته في حلب أمس (رويترز)
رجل يبكي مقتل أربعة من أبنائه في قصف يعتقد أن قوات النظام نفذته في حلب أمس (رويترز)
TT

إشكال أمني بين حزب الله والجيش اللبناني قرب الحدود السورية

رجل يبكي مقتل أربعة من أبنائه في قصف يعتقد أن قوات النظام نفذته في حلب أمس (رويترز)
رجل يبكي مقتل أربعة من أبنائه في قصف يعتقد أن قوات النظام نفذته في حلب أمس (رويترز)

اصطدمت عناصر من حزب الله اللبناني، أمس، مع أفراد من الجيش اللبناني في البقاع (شرق لبنان)، في أول حادثة منذ إعادة حزب الله نشر عناصر أمنيين له على مداخل بلدة عرسال الحدودية مع سوريا، التي يتهمها الحزب بأنها ممر للسيارات المفخخة من يبرود السورية إلى الداخل اللبناني.
وقع الإشكال بين موكب رئيس فرع استخبارات الجيش اللبناني في البقاع العميد عبد السلام سمحات وعناصر من الحزب في المنطقة، من دون الكشف عن أسباب الحادث من مصادر مستقلة. واكتفت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية، بالقول إن الإشكال وقع بين الضابط «وبعض الأهالي في بلدة اللبوة على خلفية توقيف المخابرات لأحد الأشخاص»، مشيرة إلى أنه «لم يفد عن حصول أي إطلاق نار».
وسارعت الجهات الرسمية اللبنانية، أمس، إلى تطويق ذيول الإشكال. ونقل موقع «لبنان 24» الإخباري عن مصادر أمنية رسمية تطويق الإشكال كاشفة عن توقيف أحد عناصر الحزب الضالعين في الإشكال.
وأوضحت المصادر ذاتها أن الإشكال حصل بين سيارتين إحداهما تابعة لاستخبارات الجيش وأخرى تبين لاحقا أن سائقها من المنتمين إلى حزب الله، وأشارت إلى أن دورية من الاستخبارات قامت بتعقب السيارة واعتراضها ومن ثم جرى توقيف سائقها، مشددة على أنه «حادث عرضي ولا أبعاد أمنية أو سياسية له».
وأعاد حزب الله نشر حواجز أمنية له في اللبوة ذات الغالبية الشيعية والمجاورة لعرسال ذات الغالبية السنية، إثر وقوع تفجيرات بالسيارات المفخخة في مناطق نفوذه في لبنان، رغم انتشار الجيش اللبناني في المنطقة.
وكان الحزب سارع إلى نشر حواجز له بعد وقوع ثاني تفجير استهدف منطقة الرويس في ضاحية بيروت الجنوبية في أغسطس (آب) الماضي، قبل أن يسلمها إلى السلطات الرسمية اللبنانية التي نفذت خطة الانتشار في الضاحية والبقاع. وإثر استهداف مدينة الهرمل (شمال شرقي لبنان) بثلاثة تفجيرات، أعاد الحزب حواجزه، وهو ما دفع بوزير العدل اللبناني اللواء أشرف ريفي للاعتراض على وجودها.
وتتركز حواجز الحزب في البقاع في منطقة اللبوة، التي تعد ممرا إلزاميا للعبور باتجاه بلدة عرسال، المؤيدة للمعارضة السورية. وادعت تقارير سابقة إلى أن السيارات المفخخة تعبر من يبرود بريف دمشق الشمالي، عبر جارتها اللبنانية عرسال، إلى المناطق حيث شهدت تفجيرات.
ويظهر عناصر الحزب في تلك المناطق بأسلحتهم، بشكل علني، حيث يدققون بهوية العابرين من عرسال إلى اللبوة، قبل اتجاههم شمالا نحو الهرمل، أو جنوبا باتجاه بعلبك. وتقول مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن هؤلاء العناصر «هم من أبناء المنطقة، ومهمتهم تتلخص بمعرفة الغرباء المشتبه بهم، بهدف الحد من وصول السيارات المفخخة من يبرود السورية إلى الأراضي اللبنانية».
وكشفت المصادر عن أن هذه الحواجز «عادت بعد التفجير الثاني الذي ضرب الهرمل في فبراير (شباط) الماضي، في مهمة لمساعدة حواجز الجيش اللبناني»، علما بأن عناصر الحزب الذين يقيمون بسيارات خاصة بهم، أو يقفون على جانبي الطرقات، لا يبعدون عن حواجز الجيش اللبناني أكثر من مائتي متر.
وتعد تلك الحواجز جزءا من التدابير الأمنية المشددة التي يتخذها حزب الله في المناطق الحدودية مع سوريا بالبقاع، بهدف منع وصول السيارات المفخخة إلى مناطق نفوذه. علما بأن تلك الحواجز أثارت اعتراض شخصيات من بلدة عرسال، نظرا لما وصفته بـ«التضييق على حركة سكانها خارج البلدة». وكانت مصادر إسلامية أكدت لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق، أن أهالي عرسال مستاءون من تلك الحواجز التي تقوض حركتهم، وقد سجلوا اعتراضا لدى مرجعيات سياسية حولها.
وحركت تلك الحواجز وزير العدل أشرف ريفي لبحثها مع مسؤول لجنة التنسيق والارتباط بحزب الله وفيق صفا، في أول اجتماع عقد بينهما، منتصف الشهر الماضي، إذ طلب من صفا إزالة الحواجز الكائنة بين اللبوة وعرسال.

وعلى صعيد اخر، حذر خبراء من أن الحرب في سوريا قد تستمر 10 سنوات إضافية مع دعم إيران وروسيا لنظام الرئيس بشار الأسد وسيطرة مجموعات متطرفة على أرض المعركة.
وقال هؤلاء الخبراء إن الأسد اختار عمدا استراتيجية عدم القيام بأي شيء في وقت تعزز فيه مجموعات معارضة متطرفة مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) نفوذها على حساب المعارضة المعتدلة التي تقاتل على جبهتين. وقال المحلل ديفيد غارتنشتاين روس «الآن أصبح الأمر واضحا بأن سقوط الأسد لم يعد حتميا كما كان يعتقد الكثير من المحللين قبل عام». وأضاف أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ أول من أمس أن «السيناريو الأكثر احتمالا هو الذي تتوقعه الاستخبارات الأميركية حاليا: الحرب سوف تستمر لعشر سنوات إضافية وحتى أكثر من ذلك».
وأوضح غارتنشتاين، وهو من المؤسسة من أجل الدفاع عن الديمقراطية، أن وضع الأسد تعزز في هذا الوقت، ليس فقط بالسلاح والمال من روسيا وإيران وإنما أيضا بسبب رغبته في عدم التدخل ضد الحركات المتطرفة. وقال أيضا إن «الدور الرئيسي الذي يلعبه الجهاديون (داخل المعارضة) دفع بالدول الغربية ودول أخرى إلى العدول عن زيادة الدعم للمعارضة».
وعد المحلل أن سياسة واشنطن التي امتنعت حتى الآن عن تسليم أسلحة ثقيلة إلى المعارضة مع تقديم مساعدات إنسانية، هي «ملتبسة» وتنقصها «الرغبة الحقيقية في إنهاء الحرب». وأضاف أن «الحرب السورية مأساة كبرى، ويرجح أن تكون نهايتها مأساوية أيضا. ومن المرجح أيضا أن تكون الولايات المتحدة غير قادرة على تجنب ذلك حتى إذا اخترنا التدخل بشكل إضافي».
من جهته، قال ماثيو ليفيت، الخبير في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن تدفق المقاتلين الأجانب في النزاع يطرح مخاطر فعلية أيضا في العالم، لأن «غالبية المقاتلين المتشددين سيعودون إلى بلدانهم ويشنون هجمات قبل أن يضربوا في أوروبا أو الولايات المتحدة». وأشار على سبيل المثال إلى انتحاريين أرسلوا إلى تونس وهم من مجموعات ليبية ومغربية تقاتل حاليا داخل سوريا. وقال «في الوقت الذي يمكن أن تكون فيه الحرب قابلة للتفاوض فإن الطائفية ليست كذلك، وهي بالتأكيد سوف تخلق شروط عدم الاستقرار خلال السنوات العشر المقبلة»، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.
ونفى نائب وزير الخارجية بيل بيرنز أن تكون الإدارة الأميركية تعتقد حاليا أنه من الأفضل أن يبقى الأسد في السلطة، لأن المتطرفين يشكلون تهديدا أكبر للأمن الوطني الأميركي. وقال بيرنز أمام أعضاء مجلس الشيوخ «أنا أبقى على قناعة قوية، والإدارة كذلك، بأن الأسد يشكل عامل جذب للمقاتلين الأجانب والتطرف العنيف». وأضاف «ما دام الأسد باقيا فستستمر الحرب الأهلية، وستتدهور، كما أن مخاطر توسع رقعتها ستزيد أيضا». وأقر بيرنز بأنه «في الملف السوري، شعرنا باستياء شديد من الأبعاد الواسعة للسلوك الروسي وتصرفاته». لكنه شدد على أن واشنطن لا تزال تعمل مع شركائها مثل السعودية لمعرفة ما يمكن القيام به، وكذلك بحث «السبل التي يمكننا فيها تقوية دعمنا للمعارضة المعتدلة».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.