خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

الخزانة الأميركية: أكثر التنظيمات الإرهابية ثراء.. وعوائده من النفط والضرائب تقارب ملياري دولار

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي
TT

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

رَسَمت تقارير ومعلومات لوزارتي الخارجية الأميركية والخزانة وأجهزة الاستخبارات الأميركية «خريطة» لما يمكن أن يُطلق عليه اسم «النظام المالي لتنظيم داعش». وقدرت الأموال التي حصل عليها التنظيم من بيع النفط وفرض الضرائب ونهب البنوك (المصارف) وغيرها بما يقترب من ملياري دولار. ولقد رصدت التقارير الوسائل التي يجني بها «داعش» مئات الملايين من الدولارات، وتعاملاته بالأموال السائلة في دفع الرواتب، والإنفاق على توفير الخدمات في المناطق التي يسيطر عليها، وأيضًا طرق تهريب تلك الأموال السائلة عبر الحدود، بعيدًا عن الطرق التقليدية للنظم المالية الرسمية، بما يجعل تعقب وملاحقة العمليات المالية للتنظيم أمرًا صعبًا. وتضع هذه الخريطة لعوائد التنظيم ونفقاته ونظامه المالي المجتمع الدولي بأسره أمام تحدي كيفية مواجهة تنظيم إرهابي بهذا القدر من الثراء والقدرة على التخطيط، وكيفية اختراق نظمه المالية وقطع مصادر تمويله.
وصف ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، تنظيم داعش بأنه «قد يكون أكثر المنظمات الإرهابية تمويلاً وثراء»، مشيرًا إلى أن التنظيم يملك ثورة مالية طائلة ولديه معدات عسكرية وأسلحة، ويعمل بنظام مالي لدفع رواتب الموظفين والإنفاق على إنتاج الأشرطة الدعائية، وعلى شن العمليات الانتحارية، والهجمات الإرهابية، كتلك التي استهدفت العاصمة الفرنسية باريس، وأيضًا تجنيد واستقدام الشباب من المقاتلين الأجانب إلى سوريا.
في تقرير لوزارة الخزانة الأميركية تبين أنه «خلافًا للكثير من الجماعات الإرهابية التي تموّل نفسها، فإن (داعش) يحصل على عشرات الملايين من تبرّعات تأتيه من عدة دول في الشرق الأوسط»، وقدّرت الوزارة أن ما حصل عليه التنظيم المتطرّف من تبرّعات خاصة من أشخاص بلغ 40 مليون دولار أميركي خلال العام الماضي وحده، إضافة إلى ما حصل عليه من أموال من خلال نشاطاته الإجرامية الأخرى مثل تهريب الآثار وبيع المقتنيات الفنية إلى تجّار السوق السوداء والمهرّبين في المنطقة، وكذلك بيع النفط بأسعار أقل من السوق، والاتجار بالفتيات والنساء، والابتزاز لحصول على فديات لقاء الإفراج عن الأسرى والرهائن. ووفق التقديرات المتوافرة فإن عوائد «داعش» تصل إلى ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين دولار في اليوم الواحد.
* النفط.. أكبر مصادر الدخل
من جهة ثانية، صرّح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قائلاً: «إن أهم مصادر دخل (داعش) بيع النفط، تضاف إليه بصورة جزئية مبيعات الغاز الطبيعي. ونحن نعتقد أن هذا المصدر يدرّ على (داعش) دخلا بمقدار 40 مليون دولار شهريًا، أي أكثر من مليون دولار يوميًا بإجمالي دخل سنوي يقترب من 500 مليون دولار. أما المصدر الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لتغذية مداخيل التنظيم ما يفرضه (داعش) من ضرائب ومكوس على السكان في المناطق التي يسيطر عليها، فهو يفرض ضرائب على السلع والخدمات العامة كتوفير المياه والكهرباء وعلى التبادلات التجارية، كما يفرض جزية (إتاوات) على الأقليات الدينية، وتوفر هذه الضرائب بشتى صورها دخلاً يتجاوز 500 مليون دولار في العام».
وأوضح المسؤول الرفيع بالخارجية الأميركية أن التقييمات المتوافرة حول ثروة «داعش» الإجمالية حاليًا هي مليار دولار من بيع النفط وفرض الضرائب، بالإضافة إلى ما استولى عليه التنظيم من أموال تصل إلى حدود 500 مليون دولار من البنوك العراقية التي هاجمها ونهبها، ثم هناك مصادر دخل الأخرى. واستطرد: «حسب تقديراتنا تقسّم إلى نحو مليار دولار من عوائد النفط ونهب ودائع البنوك، و750 مليون من عوائد الضرائب ومصادر الدخل الأخرى».
