أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية

أسسوا بدائل إلكترونية «نكاية» بالناشرين «المستغلين»

أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية
TT

أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية

أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية

يستاء الأدباء غالبًا من الطريقة التي تتعامل معهم بها دور النشر على أرض الواقع، سواء في طريقة توزيع كتبهم أو في عائدات الأرباح التي يدعي معظم دور النشر أنها ضعيفة، ويتساءل الأدباء: «إذا كانت فعلا عائدات الكتب ضعيفة، فما الذي يجعل هذه الدور قائمة منذ سنين طويلة، بل كيف تشارك في معارض الكتب الخارجية وتدفع مبالغ طائلة في حجوزات الطيران والفنادق وغيرها من حجز الجناح في المعرض والمعيشة التي لا تقل عن أسبوعين؟»، هذا ما جعل الأدباء يطلقون عبارة «الناشر تاجر».
بعض الأدباء ضاقوا ذرعًا بهذه الدور، فتحايلوا على الموضوع، وأسسوا دور نشر إلكترونية غير موجودة على أرض الواقع، مستفيدين من تقنيات العصر الحديث، وهذه الدور لاقت رواجًا لدى الأدباء الذين يشعرون أنهم وقعوا في فخ استغلال دور النشر أو عدم قبول هذه الدور لمؤلفاتهم.
من أبرز النماذج التي ظهرت في هذا المجال، دار نشر اسمها ظريف سأذكره وأذكر الأسباب وراء التسمية، أسسها الأكاديمي المتخصص بالترجمة وله مؤلفات كثيرة ورقية، الدكتور جمال الجزيري، أما اسم الدار التي أسسها فهو «حمارتك العرجا»، وسبب التسمية يعود إلى المثل المصري: «حمارتك العرجا لا سؤال اللئيم»، أو ولا حاجة اللئيم. وبالتالي فالمقصود باللئيم دور النشر.
ويعدد لنا الجزيري مجموعة من دور النشر الإلكترونية التي ظهرت في هذا الصدد: «هناك دور نشر إلكترونية سبقت دار (حمارتك العرجا) ودار (كتابات جديدة للنشر الإلكتروني)، ودار (الزنبقة للنشر الإلكتروني) التي أنشأها الكاتب الجزائري يونس بن عمارة في مارس (آذار) 2014 تقريبا، ودار (حروف منثورة) التي أنشأها الكاتب المصري مروان محمد في مايو (أيار) 2013. وبعد ذلك أنشأ الدكتور عماد أبو حطب وزملاؤه في مجموعة (كتّاب ومبدعو القصة القصيرة جدا) دار نشر إلكترونية منذ شهور. وهذه دور نشر مجانية حسب علمي. وبالتأكيد هناك دور نشر إلكترونية أخرى، سواء أكانت مجانية أم غير مجانية».

