باريس عاصمة التنوير العربي

رواد النهضة تخرجوا في جامعاتها ونقلوا آراء مفكريه للبلدان العربية

طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي
طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي
TT

باريس عاصمة التنوير العربي

طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي
طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي

أولا باريس هي عاصمة التنوير العالمي، فمنها انطلقت تلك الحركة الفكرية الشهيرة في القرن الثامن عشر على يد فولتير وروسو والموسوعيين، ثم استمرت في القرن التاسع عشر على يد إرنست رينان وفيكتور هوغو وميشليه وعشرات غيرهم، ثم ترسخت أكثر فأكثر في القرن العشرين على يد كوكبة من المفكرين ليس أقلهم دوركهايم وغاستون باشلار وهنري بيرغسون وبقية العباقرة. وعلى هذا النحو تم القضاء على الأصولية الكاثوليكية ومحاكم التفتيش والفكر المذهبي والطائفي القديم. على هذا النحو تم تدشين الأزمنة الحديثة: أي عصر حقوق الإنسان والمواطن والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات واحترام كرامتهم الإنسانية أيا تكن أصولهم العرقية أو الدينية أو المذهبية. فالدين لله والوطن للجميع. وكل إنسان يستحق أن يُحترم في إنسانيته أيا يكن بشرط أن يكون مستقيما، صالحا، أخلاقيا، في تعامله. الدين المعاملة. نقطة على السطر. ما معنى شخص غشاش من جماعتنا؟ هل ينبغي أن نفضله على الآخر لمجرد أنه ينتمي إلى ديننا ومذهبنا؟ هنا يكمن الفرق بين العصور الوسطى / والأزمنة الحديثة. ولهذا السبب تقدموا وتأخرنا. فهم يضعون الإنسان المناسب في المكان المناسب ويحترمون الكفاءات والميزات الشخصية للفرد. ولا يقيمونه على أساس طائفي أو عشائري كما تفعل مجتمعات ما قبل الحداثة. وبالتالي فممنوع منذ الآن فصاعدا إثارة النعرات الطائفية بين المواطنين وتخريب الوحدة الوطنية للبلاد. وهذا ما يبرع به الأصوليون المتعصبون من كل الأديان والمذاهب. لقد ضربت حركة التنوير الفرنسي على أيديهم وأوقفتهم عند حدهم. ولذلك يكره الأصوليون فرنسا وأنوارها كرها شديدا. فبما أن التنوير الفرنسي نجح وترسخ، بل وانتقل بإشعاعه إلى دول أوروبا الأخرى ثم إلى كثير من دول العالم خارج أوروبا، فقد شعر الفكر الأصولي الطائفي المتعصب بأن نيران الحداثة قد تنتقل إليه لاحقا وتقضي عليه أو تهمشه على الأقل. ينبغي العلم بأن المستبد المستنير فريدريك الكبير ملك بروسيا، أي ألمانيا لاحقا، كان يتحدث في بلاطه باللغة الفرنسية. لماذا؟ لأنها كانت تعتبر لغة العلم والثقافة والفكر في كل أنحاء أوروبا آنذاك. بعدئذ حلت محلها اللغة الإنجليزية في عصرنا الراهن. وكان يستقبل في بلاطه كل فلاسفة فرنسا المطرودين من قبل الملك الأصولي الظلامي لويس الخامس عشر. وكان يعتبر فولتير صديقه وأستاذه. نعم، هناك ملوك يهتمون بالثقافة، بالفلسفة والفلاسفة! وأما كاترين الثانية إمبراطورة روسيا فكانت تعتبر التنوير الفرنسي أيضًا شعلة الفكر والحضارة. ولذلك دعت كبار فلاسفة الأنوار لزيارتها ومساعدتها على انتشال روسيا من الجهل وظلاميات القرون الوسطى. ولكن فولتير اعتذر نظرا لكبر سنه وشيخوخته. أما ديدرو فقد قبل الدعوة وذهب إلى هناك وخطط لمشروع التنوير الروسي وكيفية النهوض ببرامج التعليم هناك. ومعلوم أن الإمبراطورة أغدقت عليه بالعطاء مقابل خدماته الفكرية الجليلة وإضاءة الطريق لروسيا.
لكن باريس ليست فقط عاصمة التنوير الفرنسي والأوروبي وإنما هي أيضًا عاصمة التنوير العربي! ينبغي ألا ننسى ذلك. فرفاعة رافع الطهطاوي مدشن النهضة المصرية الحديثة تخرج من هناك. وكتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» كان إنجيل النهضة والنهضويين. ومعلوم أنه أقنع محمد علي بفتح «مدرسة الألسن» لنقل الفكر الفرنسي والأنوار الفرنسية إلى اللغة العربية. وهذا ما فعله لاحقا طه حسين الذي تخرج من باريس أيضا. فقد ساهم بأسلوبه الممتع الذي لا يضاهى في التعريف بتيارات الفكر الفرنسي. وكان كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» إنجيل الحداثة المصرية والعربية لفترة طويلة. وفي عصرنا الحالي يمكن اعتبار محمد أركون بمثابة المنارة الثالثة للتنوير العربي. نقول ذلك وبخاصة أنه ذهب بعيدا أكثر في نقد الجمود الديني المهيمن على العالم الإسلامي. من هذه الناحية لا يمكن مقارنة الشيخ رفاعة به ولا حتى طه حسين. فالأسئلة التي طرحها على التراث الإسلامي كانت أكثر راديكالية بما لا يقاس. والمناهج الحديثة التي طبقها على تراثنا الديني العريق أدت إلى إضاءته بشكل غير مسبوق. لقد فتح محمد أركون ثغرة في جدار التاريخ المسدود للعرب والمسلمين ككل. ولولا أنه بقي في باريس بعد تخرجه وأصبح أستاذا في السوربون لما تجرأ على الانخراط في أبحاثه الرائدة التي توجت بنقد العقل الإسلامي التقليدي وتفكيك السياجات الدوغمائية المغلقة والسجون الطائفية لعقلية القرون الوسطى. وهو يعترف شخصيا بأنه نتاج المدرسة الفرنسية وبالأخص «مدرسة الحوليات» التاريخية الشهيرة وكل التجديد الذي حصل في الساحة الباريسية إبان الستينات والسبعينات من القرن المنصرم. كانت باريس وقتها مركز العالم من حيث ازدهار النظريات الحديثة في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية. يكفي أن نذكر اسم بروديل أو جورج دوبي أو جاك لوغوف لكي نتأكد من ذلك. وهم من كبار مؤرخي فرنسا، بل وراح مفكروها يهيمنون على الجامعات الأميركية ذاتها. وليس محمد أركون هو المثقف الوحيد الذي تأثر بالأنوار الفرنسية وإنما عشرات المثقفين من مشرق العالم العربي ومغربه. تقريبا لا يوجد مثقف واحد أو أديب واحد عندنا إلا وهو متأثر بشكل أو بآخر بالأفكار الفرنسية سواء على الطريقة الديكارتية أو الظاهراتية أو السريالية أو الوجودية أو البنيوية أو ما بعد البنيوية. هذا لا يعني أنه لا يوجد تأثير أنغلو - ساكسوني قادم من لندن أو نيويورك وواشنطن وهارفارد وبوسطن... إلخ. لا أريد المبالغة. هناك مصدران خارجيان لفكرنا الحديث، لا مصدر واحد. ولكن يظل لباريس وهجها أو سحرها الخاص، بل وحتى في ما يخص الفكر الديني فإن المفكر المغربي محمد العزيز الحبابي أسس الفلسفة الشخصانية الإسلامية على غرار الشخصانية المسيحية لإيمانويل مونييه وجماعته. وهي مدرسة هدفت إلى مصالحة المسيحية في نسختها الكاثوليكية مع الحداثة، فقد رفضت الإلحاد على الطريقة السارترية وفضلت عدم الخروج كليا على دين فرنسا وتراثها العريق. إنها طريق وسط بين الأصولية والإلحاد. وهو طريق محترم ويستحق الاهتمام. فليس من الضروري أن تكون ملحدا لكي تكون فيلسوفا حداثيا عظيما! وعلى أي حال فمن منا لم يسمع بأسماء ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز وبيير بورديو؟ هذا ناهيك بجان بول سارتر وكلود ليفي سترس وسيمون دوبوفوار، هذا ناهيك بالفيلسوف المتدين الرائع بول ريكور، ولا ننسى الفيلسوف غير المتدين ولكن الرائع أيضا لوك فيري، وناهيك أيضا بالأدباء الكبار من أمثال أندريه بريتون ورينيه شار وأراغون وألبير كامو وجان جنيه... إلخ، إلخ. وعموما هناك جو معين منبث في باريس ما إن تدخلها، جو لا تعرف ما هو بالضبط، جو محبب خفيف ظريف يمكن تلخيصه بكلمة واحدة: الحرية. وأعتقد أن أدونيس كتب ديوانه الشهير «أغاني مهيار الدمشقي» في باريس مطلع الستينات. وهو الديوان المؤسس للحداثة الشعرية العربية ولا يقل خطورة أو انفجارا وتفجيرا عن «فصل في الجحيم» لرامبو. ولا ننسى أنه من بين كل عواصم أوروبا لا يوجد شيء اسمه «معهد العالم العربي» إلا في باريس. وقد أصبح صرحا من صروحها الشامخة على نهر السين تماما ككاتدرائية نوتردام أو مركز جورج بومبيدو الأشبه به. وقد أسهم معهد العالم العربي كثيرا في التعريف بلغتنا وآدابنا وثقافتنا إضافة إلى الفن التشكيلي العربي والسينما العربية والموسيقى العربية وفن العمارة العربية... إلخ. كل هذا من خصوصيات باريس، من نكهة باريس التي لا تضاهى.
والآن يجيء هؤلاء الوحوش لكي يصوبوا نيران الكلاشنيكوف على الناس بشكل عشوائي في الشوارع والمقاهي والمسارح فيقتلوا ويجرحوا المئات في ظرف دقائق معدودات. وهم يعتقدون بذلك أنهم قضوا على باريس وأنوارها، بل وخدموا قضية الإسلام والعرب!! ولكنهم واهمون، ضالون مضللون، بل ومستلبون عقليا. وعلى أي حال فأنوار الحضارة ستظل مشعة وستكون باريس مقبرة للظلامية والظلاميين.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended