دول مجلس التعاون الخليجي تسعى إلى التكامل وصولاً إلى الوحدة

أبرز القمم والإنجازات خلال مسيرة امتدت إلى أكثر من 34 عامًا

لقطة لقادة القمة الخليجية  الثانية التي أحتضنتها العاصمة الرياض عام 1981 ({الشرق الأوسط})
لقطة لقادة القمة الخليجية الثانية التي أحتضنتها العاصمة الرياض عام 1981 ({الشرق الأوسط})
TT

دول مجلس التعاون الخليجي تسعى إلى التكامل وصولاً إلى الوحدة

لقطة لقادة القمة الخليجية  الثانية التي أحتضنتها العاصمة الرياض عام 1981 ({الشرق الأوسط})
لقطة لقادة القمة الخليجية الثانية التي أحتضنتها العاصمة الرياض عام 1981 ({الشرق الأوسط})

مر مجلس التعاون الخليجي بعدد من المراحل منذ بداية تأسيسه عام 1981 وحتى اليوم، واستطاع تجاوز الكثير من الأزمات التي مرت بالمنطقة، والتي من أهما الغزو العراقي لدولة الكويت، واليوم تستضيف مدينة الرياض اجتماعات المجلس الأعلى لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته السادسة والثلاثين بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث سبق للرياض أن استضافت أعمال الدورة ست مرات بدءًا من الدورة الثانية التي حفلت بالكثير من التطورات والمبادرات والقرارات التي باتت تصب في خدمة المواطن الخليجي أولاً ورفعة شأنه بصفته المكون الأول لدول المجلس.
وفي 11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1981، عقدت الدورة الثانية لاجتماع قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بدعوة من الملك خالد بن عبد العزيز، حيث استعرض المجلس الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة الخليج، في ضوء التطورات الراهنة، وأعلن عزمه على مواصلة التنسيق في هذه المجالات لمواجهة الأخطار المحيطة بالمنطقة وزيادة الاتصالات بين دول المجلس من أجل درء هذه الأخطار.
وتُعتبر من أهم قمم المجلس بعد قمة التأسيس هي القمة الثانية 10 نوفمبر 1981 في العاصمة السعودية الرياض، أكد بيان القمة على ضرورة «إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية، خصوصا وجود الأساطيل العسكرية والقواعد الأجنبية، لما فيه مصلحتها ومصلحة الأمن والسلام في العالم».
- القمة الثالثة: بين 9 و11 نوفمبر 1982 في عاصمة البحرين المنامة، أقر القادة «بناء القوة الذاتية للدول الأعضاء والتنسيق بينها بما يحقق اعتماد دول المنطقة على نفسها في حماية أمنها والحفاظ على استقرارها».
- القمة الرابعة: بين 7 و9 نوفمبر 1983 في العاصمة القطرية الدوحة، «تدارس استمرار الحرب العراقية الإيرانية، وأثر ذلك على استقرار المنطقة».
- القمة السابعة: بين 2 و5 نوفمبر 1986 في العاصمة الإماراتية أبوظبي، «أعرب عن رفضه لمحاولات ربط مفهوم الإرهاب بالعرب والإساءة إلى الأمة العربية»، كما أقر المجلس «بالسماح للمستثمرين من مواطني دول المجلس بالحصول على قروض من بنوك وصناديق التنمية الصناعية في الدول الأعضاء ومساواتهم بالمستثمر الوطني من حيث الأهلية».
- القمة الثامنة: بين 26 و29 ديسمبر (كانون الأول) 1987 في الرياض، «أقر المجلس الأعلى الاستراتيجية الأمنية الشاملة المرفوعة من وزراء الداخلية»، كما «أقر المجلس الأعلى توصيات وزراء الدفاع حول التعاون العسكري مع التأكيد على أهمية البناء الذاتي للدول الأعضاء لدعم القدرات الدفاعية في إطار التنسيق والتكامل بما يحقق متطلبات الأمن والاستقرار».
- القمة العاشرة: بين 18 و21 ديسمبر 1989 في مسقط، أعلن المجلس أنه يهيب «بالمجتمع الدولي الاستمرار في تأييد اتفاق الطائف (في لبنان)، ودعم جهود اللجنة الثلاثية العربية العليا، ودعم الشرعية اللبنانية بقوة ووضوح»، كما أقر «قواعد الاستثناء من الإعفاء من الرسوم الجمركية بموجب المادة الرابعة والعشرين».
- القمة الـ12: بين 23 و25 ديسمبر 1991 في الكويت، بارك المجلس «للكويت قيادة وشعبا بعودة الشرعية إليها» عقب الغزو العراقي لها، مطالبا العراق «بالإسراع في تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة» و«أكد حرصه على دفع العلاقات الثنائية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لما فيه خدمة المصالح المشتركة».
القمة الـ15: 19 - 21 ديسمبر 1994 في المنامة، «تبني خطوات لبناء القوة الدفاعية الذاتية في ظل استراتيجية موحدة، تضع في خدمة الأمن الخليجي كل القدرات المتوفرة، كما قرر تطوير قوة درع الجزيرة لتصبح قادرة على التحرك الفعال السريع».
- القمة الـ16: 4 - 6 ديسمبر 1995 في مسقط، أقرت «التوصيات المتعلقة بالربط الكهربائي بين دول المجلس التي توصلت إليها لجنة التعاون المالي والاقتصادي ووجه بالشروع في تنفيذها، كما قرر توحيد الإجراءات اللازمة لتطبيق قرارات المجلس الأعلى في المجالات الاقتصادية بالدول الأعضاء».
- القمة الـ17: 26 - 28 ديسمبر 1996 في الدوحة، أقرت «توحيد التعرفة الجمركية لدول المجلس وإقامة اتحاد جمركي بينها»، واعتماد «السياسة الزراعية المشتركة».
- القمة الـ18: 20 - 22 ديسمبر 1997 في الكويت، أقر المجلس «تسهيل إجراءات تنقل المواطنين، وانسياب السلع، وحركة التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، فضلا عن إقراره (ربط دول المجلس بشبكة اتصالات مؤمنة للأغراض العسكرية والتغطية الرادارية والإنذار المبكر، والتمارين العسكرية)».
- القمة الـ21: 31 ديسمبر 2000 في المنامة، «قرر المجلس الأعلى السماح لمواطني دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين بممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية والمهن».
القمة الـ25: 21 ديسمبر 2004 (قمة زايد) في المنامة، «أقر المجلس الأعلى ما توصلت إليه اللجان المختصة بشأن مد المظلة التأمينية لمؤسسات التقاعد والتأمينات الاجتماعية لتغطية مواطني دول المجلس العاملين خارج دولهم في دول المجلس الأخرى».
- القمة الـ26: 18 - 19 ديسمبر 2005 (قمة الملك فهد) في أبوظبي، اعتمد المجلس الأعلى وثيقة «السياسة التجارية الموحدة لدول المجلس».
- القمة الـ27: 9 - 10 ديسمبر 2006 (قمة الشيخ جابر) في الرياض، «وجه المجلس قادة الخليج بإجراء دراسة مشتركة لدول مجلس التعاون لإيجاد برنامج مشترك في مجال التقنية النووية لأغراض سلمية».
- القمة الـ28: 3 - 4 ديسمبر 2007 في الدوحة، وأعلنت عن قيام السوق الخليجية المشتركة بدءًا من يناير (كانون الثاني) 2008، و«أقرت القمة تطوير قواعد ممارسة تجارة التجزئة والجملة بما يتوافق مع متطلبات السوق الخليجية المشتركة».
- القمة الـ29: 29 - 30 ديسمبر 2008 في مسقط، «اعتمد المجلس اتفاقية الاتحاد النقدي المتضمنة الأطر التشريعية والمؤسسية له كما اعتمد النظام الأساسي للمجلس النقدي».
- القمة الاستثنائية في 15 يناير 2009 في الرياض، عقدت بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حينها، و«بحث القادة مجمل قضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وبصفة خاصة المأساة التي حلت بالأشقاء من الشعب الفلسطيني في غزة».
- القمة الـ30: 14 - 15 ديسمبر 2009 في الكويت، «وأقر المجلس الأعلى الاستراتيجية الدفاعية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتطوير قدرات قوات درع الجزيرة المشتركة، والمشاريع العسكرية المشتركة».
- القمة الـ31: 6 - 7 ديسمبر 2010 في أبوظبي، «قرر المجلس السماح للشركات الخليجية بفتح فروع لها في دول المجلس، وتطبيق المساواة التامة في معاملة فروع هذه الشركات معاملة فروع الشركات الوطنية».
- القمة الـ32: 19 - 20 ديسمبر 2011 في الرياض، «اعتماد الهوية الشخصية كإثبات هوية لمواطني دول المجلس في القطاعين العام والخاص في جميع الدول الأعضاء»، و«اعتماد القواعد الموحدة لإدراج الأوراق المالية (الأسهم، السندات والصكوك، ووحدات صناديق الاستثمار) في الأسواق المالية بدول المجلس».
- القمة الـ33: 24 - 25 ديسمبر 2012 في المنامة، «صادق المجلس الأعلى على قرارات مجلس الدفاع المشترك وبارك إنشاء قيادة عسكرية موحدة تقوم بالتنسيق والتخطيط والقيادة للقوات البرية والبحرية والجوية المخصصة والإضافية، وقرار الموافقة على علاج منتسبي القوات المسلحة وعائلاتهم بدول مجلس التعاون».
- القمة الـ34: 10 - 11 ديسمبر 2013 في الكويت، أقر المجلس «إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس، وكلف مجلس الدفاع المشترك باتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء في تفعيلها وفق الدراسات الخاصة بذلك»، و«أدان بشدة استمرار نظام الأسد في شن عملية إبادة جماعية على الشعب السوري».
القمة الـ35: 9 ديسمبر 2014 في الدوحة: أقر المجلس (إنشاء قوة الواجب البحري الموحدة، واعتمد القانون الموحد للغذاء بصفة استرشادية بشقيه النباتي والتصنيعي، والذي يهدف إلى ضمان سلامة الغذاء المتداول، وحماية الصحة العامة للمستهلك، وتيسير حركة تجارة الغذاء).



السعودية تدين الهجوم الإرهابي على حافلة لقوات الأمن الداخلي بسوريا

 الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)
الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)
TT

السعودية تدين الهجوم الإرهابي على حافلة لقوات الأمن الداخلي بسوريا

 الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)
الحافلة التي استهدفت بعبوة ناسفة اليوم (سانا)

أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة واستنكارها للهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة تابعة لقوات الأمن الداخلي في ريف دمشق في سوريا، وأسفر عن عدد من الإصابات في صفوف أفراد قوات الأمن الداخلي.

وعبّرت الوزارة، في بيان، عن «تضامن المملكة ووقوفها التام مع جميع الخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لمكافحة جميع أشكال التطرف والإرهاب، متمنيةً لسوريا وشعبها الشقيق الأمن والسلام، وللمصابين الشفاء العاجل».

وأوردت وكالة الأنباء السورية (سانا) في وقت سابق اليوم، نقلاً عن مصدر أمني، أن «انفجار عبوة ناسفة يستهدف باص مبيت يتبع لقوى الأمن الداخلي على طريق معرونة-التل في ريف دمشق، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات بين العناصر»، مضيفة أن «التحقيقات» متواصلة «للكشف عن منفذي العمل الإرهابي».


من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

من اللوفر إلى العلا... كيف صنعت الثقافة جسراً استراتيجياً بين الرياض وباريس

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

حين عُرضت آثار المملكة في متحف اللوفر لم تكن العلاقة السعودية-الفرنسية قد وصلت بعد إلى اتساعها الحالي. كانت الثقافة يومها نافذة يتعرف من خلالها الفرنسيون على تاريخ المملكة، فيما كانت الرياض تختبر مساحة جديدة للتعريف بتراثها خارج حدودها.

بعد أكثر من عقد ونصف، تغير المشهد؛ أصبحت الثقافة أحد المكونات الأساسية في العلاقة السعودية-الفرنسية، وتحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً لهذا التعاون، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين.

وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا في وقت أصبحت فيه هذه المجالات جزءاً من الاقتصاد الجديد للمملكة، وليس مجرد نشاط ثقافي موازٍ للعلاقات السياسية.

