مثقفون عرب يحيون ذكرى محمد مندور.. ويستعيدون أفكاره

بمناسبة مرور 50 عامًا على رحيله وبحضور 60 باحثًا من 5 دول عربية

من ندوات الاحتفالية
من ندوات الاحتفالية
TT

مثقفون عرب يحيون ذكرى محمد مندور.. ويستعيدون أفكاره

من ندوات الاحتفالية
من ندوات الاحتفالية

احتفى مثقفون مصريون وعرب الأسبوع الماضي بذكرى مرور خمسين عاما على رحيل شيخ النقاد محمد مندور، أحد دعاة التجديد الأدبي، وصاحب «المنهج الآيديولوجي» في النقد، الذي تُوفي عام 1965 عن عمر يناهز اثنين وخمسين عاما، ألّف خلالها أكثر من ثلاثين كتابا في شتى قضايا الفكر والأدب، وترجم ثمانية كتب عن الفرنسية والإنجليزية.
عقدت الاحتفالية على مدار يومين بالمجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا في القاهرة، وافتتحها وزير الثقافة المصري حلمي النمنم، بمشاركة أدباء ومفكرين وسياسيين من مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. تضمنت الاحتفالية سبع جلسات وموائد مستديرة لمناقشة كتابات مندور الأدبية والصحفية، التي لا تزال طرية، كما تناول الباحثون أفكاره التقدمية التي سبقت ما نادت به ثورة «25 يناير» من مساواة وعدالة اجتماعية، حيث إنه كان متأثرا بالتيار الاشتراكي الفرنسي، لكنه لم ينبهر بالحضارة الغربية كما حدث مع مبتعثين كثر، بل قام بانتقاد الديمقراطية الغربية في كثير من كتاباته.
وحول أهمية الاحتفالية، قال وزير الثقافة المصري: «مندور مثال للمثقف الشامل الواعي، فلم يكن ناقدا أدبيا فقط، بل سياسيا وصحفيا بامتياز، وله دور رائد في الثقافة المصرية والعربية، فلم يهتم فقط بالأعمال الأدبية، لكنه عمل على نقد كل التخصصات، وهو ما كان جليا واضحا في شخصية محمد مندور الذي لقب بـ(شيخ النقاد)، لما قدمه من إسهامات عظيمة في عالم الفكر والسياسة».
وقالت الدكتورة أمل الصبان، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، إن «الاحتفال بمندور إنما يمثل احتفاء بقيم التنوير والحداثة، فقد اعتنق مندور فلسفة النقد الديمقراطي، وكانت فترة بعثته التي بلغت تسع سنوات في فرنسا هي المكون السياسي والعاطفي له، فمارس فور عودته إلى مصر نشاطه الفكري، وكانت تؤرقه الوسيلة التي يطرح بها أفكاره، ووجد أن الصحافة هي السبيل إلى توصيل فكره، كما انضم إلى حزب الوفد».
وأشارت الصبان إلى أن «محمد مندور أعلن إيمانه بضرورة استقلال الأدب بمنهجه عن غيره من العلوم، وألا يأخذ بالنظريات الشكلية عن العلوم الأخرى. وما زالت كتاباته مراجع ودراسات لا يستغني عنها الباحث والأديب والناقد. تجربة مندور تجربة خصبة وتحتاج إلى دراسة ومتابعة».
وحول معاركه الأدبية، خاصة مع طه حسين والمازني، قالت: «كان مندور تلميذا مخلصا لأساتذته، لكنه كان ثائرا عليهم، ناقدا لهم بعد أن كتب تقريرا حول طريقة التدريس في الجامعة، لذلك بقي حيا في تاريخ الأمة من خلال كتاباته، بالإضافة إلى خوضه عديدا من المعارك الأدبية».
وشارك في الاحتفالية نجل المحتفى به، طارق مندور، الذي استهل حديثه قائلا: «كتب محمد مندور في عديد من فنون السرد، لكن لم يسعفه الزمن في نشر ما كتبه، كما أنه جمع في ترجماته بين الشعر والمسرح، والتي ارتبطت بالتنوير الديمقراطي، لمحاولة تصدير فكر مستنير إلى الشعب، ولذلك قمت بنشر بعض هذه الكتابات، عن (هيئة قصور الثقافة)، و(مكتبة الأسرة)».
وأوضح طارق مندور، أن أباه كان ديمقراطيا اشتراكيا وليس ليبراليا، وكانت ثورة «23 يوليو» تعبيرا عن أحلامه. «لقد كان يشارك منذ طفولته في المظاهرات ضد الاحتلال، وتم فصله من المدرسة الثانوية، إلا أن الطابع العسكري للثورة أرهق مندور وفكره، فقد كان يرى في الديمقراطية مدخلا أساسيا لأي تغيير صحيح، لذا تم منع مندور من ممارسة أي دور سياسي بعد ثورة يوليو».
بينما أكد الناقد شعبان يوسف أنه لم تكن هناك خصومة بين مندور و«ثورة يوليو»، كما أنه في الوقت نفسه ليس واحدا من رجال «يوليو»، ولم يكن منشدا خاصا لثورة «يوليو»، بل كان ناصحا رجالها. وقال: «مندور قيمة سياسية وفكرية كبيرة، كتب في النقد القديم والحديث، وتعددت معاركه الأدبية إلى اللغويات، وخاض معارك فكرية مع كثير من مفكري العصر، أمثال عباس العقاد وطه حسين»، مشيرا إلى أن «المعارك لم تكن هي السمة الأساسية التي اتسم بها مندور، لكنه كان معلما بالفعل، متأثرا في ذلك بما حصل عليه من علوم لغوية وفكرية وجمالية في رحلته إلى فرنسا».
وأضاف يوسف: «انشغل مندور بالمسرح فكتب عن توفيق الحكيم كتابا مهما، وعن مسرحيات أحمد شوقي، وكان عضوا في لجان التحكيم المسرحي منذ منتصف الخمسينات».
وقال الناقد والمترجم إبراهيم فتحي إن «مندور كان يعتمد في نقده أساسا على الانطباعات التي تخلفها الأعمال الأدبية في نفسه، وكان يرى أن من أساسيات النقد البحث عن الأصالة الفردية المتميزة للكاتب»، بينما ذهب الناقد الدكتور فتحي أبو العينين، إلى أن «محمد مندور خلال سنواته العشر الأخيرة اتجه إلى صياغة نظرية جديد في حقل النقد الأدبي، وهي (النقد الآيديولوجي)، حيث تكشف كتاباته عن نوع من الجدلية بين النقد الأدبي وممارساته السياسية ونشاطه الحزبي في (الوفد)، والطليعة الوفدية، نظرا لتأثره بالفكر الاشتراكي، والفكر الإصلاحي، ومبادئ الثورة الفرنسية».
وعن محمد مندور السياسي، أشار المفكر اللبناني، كريم مروة، إلى أن «أولى كتاباته في السياسة كانت عام 1936، ونشرها في الصحف الفرنسية. وكانت مقالات مكرسة لدعم حزب الوفد في مواجهة الإنجليز لتهيئة الشروط الضرورية لاستقلال مصر السياسي. لقد وجد نفسه مشدودًا إلى حزب الوفد، فانضم إليه، لكنه سرعان ما اختلف فكريا مع قيادات الحزب، وكانت تلك الركيزة لتأسيس الطليعة الوفدية». ولفت مروة إلى أن مندور ظل ينادي بضرورة قيام دولة مدنية تمارس دورها بشكل ديمقراطي في تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، كما كان من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية.
وقال الدكتور عبد الرحمن حجازي، إن «مندور طور النقد من النهج النصي إلى التحليلي، ثم التأثيري، ثم الآيديولوجي»، بينما يرى الدكتور مصطفى ناصف، أن مندور كان «يفض الاشتباك» بين القضايا الأدبية والقضايا التاريخية، وأنه أول من لفت إلى أن النقد الغربي يعود في تطوره إلى التراث العربي. وأشار الباحث الأردني يوسف أبو العدوس، أستاذ اللغة العربية بجامعة اليرموك، إلى أن مندور «كان رائدا في مساره النقدي وتطبيقه النقد المنهجي، داعيا إلى تطبيق فقه اللغة، وكان يرى أن الذوق هو الحكم في كل ما يمت إلى الأدب بصلة، ومجلده عن النقد عند العرب قديما كان يمثل خطا فكريا جديدا وقتها ويربط الحداثة بالتراث».
وقال الدكتور حلمي شعراوي، المدير السابق لمركز البحوث العربية والأفريقية بالقاهرة، إن «محمد مندور كان نموذجا لما يسمى (المثقف العضوي)، والمفكر المنشغل بكيفية توظيف فكره في الحياة الاجتماعية، فقد اشتغل في الأدب والنقد، والسياسة، والحياة الاجتماعية.. قاد مجموعات من اليسار للانضمام إلى حزب الوفد».
وأشار أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس حزب الاشتراكي المصري الأسبق، إلى أن «كتابات محمد مندور ما زالت حاضرة بقوة، لأن كل القضايا التي كتب عنها ما زلنا نعاني منها حتى الآن، مما يؤكد جمود الوطن العربي منذ نحو سبعين سنة. فقد نادى بالعدالة الاجتماعية وحرية الصحافة، والنقد الفكري، والنضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي جميعها مشكلات لا يزال يعاني منها الشعب المصري. وكان يرى أن تنظيم السلطات وضمان حقوق المواطنين ضرورتان أساسيتان لبناء الجمهورية المطلوبة».
وعلى هامش المؤتمر، نظم معرض خاص لكتب مندور من إصدارات وزارة الثقافة؛ وأصدر المجلس الأعلى للثقافة عددا من الكتب الخاصة به منها «محمد مندور شيخ النقاد»، و«محمد مندور ذكريات أدبية»، كما أصدر «المركز القومي للترجمة» عددا من ترجمات محمد مندور.
وبالتزامن مع الاحتفالية أصدرت «دار الهلال» كتاب «كتابات لم تُنشر» ضمن سلسلة «كتاب الهلال» الشهرية. ويضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من مقالات مندور التي كتبها قبل ثورة 1952، وظلت مبعثرة في مجلات وصحف مختلفة، في فترات متباينة، إلى أن أصدرها الناقد الراحل رجاء النقاش عقب وفاة مندور قبل خمسين عاما. وظل الكتاب بعيدا عن متناول القارئ منذ ذلك الوقت.
صدر الكتاب بمقدمة عنوانها «محمد مندور.. ناقدا ومناضلا وإنسانا» للناقد الراحل محمود أمين العالم، الذي كان يرى أن مندور علم من أبرز أعلام الفكر التنويري المصري والعربي الذي يجمع بين العقلانية والوطنية والرؤية الاجتماعية والإنسانية المتقدمة.. وأن آراءه النظرية تتسق مع مواقفه العملية، وتكاد حياته تكون تجسيدا حيا لفكره، فهو «ابن التراث الإنساني العقلاني عامة، والتراث العربي الإسلامي العقلاني خاصة، والثقافة العربية التقدمية في مصر بوجه أشد خصوصية، وتمكن من توحيد كل ذلك في صيغة متسقة».
وتسجل مقدمة الكتاب أنه «عندما توفي الدكتور مندور في 19 مايو 1965 شعر كثيرون أنهم خسروا رائدا عظيما من رواد النضال المخلص في بلادنا، فلقد كان مندور رائدا في الميدان الأدبي، وكان منذ أن بدأ يكتب داعية من دعاة التجديد الأدبي، وكان التجديد الذي يدعو إليه هو تجديد الأصالة والعمق، وليس تجديد (الموضة) ولا تجديد الذين يحاولون لفت الأنظار إليهم بأي وسيلة ممكنة، على عكس هذا كله كان مندور، فكانت دعوته إلى الشعر المهموس - على سبيل المثال - هي دعوة إلى الصدق.. دعوة إلى العودة بالأدب العربي إلى المنبع الوحيد الأصيل لكل أدب عظيم وهو: النفس الإنسانية».



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».