مجلات سينما لسد ثغرة لا تُسـد

مدير التصوير رمسيس مرزوق على غلاف مجلته
مدير التصوير رمسيس مرزوق على غلاف مجلته
TT

مجلات سينما لسد ثغرة لا تُسـد

مدير التصوير رمسيس مرزوق على غلاف مجلته
مدير التصوير رمسيس مرزوق على غلاف مجلته

* بينما تواصل مجلة «الحياة السينمائية» الصادرة من «مؤسسة السينما السورية» الصدور مطوية ثلاثة عقود إلى الآن، تنطلق مجلات سينمائية حديثة في كل من لبنان ومصر لتنضم إلى جانب ما يصدر أيضًا في تونس والمغرب وهو قليل ومتباعد.
ولو ضممنا إلى ما يصدر حاليًا، تلك التي صدرت وتوقفت عن الصدور في السنوات والعقود السابقة، مثل «السينما» و«السينما والتاريخ» المصريّـتين و«فيلم» اللبنانية وسواها من المحاولات التي لم تدم طويلاً، مثل «الفن السابع» في قبرص و«سينما» في باريس (كلتاهما صدرت بالعربية) لبدا لنا كم هائل على أمل الوصول إلى ذلك الجمهور الشاسع لاقتطاع ولو جزء صغير منه يبادل الجهد الصادر بقليل من وقته واهتمامه وبما هو أقل من ذلك من ماله. لكن التجارب تكاثرت والنتائج في مجملها واحدة: الجمهور، في عمومه، ليس في وارد عقد قران بينه وبينها. القليل منه يقرأ تبعًا لتيمه وعشقه بالسينما، لكن الغالبية التي اشترت لتطالع ما تم نشره ووجهت بمجلات سينمائية لا تشبه السينما. مليئة بالمقالات الأرشيفية غير الممنهجة والمعالجات غير الصحافية لما كان يجب أن يكون أكثر صلة بالمستجدات والأحداث وأكثر ملئًا لفراغ السائد.

سينما مستقلة
هذا كله قبل أن يجد الراغبون من نقاد وهواة السينما في الإنترنت ملاذًا. فإذا بالمشاريع تنطلق من كل صوب كل منها يحمل وعدًا لم تنفّـذه الوسائط السابقة وينشد التواصل مع الفئة ذاتها من الجمهور الجالس في بيته لتصطدم، على نحو أو آخر، بالعبثية ذاتها: القليل يكترث والغالبية لها مرادات أخرى من وراء استخدام الإنترنت لا تدخل الثقافة في قائمتها.
على ذلك، تواصل المجلات السينمائية العربية المطبوعة فعل الولادة. في السنة الحالية صدرت ثلاث مجلات جديدة منها. كل منها بهوية مختلفة رغم أن الثلاث تلتقي في رغبتها سد ثغرة ما زالت أكبر من أن تسدها كل هذه المجلات مجتمعة.
إنها «الفيلم» و«كاميرا» و«السينما العربية». الأولى والثانية من مصر التي أنتجت، خلال سنوات السينما المديدة فيها، الكثير من المجلات المتتابعة التي توقفت عن الصدور بعد أشهر أو بعد سنوات. الثالثة هي لبنانية التي لم تفتقر إلى المحاولات بالعربية والفرنسية منذ الستينات.
العدد الثالث الصادر حديثًا من مجلة «الفيلم» يختص بالسينما المستقلة ومجمل مواضيعه تدور في رحاها مولية كل جانب من جوانبها الكثيرة اهتمامًا مجديًا. رئيس تحريرها فتحي إمبابة ورئيس تحريرها التنفيذي حسن شعراوي بينما يحتل الزميل صلاح هاشم موقع المستشار فيها.
مواضيعها مدروسة ومع أن بعضها مؤجل ومستورد من الأرشيف، إلا أنه مبرمج على نحو صحيح، إذ ما كان ينقص المجلات السينمائية العربية اللجوء إلى التاريخ والمقالات المؤرشفة تبعًا لحاجة آنية، كما هو الحال في «الفيلم» إذ فرض الاهتمام بالسينما المستقلة الإتيان بمواضيع (مقابلات ودراسات) من سنوات مضت.
أحد المقالات المهمّـة المنشورة هو «السينما المستقلة في مصر» لكاتبه ضياء حسني والمقال المترجم ليانيس تزيوماكيس عن «السينما المستقلة الأميركية» وتلك الصفحات التي نقلت للقارئ جوانب تعريفية عن فيلمي صلاح هاشم «الطهاوي» و«البحث عن رفاعة».
هناك تأثر كبير بتصميم غربي واستعارة متعددة لنصوص أجنبية، وهذا لا إشكال فيه مطلقًا كونه منتميا إلى ما يصرف العدد جهده له. وبين المجلات الثلاث فإن تصميم «الفيلم» هو الأكثر ابتكارا.