العلا... عندما تصبح الثقافة مشروعاً اقتصادياً

في العلا تتقاطع الآثار مع السياحة، والهندسة مع البيئة، والفنون مع الاقتصاد، وقد وسعت الشراكة السعودية-الفرنسية في المحافظة نطاق التعاون ليشمل التخطيط الحضري، والتراث، والسياحة، والثقافة، والتعليم، والتدريب، والفنون، لتقدم نموذجاً مختلفاً عن العلاقة التقليدية بين دولة مستثمرة وشركات أجنبية.

الرئيس الفرنسي مع وزير الثقافة السعودي خلال زيارته منطقة الحِجر في العُلا (واس)

فالمشروع لا يقتصر على تطوير موقع تاريخي، وإنما يقوم على بناء وجهة عالمية تستند إلى الهوية المحلية وتستفيد من الخبرة الدولية.

وهذا النوع من التعاون ينسجم بصورة مباشرة مع أهداف «رؤية السعودية 2030» في تحويل الثقافة والسياحة والترفيه إلى مكونات فاعلة في الاقتصاد.

رحلة بدأت من اللوفر

لم تكن العلا البداية؛ في عام 2010 احتضن متحف اللوفر معرض «روائع آثار المملكة عبر العصور»، في محطة عكست اهتماماً فرنسياً متزايداً بالتاريخ السعودي.

وسبق ذلك معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس عام 1986، فيما استضاف مقر اليونيسكو في باريس فعاليات الأيام الثقافية السعودية عام 2012.

متحف اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل انتقلت فيه العلاقة الثقافية من التعريف بالمملكة إلى بناء مشاريع مشتركة داخل المملكة نفسها.

الثقافة تدخل الاقتصاد

التغير الأهم أن الثقافة لم تعد قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فالسياحة تحتاج إلى النقل، والضيافة، والتقنية، والمتاحف تحتاج إلى الهندسة، والتشغيل، والتعليم، والفعاليات الكبرى تحتاج إلى الرياضة، والإعلام، والخدمات الرقمية، ومن هنا أصبحت الثقافة جزءاً من منظومة اقتصادية متشابكة.

ويظهر ذلك في اتساع مجالات التعاون المحتملة بين البلدين لتشمل السياحة، والضيافة، والاقتصاد الإبداعي، والألعاب الإلكترونية، والرياضة، وهي قطاعات تتوافق مع توجه المملكة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً.

الرياضة... لغة جديدة للشراكة

وتمنح الرياضة العلاقة بعداً إضافياً، فاستضافة فرنسا لفعاليات مرتبطة بكأس العالم للرياضات الإلكترونية، بالتزامن مع زيارة ولي العهد، تقدم مثالاً على انتقال الرياضة من مساحة المنافسة إلى مساحة للتقارب الاقتصادي، والثقافي.

مجموعة من المحترفين يتسابقون للحصول على كأس العالم للألعاب الإلكترونية بالعاصمة السعودية 2024 (إكس التابع للبطولة)

والرياضة السعودية نفسها أصبحت صناعة عالمية تستقطب الاستثمارات، والمواهب، والفعاليات، بينما تمتلك فرنسا خبرة واسعة في تنظيم البطولات، والأحداث الكبرى.

وتتقاطع المصالح هنا كما تتقاطع في الثقافة والسياحة: السعودية توفر سوقاً، ومشروعات، ورأسمال متنامياً، وفرنسا توفر خبرة صناعية وتنظيمية وثقافية عريقة.

التعليم... الاستثمار الأقل ظهوراً والأطول أثراً

ولا يقتصر التبادل على المشروعات؛ فالتعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية في البلدين يفتح مساراً مختلفاً لنقل المعرفة، وبناء رأس المال البشري.

وتظهر أهمية هذا المسار في القطاعات التي تريد المملكة التوسع فيها، خصوصاً العلوم، والتقنية، والابتكار، والصحة، والهندسة.

فالمشروعات قد تُبنى خلال سنوات، لكن الكفاءات التي تديرها يمكن أن تصنع أثراً يمتد لعقود.

شراكة بين تجربتين

تختلف التجربة السعودية عن الفرنسية في كثير من التفاصيل، لكن هذا الاختلاف نفسه يخلق مساحة للتعاون.

فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً في الثقافة، والمتاحف، والفنون، والصناعات الإبداعية، فيما تعيش السعودية مرحلة تحول واسعة تعيد خلالها صياغة قطاعات الثقافة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

ولهذا لا تقوم الشراكة الجديدة على نقل نموذج جاهز من باريس إلى الرياض، بل على مزج الخبرة الفرنسية بالمشروع السعودي الجديد.

وهذا ما يجعل الثقافة في العلاقات بين البلدين أكثر من «ملف ناعم»؛ إنها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها بناء اقتصاد جديد، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة مصالح مشتركة لا تتأثر بسهولة بتغير الملفات السياسية.

من الماضي إلى المستقبل

على مدى قرن تقريباً، مرت العلاقات السعودية-الفرنسية بمراحل متعددة؛ من التمثيل الدبلوماسي الأول، إلى اللقاء التاريخي بين الملك فيصل وديغول، ثم التوسع في الاقتصاد، والدفاع، وصولاً إلى رؤية جديدة للشراكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

واليوم لا تذهب الرياض إلى باريس للحديث فقط عن الماضي؛ بل عن مدينة مستقبلية، ومتحف جديد، ووجهة سياحية، وصناعة إبداعية وتقنية متقدمة، ومشروع طاقة، واستثمار طويل الأمد.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر سمات العلاقة السعودية-الفرنسية وضوحاً: إن الجسر الذي بدأ بالثقافة أصبح اليوم يحمل الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا معه.

 

 


من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
TT

من التفاهم إلى التنفيذ... الرياض وباريس تعيدان رسم خريطة الشراكة

الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)
الرئيس الفرنسي مستقبلاً ولي العهد السعودي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

تدخل العلاقات السعودية ـ الفرنسية مرحلة مختلفة مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، باريس؛ إذ لم تعد الشراكة بين البلدين محكومة بالملفات التقليدية التي لطالما شكَّلت أساس العلاقة، بل باتت تتحرك على مساحة أوسع تجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والثقافة، وتضع تنفيذ المشروعات في صدارة المرحلة المقبلة.

وتحمل زيارة الدولة دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، كونها تأتي في توقيت يختبر فيه البلدان قدرة الشراكة التي جرى بناؤها خلال السنوات الماضية على الانتقال من مستوى التفاهمات والاتفاقات إلى مشروعات ذات أثر مباشر، في وقت تعيد فيه التحولات الاقتصادية السعودية رسم احتياجاتها من الشركاء الدوليين، فيما تبحث فرنسا عن موقع أكثر رسوخاً في مسار التحول الذي تشهده المملكة.

ويعكس انعقاد مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي للمرة الأولى، خلال الزيارة، هذا التحول في طبيعة العلاقة؛ فالمجلس الذي أُنشئ في أعقاب زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السعودية نهاية 2024، صُمم ليكون إطاراً جامعاً للعلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية وغيرها، بما يمنح التعاون بين الرياض وباريس قناة مؤسسية على مستوى قيادتي البلدين.

شراكة تبحث عن «المشروع»

في السنوات السابقة، كان من السهل تعداد مجالات التعاون السعودي - الفرنسي: الطاقة، والدفاع، والطيران، والنقل، والثقافة والسياحة. أما المرحلة الجديدة فتبدو أكثر ارتباطاً بسؤال مختلف: ما الذي يمكن أن يبنيه البلدان معاً؟

وهنا تتقاطع أولويات «رؤية السعودية 2030» مع القدرات الصناعية والتقنية الفرنسية؛ فالسعودية توسع اقتصادها خارج القطاعات التقليدية، وتبحث عن تقنيات متقدمة وخبرات صناعية ونماذج استثمارية قادرة على دعم قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والصحة والسياحة والضيافة والطاقة الجديدة.

في المقابل، تنظر الشركات الفرنسية إلى السوق السعودية بوصفها واحدة من كبرى ساحات النمو الجديدة في العالم، لا مجرد سوق للمنتجات والخدمات. ويمنح حجم المشروعات السعودية وتنوعها، الشركات الفرنسية، فرصة للمشاركة في مراحل مختلفة من دورة المشروع؛ من التصميم والهندسة إلى التشغيل والتوطين ونقل المعرفة.

وتُظهر الأرقام اتساع القاعدة الاقتصادية للعلاقة؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.79 مليار دولار (44.2 مليار ريال) في 2025، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السعودية إلى نحو 18.52 مليار دولار (69.45 مليار ريال) في 2024، مقارنةً بنحو 7.49 مليار دولار (28.09 مليار ريال) في 2015، وفق البيانات الواردة في الدراسات الحديثة عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وخلال عقد واحد، بلغ إجمالي التجارة السعودية - الفرنسية نحو 93.04 مليار دولار (348.9 مليار ريال)، في مؤشر إلى أن العلاقة الاقتصادية أصبحت أكثر رسوخاً من كونها نتاجاً لصفقة أو مشروع منفرد.

علاقة تتغير دون انقطاع

لسنوات طويلة، شكلت الطاقة أحد أكثر جسور العلاقة صلابةً. إلا أن طبيعة هذا التعاون تتغير مع تحول قطاع الطاقة نفسه؛ فمن الشراكات الكبرى في التكرير والبتروكيماويات، وفي مقدمتها «ساتورب» بين «أرامكو السعودية» و«توتال إنرجيز»، تتجه أجندة التعاون إلى مجالات أوسع تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، والشبكات الذكية، واحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب المعادن الحيوية.

وهذا التحول يلتقي مع سعي الرياض إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، ومع رغبة باريس في توسيع حضور شركاتها في مشاريع التحول الصناعي والطاقة منخفضة الانبعاثات.

وبذلك لم تعد الطاقة في العلاقة السعودية - الفرنسية ملفاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من إعادة صياغة الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتقنيات التي ستخدم الاقتصادين خلال العقود المقبلة.

ولي العهد السعودي خلال لقاء سابق مع الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس - 16 يونيو 2023 (واس)

من المورد إلى الشريك

ينسحب التحول نفسه على التعاون الدفاعي؛ فالعلاقة التي قامت تاريخياً على التدريب والتسليح وتطوير القدرات العسكرية، تتحرك تدريجياً نحو مجالات أكثر ارتباطاً بالتوطين ونقل التقنية والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المحلية.

ويمنح توجه المملكة إلى توطين جزء أكبر من صناعاتها الدفاعية، الشراكات الدولية، معنى مختلفاً؛ فالمطلوب لم يعد فقط الحصول على منظومة أو منصة عسكرية، بل بناء قدرة محلية مستدامة حولها.

وهذا يفتح مجالاً أمام الشركات الفرنسية للمشاركة في منظومة أوسع تشمل التصنيع والخدمات الهندسية والتدريب والبحث والتطوير.

الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية

يقول دومينيك برونان، مدير الغرفة التجارية الفرنسية - العربية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاستراتيجية الاقتصادية التي يتعين على المجموعات والشركات الفرنسية العمل بموجبها تقوم على ضرورة تعزيز الحضور الفرنسي في الاقتصاد السعودي، والمشاركة في المشاريع والخطط الكبرى المرتبطة بـ(رؤية 2030)، وعلى رأسها معرض إكسبو الدولي في الرياض عام 2030، وكأس العالم لكرة القدم 2034، وغيرها من الاستحقاقات المقبلة». ويضيف برونان أن السعودية تسعى لتعزيز شراكاتها في أوروبا وآسيا، ولذا «من الضروري مواكبة هذه الدينامية».

وبشأن الاستثمارات المباشرة في الاقتصاد السعودي، يرى المسؤول الفرنسي أن مرتبة فرنسا «لا يستهان بها، حيث إنها تحتل المرتبة الثانية». بيد أنه يستدرك قائلاً: «لا بد أن نستثمر المزيد، خصوصاً أن السعودية تريد تطوير كثير من القطاعات، وتسعى لإقامة شراكات رابحة للطرفين».

ويتوقف برونان عند القطاعات التكنولوجية والرقمية والذكاء الاصطناعي والفضاء، إلى جانب الكلاسيكية مثل الطاقة والمواصلات والصحة. وبنظره، فإن باريس تتمتع بخبرات كبرى في كل ما يتناول القطاعات التي تمس السيادة بمعناها الشامل، لكنه بالتوازي يحث الشركات المتوسطة على الإقدام على قطاعات «أقل استراتيجية».

