الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

الميراث الغربي أقل احترامًا من الشرقي للحيوانات.. لكن فكرة حقوقها ولدت لديه

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة
TT

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

اعتاد سكان في بلدة صغيرة تدعى هيجنز، في بنسلفانيا الأميركية، الاحتفال بعيد العمال بنكهة خاصة جدا، حيث كان يقام مهرجان لصيد الطرائد الحية، يفد إليه الناس من جميع أنحاء العالم، ليعيشوا مراسم الاحتفال على الطريقة التالية: يجري إطلاق نحو 5 آلاف حمامة من محابسها، واحدة تلو الأخرى، ليطلق عليها الرصاص، فيقتل بعض هذا الحمام والبعض الآخر يصاب بجروح بليغة، فتموت ببطء في الغابات المجاورة. لكن الأدهى من كل هذا، هو ما كان يفعله الأطفال الصغار. فقد كانوا يجمعون الحمام الجريح ويقتلونه إما دهسا بالأقدام، أو بفصل رؤوسها عن أجسادها، أو سحقها، أو قذفها في البراميل لتموت مختنقة. لم يكن هؤلاء الصيادون والأطفال يقومون بأنشطتهم في الخفاء، إذ كان المتفرجون وهم بالآلاف، يدفعون تذاكر لحجز مقاعدهم، ويشربون الجعة، ويصرخون معربين عن تأييدهم ومتعتهم بما ينجزه الصيادون والأطفال.
لقد أخذنا هذا المثال من مؤلف بعنوان «حقوق الحيوان»، لمؤلفه ديفيد ديغراتسيا، الذي قام بترجمته للعربية محمد سعد طنطاوي، وهو من إصدار مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة سنة 2014، ضمن سلسلة مقدمة قصيرة جدا، وهو مثال يجسد عادات قتل الحمام فرحا وليس حاجة.
إلا أن الجانب الآخر من هذا المثال، يختلف تماما عن عبث الصيادين والأطفال بمصير الحمام، حيث إنه وجراء ضغط بعض المؤسسات الحقوقية، جرى سنة 1998، حظر إقامة هذا المهرجان، مما يدل على أن هناك تقدمًا أخلاقيًا كبيرًا تجاه الحيوان. فمن الذي يجعل إطلاق الرصاص على الحمائم الحية من أجل المتعة والقفز عليها حتى الموت، وفصل رؤوسها عن أجسادها معضلة أخلاقية؟ بعبارة أخرى، أين الخطأ في تصرفات الصيادين والأطفال؟ وما دلالة أن الحيوانات لها مكانة أدبية؟ بكلمة واحدة ما حقوق الحيوان؟
عمومًا وعبر التاريخ، كان يجري التعامل مع الحيوانات على أنها مجرد وسيلة، فهي موجودة من أجل الاستخدام الآدمي، وإن كنا نجد أن الفكر الشرقي هو أقل تعنيفا للحيوان من الفكر الغربي. فالمذاهب الهندية والهندوسية والبوذية، تقبل، بصورة أو أخرى، بمبدأ «أهيمسا»، وهو مبدأ يدعو لعدم إيذاء جميع المخلوقات الحية، واحترام جميع أشكال الحياة. فالكائنات مترابطة فيما بينها. فلا يزال بعض الهندوس مثلا، يرون اليوم، أن إلحاق الأذى بالحيوان سيؤدي إلى التسبب في معاناة لاحقة للطرف المتسبب في الأذى. بل إن رحمة الحيوانات وعدم القسوة عليها، نجد لها ما يدعمها من نصوص الإسلام.
ومما يوضح بعضا من التصورات التي تجعل للحيوان المكانة السافلة في الفكر الغربي، هو ما راج عن الفيلسوف رينيه ديكارت، في القرن السابع عشر، عن كونها مجرد آلات عضوية تخلو من العقل والمشاعر. فديكارت، كما هو معلوم، وجراء نزعته الميكانيكية للعالم، كان يقسم الإنسان إلى نفس وجسد. فأما النفس فهي ميزة بشرية خاصيتها الفكر والحرية. بينما الجسد هو امتداد للطبيعة، وخاصيته القصور والعطالة والخضوع لعلية الطبيعة وقوانينها الصارمة. فهو أصم لا روح فيه ولا حرية ولا فكر. ومن ثم سيبالغ ديكارت بجعله الحيوان مجرد جسد شبيه بالآلات التي يصنعها الإنسان، وكل الفرق في كمال الصنع.
إن ديكارت قد أفرغ العالم من الروح، بما فيها حتى الحيوانات التي تعد أفعالها مجرد انعكاسات واستجابات للمنبهات الخارجية. وهي الفكرة التي وجدت لها صدى في زمانها، لكن فقدت، الآن، أهميتها، إلى درجة القول إنها ساذجة. فعلى الرغم من أننا وجدنا بعضا من صداها حتى حدود القرن العشرين، داخل المدرسة النفسية المسماة بالسلوكية، التي أقامت التجارب على الحيوانات من منطلق أنها مجرد آلة تخضع لقاعدة المثير والاستجابة، الأمر الذي يجعل من الصعب علينا إيجاد سند علمي للرحمة تجاه الحيوانات.
إذا كان الميراث الغربي هو بصورة عامة، أقل احتراما من الميراث الشرقي للحيوانات، فإن فكرة حقوق الحيوان بمعناها المعاصر هي وليدة الغرب، فأول حركة مهمة لحقوق الحيوان ظهرت في بريطانيا، في القرن 19، وتمثلت في معارضة استخدام الحيوانات في الأبحاث العلمية من دون تخديرها. لكن الأمر سيزداد قوة في ستينات وسبعينات القرن العشرين، جراء الأزمة البيئية الخانقة التي تعصف بالأرض إلى درجة السؤال عن أي فضاء سنترك للأجيال اللاحقة؟ ناهيك على انقراض كثير من الحيوانات، مما يهدد السلسلة الغذائية التي يعد الإنسان أحد عناصرها، إضافة إلى تنامي الحركات الحقوقية في كل الجوانب، والدعوات إلى إيقاف كل أشكال التمييز العنصري والجنسي، مما فتح الباب أمام رفض الأشكال الأخرى من التمييز بما فيها الخاصة بالحيوان.
لقد أتاحت المخاوف بشأن التلوث وتدمير البيئة، فضاء ثقافيا مناسبا لتنامي فكرة حقوق الحيوان، التي ستترجم، عمليا، بتأسيس كثير من المؤسسات، نذكر منها: رابطة مفسدي الصيد الجائر البريطانية سنة 1963، وجماعة السلام الأخضر المناصرة للبيئة في عام 1971، ومنظمة الشعب من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات في عام 1980. أما حاليا، فإن حركة حقوق الحيوان تشمل المئات من المنظمات وملايين الأعضاء، وترسانة من القوانين التشريعية الهامة، نذكر منها على سبيل المثال: قانون رفاهية الحيوان السويدي لسنة 1988، وميثاق الحماية الدولية للدلافين سنة 1992، وأخرى كثيرة. إضافة إلى تنامي الممتنعين عن أكل اللحوم، الذين ظهروا منذ ثلاثين سنة خلت كغرباء. لكن الآن الأمر انعكس تماما، إذ أصبحت النباتية أسلوبا ونمطا محبذا، ويأخذ اتجاها عاما. كل هذه الأمور، تدل على تغير في الثقافة الغربية، حيث أصبحت أكثر تقبلا لفكرة حقوق الحيوان، مما جعل التنظير الفلسفي ينشط في هذا الاتجاه، فبدأت الأسئلة تتناسل: هل تحظى الحيوانات بمكانة أو حقوق أدبية؟ وهل يمكن مساواتها بالتي للإنسان؟ ما الطرق الرئيسية التي يمكن أن تضار بها الحيوانات؟ هل أحاسيسها غير السارة من ألم وحزن وخوف وحبس؟ وهل حقا للحيوانات مشاعر؟ باختصار، ما مصالح الحيوان؟ وهل يمكن الادعاء أن جميع الكائنات التي لديها القدرة على المعاناة لديها مصلحة متشابهة في عدم المعاناة؟ ومَن الحيوانات المقصودة؟ هل هي بالإطلاق أم هي فقط الحيوانات الحساسة؟ هل تعاملنا مع أم الأربعة والأربعين يكون بالدرجة نفسها التي تعاملنا بها مع الكلب؟ أم أن هذا الكلام عبثي؟ بأي معنى يجب اعتبار ضرب الكلب مثلا عملاً خاطئًا؟ هل الكلب له قيمة في ذاته، ومن ثم وجب التعامل معه جيدا لأنه يستحق ذلك؟ أو بعبارة أخرى، هل نقول إن رفاهيته يجب أن ينظر لها بعين الجدية، وبمعزل عن مصالح البشر؟ هذه الأسئلة وأخرى هي مثار نقاش فلسفي حاد؟ بين من يجيب بالإيجاب ومن يجيب بالسلب. فما ملامح ذلك؟
إذا كان البعض يلح على الاعتبار المتساوي بين البشر والحيوان، البعض الآخر يعتبر هذا الأمر مردودًا، وذلك لأسباب متعددة، أهمها حجة العقد والتي مفادها، أنه إذا كان الحيوان غير قادر على إبرام التعاقدات والاتفاقات، فهو يفتقر للمكانة الأدبية التي للإنسان. ناهيك على أن البعض الآخر بحث عن حل وسط قائم على مقياس تراتبي. فإذا كان الإنسان له الاعتبار المتساوي الكامل، فإن الحيوانات تستحق الاعتبار بما يتناسب وتعقد قدراتها الإدراكية والشعورية والاجتماعية. فمعاناة قرد أقل من معاناة إنسان. لكن هي أهم من معاناة فأر، تعتبر معاناته أكثر أهمية من معاناة دجاجة.
وتجدر الإشارة إلى أن أهم أطروحة في مجال حقوق الحيوان، ظهرت في ثمانينات القرن العشرين، وكانت من نصيب الفيلسوف الأميركي طوم ريغان، المولود سنة 1938، بمؤلفه «حقوق الحيوانات»، حيث سعى فيه إلى دعم فكرة أن الحيوانات يجب أن تتمتع بحقوق أخلاقية، وحجته في ذلك، تمتح جذورها من التقليد المنحدر من كانط. فأطروحة هذا الأخير التي جاءت في القرن الثامن عشر، حيث كانت العبودية ما تزال طاغية، تعطي القيمة العالية للكائنات العاقلة فقط. فهي الوحيدة التي تستحق لقب شخص، ومن ثم التعامل معها كغاية في ذاتها. إذ ليس من حق أي إرادة أو أخرى، أن تبيع أو تشتري في الإنسان العاقل، لأنه، ببساطة، يمتلك الكرامة والعزة. أما ما تبقى من الأشياء والكائنات، فهي لا قيمة لها، إلا كونها وسيلة وأداة لمصلحة معينة. وهو ما جعل الفيلسوف طوم ريغان، الذي يعيش بالطبع في سياق مختلف وهو حصول الإشباع في حقوق الإنسان، ووجود فائض من الكرامة، ينتقد كانط، بدعوى أن أطروحته تهمل الحالات الخاصة والهوامش، مثل الأجنة والمعاقين ذهنيا، والرضع، والأشخاص الموجودين في حالة غيبوبة والمجانين. فهؤلاء بحسب طوم ريغان، يستحقون كل المكانة الأدبية، على الرغم من عدم امتلاكهم للعقل. فهل يعقل مثلا، أن نأخذ مجنونا ونتعامل معه كوسيلة، كأن نبيع أعضاءه مثلا، لمجرد أنه غير عاقل. أكيد هذا مخل ومنحط أخلاقيا. الأمر الذي جعل طوم ريغان يقترح حلا آخر هو: الحياة بدل العقل. فيكفي أن تكون حيا لكي تكتسي صفة شخص ومن ثم تنال الاحترام. طبعا، هذه الأطروحة جعلت طوم ريغان يقحم بسهولة، الحيوانات في منظومة الحقوق ما دام أنها تستشعر حياتها هي أيضًا.
في الختام، قد يبدو أمر التعامل باحترام مع الحيوان لذاته وليس كمتاع، أمرًا غريبًا عندنا في عالمنا العربي، مادام أننا ما زلنا نناضل لكسب حقوق الإنسان. ففاقد الشيء لا يعطيه، فالكرامة لن تفيض على المجال ما لم يجرِ إشباعها بالكامل.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.