لا عائد مادي ولا معنوي

سألته: ما السبب وراء تأسيسك للدار في ظل وجود دور نشر على أرض الواقع؟
أجاب الجزيري: «ربما كان التأسيس في البداية إدانة لدور النشر الموجودة على أرض الواقع. دفعتُ آلافا مؤلفة من الجنيهات في سبيل نشر بعض كتبي الورقية دون عائد مادي أو معنوي. وقمتُ بتأسيس دار (حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني) في مايو 2014 لهدف مبدئي ساعتها، ألا وهو نشر إصدارات مجموعة أدبية اسمها (سنا الومضة القصصية)، وبداية من يناير (كانون الثاني) 2015 بدأت الدار تتوسع لتنشر كتبًا أخرى غير الومضات، فانفتحت على إبداعات الكتاب العرب في شتى الأنواع الأدبية. ويشرح الدكتور الجزيري دلالة اسم (حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني) بقوله: هو اسم يسخر من واقع النشر الورقي في الأساس واستغلال الناشرين للكتاب، ويدل على الاعتماد على النفس في النشر. ولكن الاسم كان يلقى نفورا من بعض الكتاب، الأمر الذي يجعلهم ينفرون من النشر فيها، ونشرنا تحت هذا الاسم 173 كتابا حتى يونيو (حزيران) 2015. واقترح علي الدكتور بهاء مزيد تغيير الاسم، فتناقشتُ مع محمود الرجبي الذي يقوم بتصميم كل الأغلفة، واتفقنا على أن ننشئ معًا دار اسمها (كتابات جديدة للنشر الإلكتروني) في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وأصدرنا بالفعل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 عدد 57 كتابا، كما قمنا بضم السلاسل الصادرة تحت اسم الدار القديمة في الدار الجديدة، وبلغ عدد الكتب المنشورة حتى الآن 230 كتابا. والهدف الأساسي مساعدة الكتّاب العرب على نشر إبداعاتهم بالمجان وحمايتهم من استغلال الناشرين الورقيين أو حتى الإلكترونيين ماديا، وتوصيل كتب جيدة بالمجان إلى القارئ العربي، مساهمة منا في تشجيع وترسيخ ثقافة القراءة».
وعن طريقة التعامل مع الراغبين بالنشر، وهل هي طريقة الدور التي على أرض الواقع؟ يجيب الجزيري: «تتمثل طريقة التعامل مع الراغبين في النشر في آلية بسيطة جدا: يقوم الكتّاب بإرسال مخطوطاتهم للدار عن طريق البريد الإلكتروني أو صفحتي على (فيسبوك) أو على مجموعة الدار على (فيسبوك)، وأقوم بمراجعة المخطوط لغويا وبتنسيقه وتصميمه، ويقوم الأستاذ محمود الرجبي بقراءة الكتب وتصميم أغلفة لها، ثم يتم رفع الكتب على موقع الرفع، وبعدها تتم مشاركة روابط الكتب على المدونتين الخاصتين بالدار وعلى مجموعة الدار ومجموعة دار (حمارتك العرجا) السابقة وكذلك بعض الصفحات الأخرى، ويقوم الكتّاب بمشاركة الروابط على صفحاتهم الشخصية. ويتم كل ذلك بالمجان. وأخيرا، تم إنشاء لجنة قراءة لقراءة المخطوطات وإجازة الجيد منها للنشر، بناء على مستواها الفني، وبناء على الانفتاح على التجارب الجديدة في الكتابة».
وأسأله: هل تضع ضوابط صارمة لقبول المادة أم لكون الدار إلكترونية يكون الأمر أسهل؟
فيجيب: «طبعا هناك ضوابط، ولكنها ليست معقدة أو صارمة أو روتينية، فقط لا بد أن يتمتع الكتاب بحد أدنى من الجودة الفنية والأدبية. وهنا لا أقوم بتحكيم ذوقي الخاص، فلا يمكن أن أطبّق ذوقي الذي اكتسبته من مسيرتي مع الكتابة التي تمتد منذ 1991 حتى الآن ومع القراءة التي تمتد من قبل ذلك بكثير حتى الآن على كتابات الكتّاب الذين يرسلون كتبهم للنشر، وكذلك الأمر بالنسبة للأستاذ محمود الرجبي، وإنما نكتفي بحد أدنى للجودة، وأقوم بمراجعة اللغة لضمان خروج كتاب خالٍ من الأخطاء للقارئ العربي. وبداية من نوفمبر 2015 قررنا تشكيل لجنة قراءة لتحدد ما إذا كان الكتاب صالحا للنشر أم لا، من ناحية مستواه الفني، فلقد تم رفض ديوانين من الشعر في هذا الشهر، وسنعرض كل الكتب المقبلة على لجنة القراءة لتحدد مستواها، خصوصا أن عدد الكتب المنشور شهريًا في تزايد مستمر، الأمر الذي يمثّل ضغطا كبيرا على وقت مؤسسي الدار، كما أننا لا نريد أن نخسر القارئ العربي، فالقارئ الذي يطالع كتب الدار ويجد كتابًا قليل الجودة من ناحية المستوى الفني قد ينصرف عن قراءة كتب الدار، ومن أهداف الدار تشجيع المواطن العربي على القراءة».

حرية الإبداع.. بلا حذف

هل توجد رقابة على إصداراتكم؟ يجيب صاحب دار «حمارتك العرجا»: «لا توجد رقابة على إصدارات الدار، فإصداراتها أدبية ونقدية ولغوية، والأدب لا يتناول الأفكار مباشرة، وحتى لو تعرضت بعض الإصدارات للتابوهات المعروفة، فيكون ذلك بشكل فني وغير مباشر. وبوجه عام، لا تستسيغ الدار فكرة الرقابة، فحرية الإبداع هي الأساس. وحتى أثناء المراجعة اللغوية، لا أقوم بحذف أي شيء. ويوجد تنويه في الصفحة التالية للغلاف ينص على أن ما يَرِدُ في الكتاب مسؤولية الكاتب، فالكاتب مسؤول عن لغته وأسلوبه وفكره، كما أن الدار تنشر الكتاب كما هو بعد المراجعة اللغوية، ولذلك الدار ليست مسؤولة عن أي شيء يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وأي منازعات خاصة بهذا الشأن يكون الكاتب هو طرفها الوحيد مع من يرفع الدعوى».
حسنًا، وما النتائج التي حصلت عليها دور النشر هذه؟
يقول: «حصلنا على نتائج جيدة من وجهة نظري: فعلى المستوى العام، نشرنا لعشرات الكتّاب من مختلف أنحاء العالم العربي، ومعظمهم كتاب لم ينشروا من قبل أو لم يجدوا فرصة في النشر الإلكتروني، كما أن الإقبال على الدار وقراءة كتبها والنشر فيها يتزايد يوما بعد يوم. وعلى المستوى الخاص، يستطيع القائمان على الدار متابعة مستجدات الإبداع في العالم العربي والإلمام بالحالة الإبداعية العربية، بما يجعلهما في قلب الصورة الإبداعية العربية. وأظن أن نشر 230 كتابا في هذه الفترة الزمنية يُعدُّ إنجازا كبيرا».
وبعد أن ختم الدكتور الجزيري كلامه، باغتتني مجموعة أسئلة: «هل سيشهد عالم النشر تحولاً كبيرًا في هذا المجال خصوصًا أن الكتاب الإلكتروني بدأ يفرض وجوده؟ وهل تجدي هذه النكايات التي قام بها المتمردون على دور النشر نفعًا يومًا ما، فيغير الناشرون من سياستهم تجاه المؤلفين؟ أسئلة قد تبدو سابقة لأوانها ولكن علينا أن نطرحها حتى لا يقول أحد إننا لم نقرع الجرس».



الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟


«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير
TT

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها، بقدر ما تؤسسه على مساءلة المنطق الذي يمنح بعض السرديات حضورها المركزي، بينما يدفع أخرى إلى الهامش.

فمنذ تصدير الرواية باقتباس لمحمود درويش «أنا والذبابة حُرّان» يعود البطل لاحقاً إلى الشاعِر نفسه متسائلاً عن سبب الاحتفاء بـ«أثر الفراشة»، فيما لم ينتبه أحد يوماً إلى «أثر الذبابة».

هذا الأثر لا يبدو هيناً، فالرواية التي تفتتح أولى مشاهدها بطنين ذبابة شاردة في أذن سارِدها، لا تقدم هذا الطنين بوصفه إزعاجاً عابراً، بقدر ما تجعله نقطة انطلاق لتحوّلات ستطول البطل والمدينة معاً، فما يبدأ بذبابة مُنفردة، ينتهي بمدينة تستيقظ على حرب عبثية مُعلنة ضد الذباب، وسط بيانات رسمية تتحدث عن هجوم بيولوجي، وحظر تجوال، ومؤامرة تشارك فيها قوى خارجية بالتعاون مع الخونة، فيما أسراب الذباب تغطي السماء وتحجب معالم المدينة.

ويبدو اختيار الكاتب لبنية التقارير اليومية المؤرخة التي يكتبها سارِدها الوحيد على امتداد عام كامل، متسقاً مع العالم الديستوبي الذي تصوغه الرواية؛ عالم تحكمه المراقبة وجمع المعلومات والرصد المستمر للتفاصيل.

فالبطل، المنتمي إلى جهاز أمني غامض لا تُفصح الرواية عن طبيعته بشكل مباشر وتطلق عليه «الهؤلاء»، مُكلف برفع تقارير شهرية عن كل ما يلفت انتباهه؛ من انتشار مسلسل مكسيكي، إلى تناقص أوراق النقد من فئة معينة، إلى ازدياد أعداد الذباب في المدينة، حتى تصبح أكثر الملاحظات هامشية مادة للرصد والتحليل.

فرز ومراقبة

تمتد حالة الهوس بـ«الرصد» إلى شخصية الراوي، الذي يتباهى بمهارته في الإضافة والحذف وتعديل الجمل وترتيب الوقائع وتشذيبها، بل يعترف لاحقاً بأنه كان ماهراً في تلفيق القصص وحوك الحكايات: «أنا لا أسمي ذلك كذباً وتزويراً، مجرد إعادة صياغة وتنقيح»، فالرجل الذي يعيد صياغة التقارير قبل تقديمها إلى العامة والإعلام، يتعامل مع الواقع بوصفه مادة قابلة للتأويل وإعادة الكتابة.

ويبدو أن البطل الذي خضع لسلسلة من الاختبارات البدنية والعصبية والنفسية للانضمام إلى مؤسسة «الهؤلاء»، يعيد إنتاج منطق الفرز والمراقبة ذاته خارج المؤسسة، فاختيار الزوجة يتحوّل إلى عملية انتقاء دقيقة من بين مجموعة من المرشحات، بينما لا يقوده إعجابه اللاحق بـ«هند» إلى الاقتراب منها أو التعرّف إليها، بقدر ما يدفعه إلى إخضاعها لمراقبة أمنية مستمرة وإفراد ملف كامل لتتبع تفاصيل حياتها اليومية.

غير أن الرواية لا تكتفي بإبراز هذا السلوك بوصفه امتداداً لعمله داخل المؤسسة، بل تلمّح إلى جذوره النفسية الأعمق، فخلف رجل التقارير والمراقبة يُطل طفل خائف من الحشرات، يخوض معاركه الأولى ضد الذباب قبل أن يجد نفسه بعد سنوات مكلفاً رسمياً بتولي مهمة الحرب عليه، وهكذا يبدو هوسه بالتصنيف والمراقبة والسيطرة امتداداً لخوف مبكر من الفوضى وكل ما يستعصي على الإخضاع والتنظيم.

هوجة طبقية

تفتح الرواية مسارين لتتبع أثر الذباب الذي يستولى على أفق المدينة؛ أولهما داخل وعي بطلها المصاب بفوبيا الحشرات، وثانيهما عبر خيط اجتماعي يفجر قضية طبقية عُرفت بـ«كومة الزمالك» على إثر إلقاء أحد سكان حي راقٍ قمامته في مقلب قمامة في حي شعبي مجاور، وما يبدو في البداية خلافاً محدوداً سرعان ما يتحول إلى قضية رأي عام، فيما تتحول القمامة نفسها إلى علامة على اختلال بنيوي أعمق داخل المدينة.

في موازاة ذلك، يُعاد تأويل تلك الواقعة تدريجياً عبر الخطاب الرسمي؛ فـ«محمود»، الذي يعترض على إلقاء القمامة في حيّه، يُعرف في الخطاب الرسمي بوصفه مثيراً للمشاعر الطبقية ومهدداً للسلم العام، لتغدو القضية مثالاً آخر على الكيفية التي تُنتج بها السلطة سرديتها الخاصة للوقائع.

وينعكس أثر تلك المشاحنات على لغة الرواية نفسها، إذ تنتقل المفردات المستخدمة في وصف الذباب من المجال البيولوجي إلى المجال السياسي، فلا تعود الأسراب مجرد تجمعات حشرية، بل تتحوّل إلى «هوجة» شرسة، وهي اللغة نفسها التي تستدعي بصورة غير مباشرة أوصافاً ارتبطت بالاحتجاجات والحشود البشرية، بحيث يصبح الذباب مرآة للطريقة التي تنظر بها السلطة إلى كل ما يخرج عن السيطرة.

يتراجع حضور الذباب بوصفه ظاهرة طبيعية، ليُعاد تقديمه باعتباره خصماً يستدعي التعبئة والمواجهة، وهكذا تؤول المدينة تدريجياً إلى ساحة استنفار عام تنتهي بإعلان حرب كاملة على حشرة صغيرة، وسط حديث متصاعد عن المؤامرات والخونة والأيادي الخارجية.

وتبلغ السخرية السوداء ذروتها عندما تبدأ هذه الحرب في إنتاج ضحاياها من البشر، فبينما تُحشد الأجهزة المختلفة لمواجهة الأسراب وتُطلق المبيدات والغازات في حملات واسعة النطاق، يتعرض المشاركون أنفسهم للاختناق والإصابات، في مفارقة تجعل آثار المواجهة أكثر فتكاً من آثار العدو الذي أُعلنت الحرب عليه.

تدفع ملابسات تلك الحرب، بوجهيها العبثي والدستوبي، بطل الرواية إلى عالم موازٍ داخل مستشفى معزول للأمراض العقلية موصوماً بالجنون، فالرجل الذي احترف كتابة التقارير وإعادة تحرير الوقائع بما يتوافق مع السياسة الرسمية، يجد نفسه في نهاية المطاف مأخوذاً بنسج وقائع وهُوية جديدة لنفسه أكثر قبولاً، يدعمها بتقرّب من زملاء المستشفى «المثقفين» للحديث عن الكتب والروايات، بما في ذلك الأعمال التي تعرّضت للمنع والرقابة كأعمال جورج أورويل.

ولعل هذه النقلة السردية هي ما تمنح الرواية أحد أكثر مستوياتها ثراءً في التأويل، فبعد عام كامل من مطاردة الذباب ورصده والحرب ضده، يدخل البطل في مراجعة ملتبسة لعلاقته بتلك الحشرة، حين يصبح مأخوذاً بحكاية يسمعها عن «ذبابة سقراط»، ويتعهد في لحظة سلام عابرة بأن ينظر إلى الذباب نظرة مغايرة، لتترك الرواية نهايتها مفتوحة على أفق فلسفي يعيد التفكير في السلطة والخوف، وفي قدرة أكثر الكائنات ضآلة على إرباك الرِوايات الرسمية وإعادة مساءلتها.


ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري
TT

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

يقول عامر الخطيب في مقدمته: «أحسب أنه لم يسبق لكاتب مسرحي أن حظي بمثل الإهمال - غير المبرَّر - الذي حظي به ميخائيل رومان، ذلك الإهمال الذي يدعو إلى العجب والتساؤل. فمن يقتحم مثل هذا المضمار الشائك، وسط زخم من الكم والنوعية من الكتاب الذين زخر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد أن يكون قد وجد له - بموهبته ووعيه - مكاناً مقبولاً بينهم...».

من الواضح أن هذا الإهمال هو ما حرَّض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان.

وواقع الحال أن الأدب العربي والعالمي يزخر بالكُتاب والشعراء والفنانين الذين لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم، أو بعد انقضاء الظروف السياسية والاجتماعية التي طمست أعمالهم. هذا قد يشمل كاتباً مصرياً بارزاً مثل عبد الحليم عبد الله، أو كتاباًعالميين مثل كافكا وإدغار ألان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحدة عنوانها «الغراب» مقابل 9 دولارات.

كما تعرَّض الألماني حائز نوبل غونتر غراس إلى مثل هذا النقد «التشهيري» المُغرض بعد روايته المعروفة «حقل شاسع»، التي انتقد فيها «العجالة» في توحيد ألمانيا وتسببها بانهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية. حينها نشرت مجلة «دير شبيغل» نقداً لاذعاً كتبه شيخ النقاد الألمان مارسيل رايش رانيسكي «مزَّق» فيها الرواية شر تمزيق. وكان غراس يتعرض حينها إلى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني.

حالُ الكاتب المسرحي ميخائيل رومان (1924 ـ 1973) لا تختلف، وإن تعددت الدوافع والأسباب، ففضلاً عن الإهمال الذي طال أعماله في مصر، تعرَّض لهجمات غير مبررة (في حينها) من قِبل النقاد المصريين الكبار من أمثال محمد عودة والدكتور لويس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المصري من كتابات رومان، ولم ير الثاني في كتاباته سوى «دخان»؛ في إشارة إلى مسرحية «الدخان» لميخائيل رومان.

وربما يكون الناقد والمخرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من يحاول إعادة الاعتبار إلى ميخائيل رومان، من خلال دراسته الأكاديمية المعنونة «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، التي صدرت عن دار السرد في 87 صفحة.

قبل أن يخوض الخطيب غمار الدفاع عن كاتب «مقهور»، مِثل شخصيته الدرامية «حمدي»، يُوجز مفهوم البطل في مسرح الدراما الممتدّ بين الإغريقي والملحمي، مروراً بالمدارس، أو لنقل، الاتجاهات الأخرى. ويعرض للقارئ أيضاً كيف انحدر البطل الدرامي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى فرد مقهور وفي مجتمعه.

يعدد الكاتب، في الفصول الأخرى، أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها الذي ظهر على المسارح أو الشاشات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتَي «الدخان» و«الزجاج».

وفي حين يقدم لنا نقادُ المسرح في مصر، ما قبل هزيمة 1967، أبطال رومان كأبطال إشكاليين وطارئين على أجواء مصر «الديمقراطية» بعد ثورة يوليو، يقدم لنا الباحث بطل ميخائيل رومان على أنه مصري متمرد على واقعه ويعمل من أجل تغييره. ويقترب بذلك من البطل الملحمي في تناقضه مع ذاته ومع مجتمعه وعائلته باحثاً عن الأفضل للجميع.

يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومان شخصية بطل مستلَب ومغترِب اجتماعياً، يتمحور صراعه في المسرحيات في صراع داخل عائلته وضد تطلعاتها الطبقية، وصراع مع شروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع، فهو بطل واعٍ لطبقته يعمل «منحازاً إليها ومنحازاً ضدها».

نرى شخصية حمدي في مسرحية «الزجاج» (1968)، مثلاً، أكثر انفعالاً وحدية في طرح تناقضاته مع مجتمع «الفتارين» و«القفازات» مما كان في مسرحية «الدخان». وإذا كان حمدي في «الدخان» يدمن المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسبّبات إدمانه السياسية والاجتماعية، يطرح حمدي نفسه في «الزجاج» كـ«دون كيشوت القرن العشرين». ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي «الدخان» (1962)، المتمردة على انتكاسة ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي «الزجاج» الذي قهرته وهزّته من الأعماق هزيمة «نكسة 1967».

يختتم رومان مسرحياته بذروة تفاؤلية، قد تستجيب أو لا تستجيب إلى الصراع الكافكوي الذي تخوضه شخصياته، لكنه يعكس بذلك أهداف مسرحه التحريضي التعبوي من أجل التغيير.

يبدو هذا واضحاً في السطور الأخيرة لمسرحية «الدخان»

«حمدي: أنا والله ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بأدوّر على لذة، أنا كنت بأدوّر على الإيمان... كنت بأدوّر على هدف... وأنا حالاقي هدف (يبكي) لازم ألاقي هدف... لازم ألاقي هدف».

وينهي كلامه في «الزجاج»

«حمدي: فساد... فساد متكامل... فساد منظم (يكاد يبكي) عصابة، عصابة بتاكل بيت المال... بتخطف طعام الأطفال».

قد يجد بعض النقاد في هذا الطرح ضعفاً «مَعيباً» في أعمال الكاتب المسرحي رومان، لكن عامر الخطيب يتوصل في بحثه إلى أن هذه «المباشرة» في النص «ليست معيبة، بل تكون مطلوبة أيضاً» في مثل عروض المسرحيات الاجتماعية السياسية هذه.