خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

الخزانة الأميركية: أكثر التنظيمات الإرهابية ثراء.. وعوائده من النفط والضرائب تقارب ملياري دولار

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي
TT

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

رَسَمت تقارير ومعلومات لوزارتي الخارجية الأميركية والخزانة وأجهزة الاستخبارات الأميركية «خريطة» لما يمكن أن يُطلق عليه اسم «النظام المالي لتنظيم داعش». وقدرت الأموال التي حصل عليها التنظيم من بيع النفط وفرض الضرائب ونهب البنوك (المصارف) وغيرها بما يقترب من ملياري دولار. ولقد رصدت التقارير الوسائل التي يجني بها «داعش» مئات الملايين من الدولارات، وتعاملاته بالأموال السائلة في دفع الرواتب، والإنفاق على توفير الخدمات في المناطق التي يسيطر عليها، وأيضًا طرق تهريب تلك الأموال السائلة عبر الحدود، بعيدًا عن الطرق التقليدية للنظم المالية الرسمية، بما يجعل تعقب وملاحقة العمليات المالية للتنظيم أمرًا صعبًا. وتضع هذه الخريطة لعوائد التنظيم ونفقاته ونظامه المالي المجتمع الدولي بأسره أمام تحدي كيفية مواجهة تنظيم إرهابي بهذا القدر من الثراء والقدرة على التخطيط، وكيفية اختراق نظمه المالية وقطع مصادر تمويله.
وصف ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، تنظيم داعش بأنه «قد يكون أكثر المنظمات الإرهابية تمويلاً وثراء»، مشيرًا إلى أن التنظيم يملك ثورة مالية طائلة ولديه معدات عسكرية وأسلحة، ويعمل بنظام مالي لدفع رواتب الموظفين والإنفاق على إنتاج الأشرطة الدعائية، وعلى شن العمليات الانتحارية، والهجمات الإرهابية، كتلك التي استهدفت العاصمة الفرنسية باريس، وأيضًا تجنيد واستقدام الشباب من المقاتلين الأجانب إلى سوريا.
في تقرير لوزارة الخزانة الأميركية تبين أنه «خلافًا للكثير من الجماعات الإرهابية التي تموّل نفسها، فإن (داعش) يحصل على عشرات الملايين من تبرّعات تأتيه من عدة دول في الشرق الأوسط»، وقدّرت الوزارة أن ما حصل عليه التنظيم المتطرّف من تبرّعات خاصة من أشخاص بلغ 40 مليون دولار أميركي خلال العام الماضي وحده، إضافة إلى ما حصل عليه من أموال من خلال نشاطاته الإجرامية الأخرى مثل تهريب الآثار وبيع المقتنيات الفنية إلى تجّار السوق السوداء والمهرّبين في المنطقة، وكذلك بيع النفط بأسعار أقل من السوق، والاتجار بالفتيات والنساء، والابتزاز لحصول على فديات لقاء الإفراج عن الأسرى والرهائن. ووفق التقديرات المتوافرة فإن عوائد «داعش» تصل إلى ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين دولار في اليوم الواحد.
* النفط.. أكبر مصادر الدخل
من جهة ثانية، صرّح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قائلاً: «إن أهم مصادر دخل (داعش) بيع النفط، تضاف إليه بصورة جزئية مبيعات الغاز الطبيعي. ونحن نعتقد أن هذا المصدر يدرّ على (داعش) دخلا بمقدار 40 مليون دولار شهريًا، أي أكثر من مليون دولار يوميًا بإجمالي دخل سنوي يقترب من 500 مليون دولار. أما المصدر الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لتغذية مداخيل التنظيم ما يفرضه (داعش) من ضرائب ومكوس على السكان في المناطق التي يسيطر عليها، فهو يفرض ضرائب على السلع والخدمات العامة كتوفير المياه والكهرباء وعلى التبادلات التجارية، كما يفرض جزية (إتاوات) على الأقليات الدينية، وتوفر هذه الضرائب بشتى صورها دخلاً يتجاوز 500 مليون دولار في العام».
وأوضح المسؤول الرفيع بالخارجية الأميركية أن التقييمات المتوافرة حول ثروة «داعش» الإجمالية حاليًا هي مليار دولار من بيع النفط وفرض الضرائب، بالإضافة إلى ما استولى عليه التنظيم من أموال تصل إلى حدود 500 مليون دولار من البنوك العراقية التي هاجمها ونهبها، ثم هناك مصادر دخل الأخرى. واستطرد: «حسب تقديراتنا تقسّم إلى نحو مليار دولار من عوائد النفط ونهب ودائع البنوك، و750 مليون من عوائد الضرائب ومصادر الدخل الأخرى».
ثم أوضح متابعًا ومفصلاً: «أدخلنا تحت بند المصادر الأخرى الحصول على فديات مقابل إطلاق الرهائن، وتلقّي تبرعات من الأفراد المناصرين، وعوائد جرائم نهب المقتنيات الأثرية وتهريبها وبيعها، إضافة إلى عمليات النهب عمومًا، إلا أن كل هذه المصادر أصبحت تشكل جانبًا صغيرًا من إجمالي دخل التنظيم». وأضاف المسؤول الأميركي: «حسب تقييمنا فإن التبّرعات لا تشكّل مصدرًا كبيرًا من الموارد المالية لـ(داعش)، ولا نستطيع أن نقول إننا استطعنا قطع تلك المصادر تمامًا، لكن ثمة تعاونًا كبيرًا ونشطًا مع الدول الأعضاء في التحالف الدولي، مما أدى إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على أموال من تلك المصادر».
* سُبُل مكافحة التنظيم ماليًا
وحول مكافحة «داعش» ماليًا، والجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، وبقية دول التحالف لقطع مصادر تمويل «داعش» ومدى النجاح في تلك الجهود، قال لنا مسؤول الخارجية الأميركية: «لقد تمكّنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة (داعش) ومجموعة الدول لمكافحة (داعش) ماليًا التي تضم 29 دولة، من بذل جهد كبير، فلقد تحرّكت الولايات المتحدة منفردة، وأيضًا بمشاركة دول عدة في وضع قادة (داعش) والموظفين الماليين على قوائم العقوبات. ومنها، على سبيل المثال، ما أعلنته الولايات المتحدة في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي عن وضع 25 شخصًا من قادة (داعش) وخمسة كيانات مالية على قائمة العقوبات، كما تعاونت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية لقطع فروع البنوك التي تقع داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة (داعش) عن النظام المالي العالمي». وأضاف: «وعقدت مجموعة مكافحة (داعش) ماليًا ثلاثة اجتماعات في العاصمة الإيطالية روما في مارس (آذار) الماضي، وفي جدة بالسعودية في مايو (أيار)، وأخيرًا في العاصمة الأميركية واشنطن في أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك لمناقشة خطط وجهود قطع مصادر تمويل التنظيم. وبالفعل، أُنشئت مجموعات صغيرة لإعداد مقترحات حول مزيد من الخطوات الهادفة لضرب مصادر تمويل (داعش) من النفط، ومقترحات أخرى لمنع (داعش) من الاستفادة من الجماعات الإرهابية الأخرى، وإقرار إجراءات قوية ضد جريمة تهريب الآثار، وتضييق قدرات (داعش) في الحصول على فديات، بالإضافة إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على تبرّعات وتمويل عبر الحدود، وأخيرًا، تعزيز التعاون مع الشركاء في الإقليم كي لا تتمكّن (داعش) من شن عمليات إرهابية وهجمات عبر الحدود. ولقد أوفى عدد كبير من الدول بالتزاماته، كما أن الضربات الجوية لقوات التحالف استهدفت مواقع وحقول استخراج النفط التابعة لـ(داعش)، وكثفت تلك الضربات في غضون الأسابيع الماضية».
وتحدث عن محاولات «داعش» لاستقدام وتوظيف خبراء في استخراج النفط واستقدام معدات لاستخدامها في علميات استخراج النفط.
وعلى صعيد الاتجار بالآثار، أشار المسؤول الأميركي إلى تحقيق نجاحات وتقدّم في مجال مكافحة جرائم تهريب الآثار وتهريبها، شارحًا: «لقد عملنا مع اليونيسكو ومن خلال قنوات قانونية ولقاءات في نيويورك وباريس لرفع مستوى الوعي حول الآثار المحتمل أن يُقدم (داعش) على تهريبها، ومخاطر التورّط في شراء تلك الآثار».
وهنا اعترف المسؤول الأميركي بإقدام «داعش» إلى عقد عمليات تجارية عبر الحدود مع تجار داخل الأردن وتركيا وغيرها من الدول المُجاورة، وفصّل: «نعم، هناك عمليات تجارية لـ(داعش) عبر الحدود، لكن الشركاء في التحالف الدولي يبذلون كل الجهد لمنع تلك العمليات».
بالعودة إلى ديفيد كوهين، فإن وكيل وزارة الخزانة الأميركي لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، ذكر في خطابه أمام مركز كارنيغي بواشنطن خلال أكتوبر الماضي أن «(داعش) جمع ثروة غير مسبوقة من مصادر مختلفة عن الكثير من المنظمات الإرهابية الأخرى، إذ لا يعتمد (داعش) على نقل الأموال عبر الحدود الدولية، بل يحصل على الغالبية العظمى من أمواله من الأنشطة الإجرامية والإرهابية الداخلية». ويشكل هذا الواقع عقبة أمام وزارة الخزانة الأميركية التي تعمل على ملاحقة أعدائها من خلال الضغط على البنوك لقطع التعاملات المالية. في حين يقوم «داعش» باستخدام وسطاء لتهريب الأموال داخل وخارج الأراضي التي يسيطر عليها، من خلال طرق تهريب سرية قديمة لا يعرفها سوى المهربين الذين عملوا في تهريب النفط للكويت وإيران لعقود خلال حكم الرئيس العراقي صدام حسين، بعد فرض عقوبات اقتصادية غربية على العراق.
* المعابر الحدودية
ومن جانبها، تفيد مجلة «نيوزويك» الأميركية بأن معظم عمليات تهريب الأموال يجري عبر المعابر الحدودية بين تركيا وسوريا - بصفة خاصة مدينة غازي عنتاب، بجنوب تركيا، القريبة من حدود سوريا - وتنقل المجلة عن مسؤولين بوزارة الأمن الداخلي الأميركية أن «داعش» يستخدم تقنيات متقدمة لكنها في معاملاتها المالية لا تستخدم نظام «بيتكوين»Bitcoin وهو نظام للتبادل المالي باستخدام عملات افتراضية، كي تتجنب التعامل مع النظام المالي العالمي. وحسب مصادر مسؤولة، يلجأ أفراد «داعش» إلى وضع الأموال في حقائب بحيث يسهل تهريب مليون إلى مليوني دولار في حقيبة سفر واحدة. وحسب كلام «نيوزويك» استولى «داعش» على 12 بنكًا في مدينتي الموصل وتكريت ونهب خزائن البنوك بما يقرب من 1.5 مليار دولار، في حين أشار شهود عيان إلى أن مقاتلي التنظيم عندما استولوا على الموصل «أخذوا القلائد من النساء والأقراط من آذانهم ونهبوا الأثاث والسيارات وأخذوا الماشية».
والواقع أن «داعش» يفرض ضرائب عالية على السلع والرواتب والشاحنات التي تمر في المناطق التي يسيطر عليها، كما يفرض ضرائب على حاصلات القمح والشعير وغيرها من المحاصيل الزراعية. وتقدر بعض التقارير حصول «داعش» على 200 مليون دولار من صوامع القمح العراقية وحدها، إضافة إلى نهب ممتلكات أبناء الطوائف المسيحية والإيزيديين، وتصل عوائد الضرائب ونهب الممتلكات إلى ما يزيد عن 360 مليون دولار سنويًا.
ويشير تقرير لـ«منتدى الشرق الأوسط» إلى أن «(داعش) يفرض ضرائب في شكل بطاقة هوية لمنح الصفح عن السكان الذين عملوا في أنظمة لا يعتبرها التنظيم أنظمة تتبع تعاليم الإسلام، وتصل تلك الضريبة إلى 2500 دولار». وفي المقابل، تشير تقارير الاستخبارات الأميركية إلى أن التنظيم استحوذ على سيارات وأسلحة وذخائر أميركية الصنع استطاع استخدامها أحيانًا، وعمد إلى بيعها في أحيان أخرى، إضافة إلى مولدات وكابلات كهربائية وعقارات تعود ملكيتها للجيش العراقي والمسؤولين والسياسيين والعائلات الغنية.
وفي أعقاب ما قام به «داعش» من تدمير ممنهج للمواقع الأثرية المهمة، فإنه ربح كثيرًا من وراء بيع تلك الآثار وتهريبها إلى تجار الآثار عبر تركيا والأردن ومنها إلى الدول الأوروبية. وفي هذا المجال تقول التقديرات الأميركية إن تجارة الآثار وفرت لـ«داعش» دخلاً إجماليًا يربو على 100 مليون دولار سنويًا.
وعلى صعيد التبرعات الفردية والشخصية، كما سبقت الإشارة، تشكل التبرعات التي يحصل عليها التنظيم من مناصرين ومتعاطفين من رجال أعمال أغنياء من بعض الدول الخليجية جانبًا مهمًا من عوائد التنظيم، وقدّرت وزارة الخزانة الأميركية أن ما تلقاه «داعش» من تبرعات خلال عامي 2013 و2014 بلغ 40 مليون دولار، حصل عليها التنظيم من خلال جمعيات خيرية ومؤسسات لتقديم الإغاثة الإنسانية ومساعدة الأيتام. ولقد رصد معهد بروكينغز في تقرير مفصل أسماء الشخصيات المتبرّعة وطرق جمع الأموال وإرسالها لـ«داعش». بينما تحدث تقرير للأمم المتحدة عن أن «داعش» حصل ما بين 35 مليون دولار و45 مليون دولار من خلال عمليات خطف الرهائن والحصول على فدية مقابل إطلاق سراح كل منهم.
* دور نظام الأسد
وبخصوص قدرة «داعش» على الحصول على الأسلحة والذخائر، يقول مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لـ«الشرق الأوسط» إن «عمليات تهريب الأسلحة منتشرة بكثرة في دول منطقة البلقان في أعقاب انهيار يوغوسلافيا، إضافة إلى ما استولى عليه (داعش) من كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة، بما في ذلك الدبابات وقاذفات الصواريخ ومدافع الهاوتزر (الميدان) من المخازن والثكنات العسكرية التي كانت تابعة للحكومة العراقية».
ويقول الدكتور ماثيو ليفيت، مدير برنامج الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والخبير السابق بوزارة الخزانة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي: «كل التسميات، مثل (داعش)، وتنظيم القاعدة في العراق وشبكة الزرقاوي كلها تصب في بوتقة واحدة، وجميعها تحصل على الأموال من خلال القيام بأنشطة إجرامية». ويتابع: «يعمل (داعش) مثل جماعات المافيا، ومجموعات الجريمة المنظمة ويضع قواعده الخاصة مثل فرض الإتاوات على السكان وابتزازهم، فعلى من يريد قيادة شاحنة لنقل البضائع، أن يدفع مقابل استخدام الطريق الذي يسيطر عليه التنظيم. ويتحكم (داعش) أيضًا في محاصيل المزارعين في الرقة من القمح والقطن وفي صوامع الحبوب، وكل هذا يوفر لهم قوة اقتصادية وتمويلا ماليًا كبيرًا».
ويستطرد الخبير في مكافحة الإرهاب فيقول: «رغم ابتعاد (داعش) عن النظام المالي الرسمي فإن لديه مجموعة من الطرق للوصول إلى النظام البنكي لتسهيل نقل كميات صغيرة من الأموال السائلة وتمويل هجمات إرهابية». ويشير إلى أن هناك أكثر من 20 مؤسسة مالية سورية تعمل مع «داعش»، ويشجع نظام الأسد تلك المؤسسات لتعزيز مصالحها التجارية الخاصة مع التنظيم. ومع انخفاض أسعار النفط العالمية، يرى الخبراء أنه من المرجح أن يضطر «داعش» إلى خفض أسعار بيع النفط. وبالتالي التحسب انخفاض عوائده الضخمة من هذا المصدر. وحسب الخبراء فإن «داعش» يفتقر إلى الخبرة والمعدات اللازمة لإنتاج النفط، وهو يستخرج النفط الخام فقط، وبالتالي يستفيد جزئيًا من الإنتاج المحتمل لحقول النفط الواقعة تحت سيطرة التنظيم.
وعلى الرغم مما قد يبدو من إمكانات لدى «داعش» لإدارة نظام مالي فريد، تشكّك صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في قدرات «داعش» على الاستمرار على المدى الطويل اعتمادًا على نظامه المالي الحالي. وترى أنه ليس لدى التنظيم المتطرّف أي نموذج مالي مستدام على المدى الطويل يتيح له القدرة على الوصول للأسواق الدولية الرسمية، إلا أنها تؤكد أن المجتمع الدولي لا يملك ترف الانتظار حتى يتعرض التنظيم لخراب مالي. ومن هذا المنطلق يتفاءل الخبراء بأن تكثيف الضربات الجوية للتحالف واستهداف حقول النفط والمنشآت النفطية التابعة لـ«داعش» سيقلص تدريجيًا من إمكانياته المالية. وحقًا، يشير تقرير لوكالة «بلومبيرغ» إلى أن الضربات الجوية الأميركية ضد مواقع «داعش» ومنشآت النفط التي يسيطر عليها قد تكلفت 2.44 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من بدء الغارات الجوية لقوات التحالف.
من ناحية ثانية، يلحظ تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أن مبيعات «داعش» النفطية انخفضت بشكل كبير منذ بداية الحملة الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد مواقع التنظيم في سوريا والعراق. ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة دمّرت ما يقرب من نصف الطاقة التكريرية للنفط للتنظيم، وأسفرت الضربات عن مقتل عدد من موظفيه وعامليه من ذوي الخبرة النفطية، إضافة إلى ملاحقة وسطاء وتجار السوق السواء، وتشجيع تركيا للقضاء على عمليات التهريب التي تتم عبر حدودها.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.