كما أشار إلى قطاعات الثقافة والفنون والرياضة، حيث إنها مفتوحة أمام الشركات الفرنسية التي ينبهها إلى قوة المنافسة بسبب انفتاح السوق السعودية. وبينما يبدو حضور المجموعات والشركات الفرنسية في غالبية القطاعات السعودية «وازناً»، إلا أنه يؤكد أن أمامه فرص إضافية يمكن استغلالها.
 

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مصافحاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للسعودية - ديسمبر 2024 (رويترز)

بوابة أوروبية وثقل إقليمي

لا تنفصل الأجندة الاقتصادية عن السياق السياسي؛ فالسعودية تمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً متزايداً في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، بينما تتمتع فرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وحضور مؤثر داخل الاتحاد الأوروبي وقدرة على التحرك في ملفات المنطقة.

ومن هنا اكتسب التنسيق بين الرياض وباريس أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا وأمن الملاحة.

وفي ظل اضطراب طرق التجارة والطاقة في المنطقة، تبرز كذلك أهمية البحث عن مسارات أكثر تنوعاً ومرونة لنقل الطاقة والسلع بين الشرق الأوسط وأوروبا، وهو ملف يتقاطع فيه الاقتصادي مع الاستراتيجي.

العلا... الوجه الأكثر وضوحاً

إذا كانت الطاقة والدفاع يعكسان الجانب الاستراتيجي من العلاقة، فإن العلا تقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر وضوحاً للشراكة التي تتشكل حول مشروع طويل الأمد.

الرئيس الفرنسي وأمير المدينة المنورة ووزراء الثقافة والخارجية والتجارة ومسؤولون من الجانبين في صورة جماعية بمنطقة «الحِجر» التاريخية (واس)

فالتعاون الفرنسي في العلا لم يقتصر على السياحة؛ بل امتد إلى التخطيط والهندسة والآثار والثقافة والفنون والتدريب والتعليم والبيئة، ليصبح أحد أبرز النماذج على دخول الخبرة الفرنسية في مشروع سعودي يتجاوز فكرة الاستثمار التقليدي.

ومن خلال هذا النوع من المشروعات، تلتقي الخبرة الفرنسية مع التحول السعودي في قطاعات الثقافة والترفيه والسياحة، وهي قطاعات باتت جزءاً أساسياً من الاقتصاد الجديد للمملكة.

علاقة تاريخية وأجندة مستقبلية

تعود العلاقات الدبلوماسية السعودية - الفرنسية إلى عام 1926، فيما افتتحت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في جدة عام 1932. غير أن محطة الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 ولقاءه الرئيس شارل ديغول، مثَّلا منعطفاً مهماً في بناء علاقة سياسية أكثر عمقاً.

ومنذ ذلك الوقت، توالت الزيارات والاتفاقات، وصولاً إلى مرحلة شهدت خلالها العلاقات توسعاً متسارعاً بالتزامن مع «رؤية السعودية 2030».

لكن أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية تكمن في أنها تأتي بعد تراكم طويل من الاتفاقات والتفاهمات، وفي وجود إطار مؤسسي جديد للشراكة.

الملك فيصل بن عبد العزيز في باريس عام 1967 (واس)

ولذلك، تبدو المهمة الأساسية أمام الرياض وباريس اليوم، أقل ارتباطاً بإثبات قوة العلاقة، وأكثر ارتباطاً بإظهار ما تستطيع هذه العلاقة إنتاجه.

فالمعادلة التي تتشكل بين البلدين لم تعد: ماذا تبيع فرنسا للسعودية؟ وماذا تشتري السعودية من فرنسا؟ بل كيف يمكن للطرفين أن يستثمرا التحولات الكبرى في اقتصاديهما وموقعيهما الدولي لبناء مصالح مشتركة تمتد لسنوات مقبلة؟

وهذا تحديداً ما يجعل زيارة الدولة إلى باريس محطة في مسار العلاقة، وليست مجرد محطة جديدة فيه.