ثم أوضح متابعًا ومفصلاً: «أدخلنا تحت بند المصادر الأخرى الحصول على فديات مقابل إطلاق الرهائن، وتلقّي تبرعات من الأفراد المناصرين، وعوائد جرائم نهب المقتنيات الأثرية وتهريبها وبيعها، إضافة إلى عمليات النهب عمومًا، إلا أن كل هذه المصادر أصبحت تشكل جانبًا صغيرًا من إجمالي دخل التنظيم». وأضاف المسؤول الأميركي: «حسب تقييمنا فإن التبّرعات لا تشكّل مصدرًا كبيرًا من الموارد المالية لـ(داعش)، ولا نستطيع أن نقول إننا استطعنا قطع تلك المصادر تمامًا، لكن ثمة تعاونًا كبيرًا ونشطًا مع الدول الأعضاء في التحالف الدولي، مما أدى إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على أموال من تلك المصادر».
* سُبُل مكافحة التنظيم ماليًا
وحول مكافحة «داعش» ماليًا، والجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، وبقية دول التحالف لقطع مصادر تمويل «داعش» ومدى النجاح في تلك الجهود، قال لنا مسؤول الخارجية الأميركية: «لقد تمكّنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة (داعش) ومجموعة الدول لمكافحة (داعش) ماليًا التي تضم 29 دولة، من بذل جهد كبير، فلقد تحرّكت الولايات المتحدة منفردة، وأيضًا بمشاركة دول عدة في وضع قادة (داعش) والموظفين الماليين على قوائم العقوبات. ومنها، على سبيل المثال، ما أعلنته الولايات المتحدة في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي عن وضع 25 شخصًا من قادة (داعش) وخمسة كيانات مالية على قائمة العقوبات، كما تعاونت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية لقطع فروع البنوك التي تقع داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة (داعش) عن النظام المالي العالمي». وأضاف: «وعقدت مجموعة مكافحة (داعش) ماليًا ثلاثة اجتماعات في العاصمة الإيطالية روما في مارس (آذار) الماضي، وفي جدة بالسعودية في مايو (أيار)، وأخيرًا في العاصمة الأميركية واشنطن في أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك لمناقشة خطط وجهود قطع مصادر تمويل التنظيم. وبالفعل، أُنشئت مجموعات صغيرة لإعداد مقترحات حول مزيد من الخطوات الهادفة لضرب مصادر تمويل (داعش) من النفط، ومقترحات أخرى لمنع (داعش) من الاستفادة من الجماعات الإرهابية الأخرى، وإقرار إجراءات قوية ضد جريمة تهريب الآثار، وتضييق قدرات (داعش) في الحصول على فديات، بالإضافة إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على تبرّعات وتمويل عبر الحدود، وأخيرًا، تعزيز التعاون مع الشركاء في الإقليم كي لا تتمكّن (داعش) من شن عمليات إرهابية وهجمات عبر الحدود. ولقد أوفى عدد كبير من الدول بالتزاماته، كما أن الضربات الجوية لقوات التحالف استهدفت مواقع وحقول استخراج النفط التابعة لـ(داعش)، وكثفت تلك الضربات في غضون الأسابيع الماضية».
وتحدث عن محاولات «داعش» لاستقدام وتوظيف خبراء في استخراج النفط واستقدام معدات لاستخدامها في علميات استخراج النفط.
وعلى صعيد الاتجار بالآثار، أشار المسؤول الأميركي إلى تحقيق نجاحات وتقدّم في مجال مكافحة جرائم تهريب الآثار وتهريبها، شارحًا: «لقد عملنا مع اليونيسكو ومن خلال قنوات قانونية ولقاءات في نيويورك وباريس لرفع مستوى الوعي حول الآثار المحتمل أن يُقدم (داعش) على تهريبها، ومخاطر التورّط في شراء تلك الآثار».
وهنا اعترف المسؤول الأميركي بإقدام «داعش» إلى عقد عمليات تجارية عبر الحدود مع تجار داخل الأردن وتركيا وغيرها من الدول المُجاورة، وفصّل: «نعم، هناك عمليات تجارية لـ(داعش) عبر الحدود، لكن الشركاء في التحالف الدولي يبذلون كل الجهد لمنع تلك العمليات».
