الرئيس التشادي يصل إلى بورتسودان ويتفقد موانئ ومنشآت سودانية

محتجون إسلاميون سودانيون يصفون الرئيس الفرنسي بـ«مجرم الحرب»

ارشيفية
ارشيفية
TT

الرئيس التشادي يصل إلى بورتسودان ويتفقد موانئ ومنشآت سودانية

ارشيفية
ارشيفية

تظاهر العشرات من الإسلاميين السودانيين في العاصمة الخرطوم احتجاجا على الدور الفرنسي ضد المسلمين في دولة أفريقيا الوسطى، ووصفوا الرئيس الفرنسي بـ«مجرم الحرب»، في حين وصل الرئيس التشادي مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، في زيارة ليومين يتفقد خلالها منشآت وموانئ سودانية في شرق البلاد.
ومنعت سلطات الأمن السودانية إسلاميين سودانيين من التظاهر أمام السفارة الفرنسية في الخرطوم، وتسليم مذكرة احتجاج، على ما سموه الدور الفرنسي ضد المسلمين في أفريقيا الوسطى.
وتجمع العشرات من أنصار الجماعات الإسلامية السودانية عقب صلاة الجمعة في أكبر مساجد الخرطوم، ونظموا مظاهرة احتجاجية ضد ما سموه التدخل الفرنسي، وتضامنا مع مسلمي أفريقيا الوسطى. ودعت للمظاهرة مجموعة تطلق على نفسها «الهيئة الشعبية لمناصرة مسلمي أفريقيا»، وشارك فيها الإخوان المسلمون، وجبهة الدستور الإسلامي، والرابطة الشرعية للعلماء والدعاة، ومنتدى شباب أفريقيا الوسطى المقيمين في السودان، وهيئة علماء المسلمين.
ولم تسمح السلطات الأمنية للمتظاهرين بالتوجه للسفارة الفرنسية في الخرطوم، واكتفت بالسماح لهم بتنظيم وقفتهم الاحتجاجية قرب المسجد الكبير، وسط الخرطوم، وأحاطتهم بقوة أمنية كبيرة. ورفع المحتجون لافتات أدانوا فيها التدخل الفرنسي، ودعوا لمقاطعة فرنسا اقتصاديا وسياسيا.
ودعا الأمين العام للهيئة الشعبية لمناصرة مسلمي أفريقيا محمد عبد الكريم أثناء مخاطبته للمحتجين، وخلفه لافتة تصف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بـ«مجرم الحرب»، حكومات البلدان الإسلامية لقطع علاقاتها مع فرنسا، واتهمها بـ«الاعتداء على حرمات المسلمين في عدد من البلدان الأفريقية»، بينما طالب الأمين العام لهيئة علماء السودان المدعومة من الحكومة إبراهيم آدم، بتشكيل قوة عسكرية قوامها 120 ألف جندي بواقع ألفين من كل بلد، للتدخل في أفريقيا الوسطى، ولوقف ما سماه «المذابح ضد المسلمين». وقالت الهيئة إنها ستنظم مظاهرة مماثلة الجمعة المقبل، ودعت الرئيس عمر البشير لمخاطبتها، وأعلنت عن فتح باب التبرعات لدعم مسلمي أفريقيا الوسطى.
وتواجه التجمعات الإسلامية المماثلة في السودان، انتقادات عنيفة من ناشطين ودارفوريين، ويعتبرونها أداة سلطوية، ويستندون في ذلك إلى موقفها من الحرب في دارفور، التي راح ضحيتها آلاف المسلمين، وأنها لم ترفع لافتة واحدة تدين فيها تلك العمليات التي تعد «جرائم حرب دولية»، بل ويقولون إن هيئة علماء المسلمين والتنظيمات المماثلة تنشط في الدفاع عن المسلمين في مناطق أخرى من العالم، ولا تدير بالا لمسلمي السودان. وفي الأثناء، وصل الرئيس التشادي إدريس ديبي إلى مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، في زيارة للسودان تستغرق يومين، وبرفقته وفد رفيع من المسؤولين التشاديين.
واستقبل ديبي رصيفه عمر البشير، الموجود في بورتسودان للمشاركة في ختام مناسبة سياحية (مهرجان السياحة والتسوق)، ويتوقع حسبما أوردت وكالة الأنباء الرسمية (سونا) أن يقوم الرئيس التشادي بجولة واسعة في الموانئ السودانية، لا سيما الميناء الجنوبي وميناء بشائر لتصدير البترول، وميناء الأمير عثمان دقنة بسواكن، والمنطقة الحرة وميناء سلوم الجاف.
وفضلا عن العلاقات التي تربط بين السودان وتشاد؛ فمن الراجح أن للزيارة ومن خلال البرنامج المعلن، علاقة بنقل التجارة الخارجية لتشاد، الدولة المغلقة التي لا تملك حدودا بحرية، «صادرات وواردات»، عبر الموانئ السودانية. واتفق الرئيسان البشير وديبي خلال زيارة الأخير للبلاد، فبراير (شباط) العام الماضي على تصدير نفط شمال تشاد الذي تنوي إنتاجه عبر ميناء بورتسودان، وعلى إنشاء طريق بري قاري بتمويل قطري، إلى جانب مد خط السكة الحديد ليصل إلى دولة تشاد، وتعمل شركات صينية على ربط خطوط السكة حديد بين البلدين، إلا أن هذه الأعمال تصطدم بالتوتر والنزاع اللذين يشهدهما إقليم دارفور.
ومنحت الخرطوم في وقت سابق مساحة على ساحل البحر لتستخدمها في استيراد وتصدير بضائعها، وحق استخدام خط أنابيب النفط والمنشآت النفطية السودانية. وينشط الرئيس التشادي ديبي في ملف إقليم دارفور المتاخم لبلاده، الذي يشهد نزاعا مسلحا بين الجيش الحكومي والحركات المتمردة منذ عام 2003، وهو نزاع خلّف أكثر من 300 ألف قتيل، وأدى لتشريد نحو 2.5 مليون شخص، بحسب إحصائيات أممية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رعى الرئيس ديبي مؤتمرا في منطقة «أم جرس» التشادية، قرب الحدود بين الدولتين، ضم زعماء إثنية «الزغاوة»، وهي قبيلة مشتركة بين البلدين، وتعد من أكبر القبائل في دارفور وتشاد، بل وينحدر منها الرئيس دبي شخصيا.
ويهدف مؤتمر «أم جرس» لإعطاء قبيلة الزغاوة دورا في تعزيز الأمن في الإقليم، استنادا على أن أبناءها يهيمنون على أكبر حركتين متمردتين في الإقليم، وهما حركتا العدل والمساواة، بقيادة جبريل إبراهيم، وتحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي. في حين ينتمي قادة الحركة الثالثة «تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور»، إلى قبيلة الفور، وهي أكبر القبائل في الإقليم. ونفى ديبي في وقت سابق أن يكون مؤتمر أم جرس مخصصا لقبيلة الزغاوة، ويتردد أنه ينوي عقد مؤتمر مماثل تشارك فيه جميع قبائل دارفور، بمن فيهم قبيلة الفور.
وفي زيارته الأخيرة للخرطوم، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال ديبي إن الرئيس البشير فوضه «للاتصال بالحركات المسلحة في دارفور لاستئناف المفاوضات»، بيد أنه لم يكشف عن أي اتصالات جرت مع الحركات المتمردة منذ ذلك الوقت.
كما بحث الرئيسان في تلك الزيارة الأوضاع في أفريقيا الوسطى، التي تشهد اضطرابات طائفية منذ مارس (آذار) في العام الماضي، وتجاور حدود السودان الغربية، وتجاور تشاد من حدودها الجنوبية، لم يكشف النقاب عنها.
وكان البلدان قد وقعا 2009 اتفاقية أمنية بعد توتر طويل بينهما، أقرت نشر قوة مشتركة لتأمين الحدود، وتوقف كلا الطرفين عن دعم المتمردين ضد الآخر.
وكانت الخرطوم تتهم أنجمينا بدعم الحركات المتمردة عليها في إقليم دارفور، وترد أنجمينا بأن الخرطوم هي الأخرى تدعم المتمردين ضدها.
وجرى توقيع الاتفاق الأمني بين البلدين بعد مرور عام من دخول حركة العدل والمساواة للعاصمة الخرطوم في مايو (أيار) 2008، فيما عرف بـ«عملية الذراع الطويلة»، وزعمت تقارير حكومية أنها نُفذت بدعم تشادي.
وقبل أشهر من عملية أم درمان، أوشك متمردون تشاديون على إسقاط حكم الرئيس إدريس ديبي، بل وحاصروا القصر الرئاسي في العاصمة أنجمينا في فبراير (شباط) 2008، وزعمت أنجمينا وقتها أن الخرطوم دعمت تلك العملية.
وبعيد توقيع الاتفاقية الأمنية، أبعدت تشاد قادة الحركات المتمردة من أراضيها، بما فيهم زعيم حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم الذي اغتيل بقصف جوي، ما زالت تفاصيله غير معروفة، على الرغم من انتمائه لقبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها الرئيس ديبي.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.