سجل عربي
«كاميرا» هي الأولى من نوعها في العالم العربي: مجلة خاصّـة بالتصوير السينمائي يرأس تحريرها إقبال بركة ويشرف عليها مدير التصوير المشهود له بالدقة وفن الحرفة رمسيس مرزوق. كونها تتبع هذا الاتجاه المتخصص سيجعلها قادرة على تبنّـي قاعدة عريضة من النماذج والمواضيع المتصلة بفن التصوير للسينما. فهناك الأدوات المستخدمة والدراسات الخاصة بكاميرات الدجيتال وهناك القواعد والدراسات الخاصّـة بلغة السينما من زاوية التصوير، كما يمكن إضافة مقالات نقدية للأفلام من الزاوية ذاتها بحيث يتاح للقارئ فعل المقارنة بين الفيلم الماثل على الشاشة ورؤية الخبير كاتب النقد.
تحتاج المجلة إلى تحكّـم أفضل بالعدد المستفيض من المواضيع. الكثرة ليست أهم من النوعية. وما تحفل به المجلة كاف، لو كانت الدراسات المنشورة أطول، لأكثر من عدد. نظرة على المجلة الأميركية «American Cinematographer» قد تكون مفيدة في هذا المجال ومدعاة لحياة أطول للمجلة العربية.
كذلك فإن استخدام حرف «د» للدلالة على حصول الكاتب على الدكتوراه وبلوغه وضعًا أكاديميًا معينًا أمر يخلق حواجز خفية بين الكتاب أنفسهم ولا يعني أن مادة ممهورة بكلمة «دكتور» هي أفضل من أخرى لا «دكترة» فيها.
المجلة الثالثة هي «السينما العربية» التي يتولى رئاسة تحريرها الناقد إبراهيم العريس، وقد صدر عددان في عدد (3 و4) قبل أيام.
ما يميّـز هذه المجلة عن سواها (عبر العقود جميعًا) هو اختصاصها بالموضوع العربي في السينما. كل المقالات (باستثناء باب واحد اسمه «سينما الجوار») تتعامل وشؤون السينما العربية بحزم واضح. وتعكس المقالات المنشورة في العدد الثالث هذا التوجه جيدًا: نقد أفلام عربية من قِـبل لفيف من النقاد العرب، حوارات، احتفاءات (بينها واحد بعنوان «تحية إلى عمر الشريف» يتضمن مقالتين) ومقالات حول مخرجين عرب وأفلامهم كما أخرى تطرح قضايا بالإضافة إلى ملف العدد الذي خصصت صفحاته لموضوع «الأغنية والموسيقى في الأفلام العربية».
إذا ما كان هناك حاجة تستطيع هذه المجلة الإقدام عليها، فهي حاجتها لتوضيب أفضل. قراءة الفهرس واضحة. تقليب الصفحات ذاتها هو الذي يبدو متداخلاً وغير ذي فواصل واضحة. أمر يستطيع تصميم أفضل توفيره.
لكن من الناحية التحريرية فإن «السينما العربية» هي صاحبة الرسالة الأكثر شيوعًا وحضورًا. العدد الصادر يؤكد أن منحاها المتخصص والعريض يؤدي إلى رصد تراكمات وتواريخ السينما العربية كلها (أمر لا يدخل في حسبان المجلتين الأخريين كثيرًا) من عدد إلى عدد بحيث ستؤلّف بعد دزينة من الأعداد ما يكفي لاعتبارها التأريخ المطلوب لكل تيارات وظواهر وهويات السينما العربية.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز