أنصار القذافي يهددون النيجر بالثأر بعد تسليمها الساعدي

مسؤولون: نجل العقيد بدا محبطا وامتثل لأوامر بحلق لحيته وارتداء ملابس السجناء

الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)
الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)
TT

أنصار القذافي يهددون النيجر بالثأر بعد تسليمها الساعدي

الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)
الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)

بينما انعكست الخلافات بين نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وعلي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية في ليبيا خلال مشاركتهما أمس في مؤتمر أصدقاء ليبيا بالعاصمة الإيطالية روما، أعلنت السلطات الليبية عن اتخاذ الإجراءات الأولية لفتح ملف تحقيق مع الساعدي نجل العقيد الراحل معمر القذافي عقب تسلمه بشكل مفاجئ في ساعة مبكرة من صباح أول من أمس من النيجر.
وكشفت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط» النقاب عن مفاوضات سرية مكثفة أجرتها الحكومة الليبية مع النيجر لإقناعها بتسليم الساعدي إليها، مشيرة إلى أن الحكومة الليبية تعهدت بزيادة استثماراتها المباشرة في النيجر كتعبير عن امتنانها لموافقة السلطات هناك على موقفها. ولفتت المصادر إلى أن السلطات الليبية سلمت حكومة النيجر في وقت سابق ملف معلومات كاملا يبرهن على ما وصفته السلطات الليبية بـ«تورط» نجل القذافي في نشاطات مناوئة لها، خاصة بمنطقة الجنوب، في محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار.
بينما قال مسؤول ليبي، طالبا حجب اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «قدمنا للسلطات في النيجر كافة المعلومات التي نمتلكها حول دعم الساعدي لإحداث حالة من الفوضى الأمنية والعسكرية، ودخلنا في مفاوضات اقتصادية ومالية صعبة. أخيرا اقتنعوا. بالتأكيد نجحنا في عقد صفقة جيدة». ورجحت معلومات غير رسمية دفع ليبيا مليار دولار أميركي مقابل تسلم الساعدي، الذي يواجه عدة قضايا جنائية منها مقتل لاعب كرة قدم، والمشاركة في قمع الثورة على نظام والده في 2011.
وأكد المستشار عبد القادر رضوان، النائب العام الليبي، أنه جرى إيداع الساعدي  بسجن مؤسسة الهضبة في العاصمة الليبية طرابلس تحت حراسة جهاز الشرطة القضائية التابع لوزارة العدل، قائلا في مؤتمر صحافي أمس، إنها «لحظات سعيدة بالنسبة للمجتمع الليبي. ورهيبة بالنسبة لأعدائه».
وأعلن رضوان استمرار التعاون بين أجهزة الدولة الليبية لاتخاذ كافة الإجراءات والتدابير العاجلة والفورية بطلب تسليم كافة من أجرموا في حق الشعب الليبي سواء بمذكرات التفاهم أو بالاتفاقيات الموقعة مع بعض الدول العربية والأجنبية. وكشف أن التهم الجنائية والجنح الموجهة ضد الساعدي متعلقة بالخطف وهتك العرض والإيذاء الخطير، وإساءة استخدام الوظيفة ومقتل لاعب كرة قدم والمشاركة في قمع الثورة على نظام والده في 2011.
وقال: «بالنسبة للتهم المسندة إلى المذكور باعتباره معاون آمر ركن الوحدات الأمنية، فهي أعمال ترمي للقتل العشوائي ودعم وتمويل جماعات مسلحة للقضاء على ثورة فبراير بجلب المرتزقة وتحديد المدن المناهضة للنظام بأرقام وعلامات أدت إلى زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد». ولفت إلى أن الساعدي بصفته رئيس الاتحاد العام لكرة القدم سابقا، استولى بقوة السلاح على أراض مملوكة للدولة الليبية، وأخرى لمواطنين وضمها للاتحاد واستولى على قيمتها لحسابه الخاص.
وطبقا لما أعلنه هاشم بشر، رئيس اللجنة الأمنية العليا بطرابلس، فإن «الساعدي وصل في نحو الساعة الثانية وخمسين دقيقة من صباح (أول من) أمس إلى قاعدة امعتيقة مقبوضا عليه، ومنها جرى نقله إلى سجن الهضبة، حيث جرى تسليمه إلى مكتب النائب العام رسميا»، بينما قال خالد الشريف، وكيل وزارة الدفاع الليبية، إنه فور وصول الساعدي جرى تكبيله بالأصفاد كما ربطت عيناه، قبل أن يجري نقله إلى السجن في موكب أمني.
وقال حراس ومسؤولون أمنيون شاركوا في استلام الساعدي لـ«الشرق الأوسط» إنه بدا محبطا ومنهارا؛ لكنه لم يرد على بعض الشتائم التي وجهت إليه، كما امتثل لطلب إدارة السجن حلق لحيته وشعر رأسه وارتداء الملابس الزرقاء المخصصة للسجناء.
من جهته، قال مسؤول أمنى لـ«الشرق الأوسط» إن الساعدي «يخشى الاعتداء عليه كما حدث مع شقيقه المعتصم، الذي قتل بعد اعتقاله إثر انهيار النظام السابق قبل نحو ثلاث سنوات».
وفور انتشار أخبار وصوله إلى طرابلس خرج بعض السكان إلى الشوارع وأطلقوا أبواق السيارات، كما هتف مسؤولون داخل السجن بالتكبير والتهليل، تعبيرا عن فرحتهم بنجاح السلطات في استلام نجل القذافي. وأعربت حكومة زيدان في بيان بثه موقعها الإلكتروني عن شكرها لرئيس النيجر محمد يوسف والحكومة النيجرية والشعب النيجري على التعاون الذي ترتب عليه هذا الأمر، وتعهدت بالتزامها بمعاملة نجل القذافي وفق أسس العدالة والمعايير الدولية في التعامل مع السجناء.
وقالت الحكومة في بيان آخر منفصل، إن موافقة حكومة النيجر على تسليم الساعدي جاءت بعدما ثبت لديها بما لا يدع مجالا للشك مسؤوليته عن ما وصفته بـ«مخطط إرهابي يستهدف حياة المدنيين ويرمي إلى ضرب الوحدة الوطنية وزعزعة الأمن في ليبيا». وكشف البيان النقاب عن أن «جهاز المخابرات الليبية قدم كل الأدلة والقرائن التي تثبت تورط الساعدي في التخطيط وتوفير الدعم اللازم وتجنيد العناصر المسؤولة عن الأحداث الدامية التي تعرض لها الجنوب الليبي في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو الأمر الذي اعتبرته سلطات النيجر بمثابة نقض للتعهدات والالتزامات التي قطعها على نفسه كشرط للتمتع بحقه الإنساني في الإقامة على أراضيها».
ودعت حكومة زيدان بقية الدول التي تؤوي عناصر من النظام السابق، إلى الحذو حذو النيجر، لافتة إلى أن العلاقات الثنائية بين طرابلس ونيامي ستشهد «انطلاقة تعود على الشعبين بالنماء والازدهار».
وكانت حركة اللجان الثورية التي كانت تمثل العمود الفقري لنظام القذافي قبل انهياره عام 2011، استبقت عملية تسليم النيجر للساعدي بتوجيه إنذار لحكومة النيجر، مشيرة في بيان أصدرته أخيرا إلى أنها علمت بأن هناك مفاوضات تجري منذ مدة بين الحكومة الليبية وحكومة النيجر وصلت إلى مليار دولار لبيع الساعدي. وأضافت: «ولن تمر هذه الصفقة.. ونحمل رئيس النيجر مغبة هذا العمل الجبان المهين للنيجر قبل أن يكون عارا يلاحقها.. وأن الرئيس وعائلته سوف يتحملون ثأر هؤلاء الرجال الذين يعرفهم جيدا».
وأوضح عثمان القلالي، المتحدث الرسمي باسم مؤسسة (سجن) الإصلاح والتأهيل بمنطقة الهضبة، أن «إدارة السجن التابع لجهاز الشرطة القضائية أودعت الساعدي في معتقله بعد أن انتهت من إجراءات تسلمه وكشوفاته الطبية رسميا بأمر من النائب العام الليبي، تمهيدا لبدء إجراءات التحقيق معه خلال الساعات المقبلة لتقديمه إلى غرفة الاتهام». وقال القلالي إنه «عومل بشكل جيد وفق الإجراءات المتبعة لدى جهاز الشرطة القضائية الليبية وما تقتضيه الشريعة الإسلامية ومواثيق حقوق الإنسان ليواجه الاتهامات الموجهة إليه أمام محكمة تتوفر فيها جميع متطلبات العدالة والقانون».
وتضم مؤسسة الإصلاح والتأهيل في منطقة الهضبة بطرابلس عددا من كبار مسؤولي النظام السابق، وقد بدأت فعليا محاكماتهم جميعا. وسلمت النيجر الحكومة الليبية منتصف الشهر الماضي عبد الله منصور رئيس جهاز الأمن الداخلي في نظام القذافي، علما بأنه جرى تسليم مسؤولين كبار آخرين في النظام الليبي السابق إلى طرابلس من جانب دول أخرى، مثل عبد الله السنوسي الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الذي سلمته موريتانيا، والبغدادي المحمودي رئيس الوزراء السابق الذي سلمته تونس.
وتنتقد منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان باستمرار، شروط محاكمة مسؤولين ليبيين سابقين. ودعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» طرابلس إلى السماح لسيف الإسلام القذافي نجل القذافي ومسؤولين آخرين في نظامه متهمين بقمع الثورة في 2011، بتعيين محامين لهم.
في غضون ذلك، لفت علي زيدان إلى الاستحقاقات التي تعمل حكومته على إنجازها في هذه المرحلة وعلى رأسها، إجراء انتخابات مبكرة ووضع نظام لا مركزي، بالإضافة إلى استراتيجية للتخلص من السلاح وضبط الحدود وتحقيق المصالحة الوطنية وتفعيل الاقتصاد. وأكد في كلمة ألقاها بالعاصمة الإيطالية روما لدى افتتاح أعمال مؤتمر أصدقاء ليبيا بحضور ممثلين عن أكثر من ثلاثين دولة، حرص بلاده على الحفاظ على المسار الديمقراطي والشرعية والحراك السلمي.
في المقابل، عد نوري أبو سهمين رئيس البرلمان الليبي خلال كلمته أمام المؤتمر، أن بلاده خلال هذه المرحلة التي تنتقل فيها من مسار الثورة إلى مؤسسات الدولة، تمر بمحطات تاريخية وهامة سترسم ملامح دولة ليبيا الجديدة. وطالب المؤتمر بتبني التوصيات المرجوة التي من شأنها دعم المسار الديمقراطي، ورفض كل المحاولات لانتزاع السلطة بالقوة أو العنف والقفز على إرادة الشعب الليبي الذي ضحى من أجل استعادة حريته.
وأعرب عن أمله في أن يخرج المؤتمر بتوصيات تؤكد على بذل المزيد من الجهد لتسليم رموز نظام القذافي، الذين قال «إنهم يعملون على إثارة القلاقل، مستغلين في ذلك الأموال والممتلكات والاستثمارات التي نهبوها بغير وجه حق من الشعب الليبي». وأضاف أن «ليبيا تأمل التزام الدول وشركاتها بألا تتعامل في شراء النفط الليبي إلا من خلال القنوات الرسمية للدولة الليبية، ونأمل من خلال بناء قدرات المؤسسات الأمنية ومؤسسات الجيش والشرطة أن نتمكن من وضع حد للانفلات الأمني والعسكري في ليبيا».
وأجرى زيدان وأبو سهمين سلسلة من الاجتماعات الثنائية على هامش مؤتمر روما، شملت وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا بالإضافة إلى مسؤولين من الاتحاد الأوروبي والصين وكندا. وكشفت مصادر ليبية مقربة من زيدان وأبو سهمين لـ«الشرق الأوسط»، عن ما وصفته بمماحكات سياسية سبقت توجههما إلى مؤتمر روما، مشيرة إلى أن رئيس البرلمان الليبي أبو سهمين تأخر في اتخاذ قرار الذهاب، فيما تجاهل زيدان إبلاغه وذهب مباشرة إلى هناك.
من جانبه، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس للصحافيين أمس على هامش المؤتمر إن «الوضع مقلق جدا بسبب ضعف ضمان الأمن والأعمال والمخاطر الإرهابية، لا سيما في الجنوب، ولأن الوضع السياسي غير مستقر». كما شدد على أهمية اللقاء المنعقد في روما، بعد عام على لقاء أول في باريس.
وقال فابيوس: «للمرة الأولى اجتمع عدد هائل من البلدان، من بينها الصين وروسيا اللتان لم تحضرا من قبل» هذا المؤتمر «المفيد» و«المشجع». وأفاد أن المطلوب من السلطات الليبية هو «أولا، على الصعيد السياسي، يطلب إلى الليبيين التحاور فيما بينهم والتوصل إلى حل مستقر» بالعمل مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص حول هذا النزاع.
وأفادت مصادر دبلوماسية غربية أنه على ليبيا العثور على وسائل تنظيم «حوار وطني فعلي» والعمل على «جلوس الجميع حول طاولة» لتجاوز مشكلات «تداخل الشرعيات» بين الحكومة والسلطات المحلية في كل منطقة والقبائل. كما اقترحت الدول الغربية مساعدات ملموسة جديدة على مستوى الأمن، لا سيما مبادرة من ألمانيا وفرنسا لإنشاء مخازن أسلحة وضمان أمنها. وقال فابيوس «لا يجدي سحب الأسلحة من التداول إن كانت مجموعة إرهابية أخرى ستنجح في الاستيلاء عليها».
 



مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

استبقت تسريبات إسرائيلية اجتماع مجلس السلام المقرر عقده الخميس في واشنطن لبحث قضايا مرتبطة بقطاع غزة، وتحدثت عن مهلة 60 يوماً لنزع سلاح حركة «حماس» أو العودة للحرب بضوء أخضر أميركي.

تلك التسريبات التي تكاد تتطابق مع حديث للرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب فيه نزعاً فورياً وكاملاً لسلاح «حماس»، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ورقة ضغط مشتركة من الولايات المتحدة من أجل فرض الملف على أجندة الاجتماع، محذرين من أن هذا الضغط «سيُربك مسار اتفاق غزة».

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وتتحدث إسرائيل عن منح «حماس» مهلة 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها بطلب من إدارة ترمب، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلا عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس مساء الاثنين.

ويجيء ذلك في أعقاب منشور لترمب على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، قال فيه إنه «ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري».

ويمثل ذلك التسريب تكراراً لآخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فلوريدا.

ووقتها قال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيُمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور»، بينما قال نتنياهو آنذاك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)».

فلسطينيون يسيرون أمام خيام النازحين وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي محمد العمدة أن ذلك التسريب «لا يختلف عن عقيدة إسرائيل الساعية لإفشال مسار الاتفاق وليس إرباكه فقط، خاصة أن مصالح نتنياهو المرتبطة بانتخابات هذا العام تجعله يطيل أمد المفاوضات ويضع عراقيل وذرائع تمهد للعودة للحرب».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن التسريب وراءه عدة أهداف، منها رفع سقف التوقعات، والإشارة لاحتمال تغير في قواعد اللعبة قبل تثبيت المرحلة الثانية، والضغط على «حماس» بطرح أفكار مغايرة عما سبق من مقترح متدرج لنزع السلاح.

وعدَّ نزال هذا اختباراً لجدية واشنطن للمضي في «اتفاق غزة»، معبراً عن اعتقاده بأن حكومة نتنياهو تريد إرباك مسار الاتفاق ومنع أي تفاهمات قد تكون محتملة بمجلس السلام.

وتُعد التسريبات الأخيرة مغايرة لأخرى ترددت قبل أسبوع حين أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

فلسطينيون يعلّقون زينة رمضان فوق حطام المباني المدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا «مجلس السلام» إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

ويعتقد العمدة أن المقترح التدريجي هو ما يمكن أن تدور حوله المناقشة، لكن مهلة الشهرين لن تكون كافية كي تتمكن «حماس» أو غيرها من تسليم سلاحها؛ مضيفاً: «الحركة بالأساس لن تفعل ذلك ولن تقبل بهذا المسار».

وهو يرى أن تفكيك تسليح أي حركة مثل «حماس» سيستغرق فترة لا تقل عن عام حال وجود تفاهمات، «لكن إسرائيل تناور (حماس)».

ويرجح نزال أن تكون تلك التسريبات المتضاربة «مجرد ورقة ضغط تفاوضية»، باعتبار أن المهلة تحمل سيناريوهين: إما دفع «حماس» نحو تنازلات جزئية يستمر معها مسار اتفاق غزة بشكل بطيء، أو تمهيد لتجميد الاتفاق لفترة طويلة والسماح لإسرائيل بخروقات أكبر.


مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.