بالعودة إلى ديفيد كوهين، فإن وكيل وزارة الخزانة الأميركي لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، ذكر في خطابه أمام مركز كارنيغي بواشنطن خلال أكتوبر الماضي أن «(داعش) جمع ثروة غير مسبوقة من مصادر مختلفة عن الكثير من المنظمات الإرهابية الأخرى، إذ لا يعتمد (داعش) على نقل الأموال عبر الحدود الدولية، بل يحصل على الغالبية العظمى من أمواله من الأنشطة الإجرامية والإرهابية الداخلية». ويشكل هذا الواقع عقبة أمام وزارة الخزانة الأميركية التي تعمل على ملاحقة أعدائها من خلال الضغط على البنوك لقطع التعاملات المالية. في حين يقوم «داعش» باستخدام وسطاء لتهريب الأموال داخل وخارج الأراضي التي يسيطر عليها، من خلال طرق تهريب سرية قديمة لا يعرفها سوى المهربين الذين عملوا في تهريب النفط للكويت وإيران لعقود خلال حكم الرئيس العراقي صدام حسين، بعد فرض عقوبات اقتصادية غربية على العراق.
* المعابر الحدودية
ومن جانبها، تفيد مجلة «نيوزويك» الأميركية بأن معظم عمليات تهريب الأموال يجري عبر المعابر الحدودية بين تركيا وسوريا - بصفة خاصة مدينة غازي عنتاب، بجنوب تركيا، القريبة من حدود سوريا - وتنقل المجلة عن مسؤولين بوزارة الأمن الداخلي الأميركية أن «داعش» يستخدم تقنيات متقدمة لكنها في معاملاتها المالية لا تستخدم نظام «بيتكوين»Bitcoin وهو نظام للتبادل المالي باستخدام عملات افتراضية، كي تتجنب التعامل مع النظام المالي العالمي. وحسب مصادر مسؤولة، يلجأ أفراد «داعش» إلى وضع الأموال في حقائب بحيث يسهل تهريب مليون إلى مليوني دولار في حقيبة سفر واحدة. وحسب كلام «نيوزويك» استولى «داعش» على 12 بنكًا في مدينتي الموصل وتكريت ونهب خزائن البنوك بما يقرب من 1.5 مليار دولار، في حين أشار شهود عيان إلى أن مقاتلي التنظيم عندما استولوا على الموصل «أخذوا القلائد من النساء والأقراط من آذانهم ونهبوا الأثاث والسيارات وأخذوا الماشية».
والواقع أن «داعش» يفرض ضرائب عالية على السلع والرواتب والشاحنات التي تمر في المناطق التي يسيطر عليها، كما يفرض ضرائب على حاصلات القمح والشعير وغيرها من المحاصيل الزراعية. وتقدر بعض التقارير حصول «داعش» على 200 مليون دولار من صوامع القمح العراقية وحدها، إضافة إلى نهب ممتلكات أبناء الطوائف المسيحية والإيزيديين، وتصل عوائد الضرائب ونهب الممتلكات إلى ما يزيد عن 360 مليون دولار سنويًا.
ويشير تقرير لـ«منتدى الشرق الأوسط» إلى أن «(داعش) يفرض ضرائب في شكل بطاقة هوية لمنح الصفح عن السكان الذين عملوا في أنظمة لا يعتبرها التنظيم أنظمة تتبع تعاليم الإسلام، وتصل تلك الضريبة إلى 2500 دولار». وفي المقابل، تشير تقارير الاستخبارات الأميركية إلى أن التنظيم استحوذ على سيارات وأسلحة وذخائر أميركية الصنع استطاع استخدامها أحيانًا، وعمد إلى بيعها في أحيان أخرى، إضافة إلى مولدات وكابلات كهربائية وعقارات تعود ملكيتها للجيش العراقي والمسؤولين والسياسيين والعائلات الغنية.
وفي أعقاب ما قام به «داعش» من تدمير ممنهج للمواقع الأثرية المهمة، فإنه ربح كثيرًا من وراء بيع تلك الآثار وتهريبها إلى تجار الآثار عبر تركيا والأردن ومنها إلى الدول الأوروبية. وفي هذا المجال تقول التقديرات الأميركية إن تجارة الآثار وفرت لـ«داعش» دخلاً إجماليًا يربو على 100 مليون دولار سنويًا.
وعلى صعيد التبرعات الفردية والشخصية، كما سبقت الإشارة، تشكل التبرعات التي يحصل عليها التنظيم من مناصرين ومتعاطفين من رجال أعمال أغنياء من بعض الدول الخليجية جانبًا مهمًا من عوائد التنظيم، وقدّرت وزارة الخزانة الأميركية أن ما تلقاه «داعش» من تبرعات خلال عامي 2013 و2014 بلغ 40 مليون دولار، حصل عليها التنظيم من خلال جمعيات خيرية ومؤسسات لتقديم الإغاثة الإنسانية ومساعدة الأيتام. ولقد رصد معهد بروكينغز في تقرير مفصل أسماء الشخصيات المتبرّعة وطرق جمع الأموال وإرسالها لـ«داعش». بينما تحدث تقرير للأمم المتحدة عن أن «داعش» حصل ما بين 35 مليون دولار و45 مليون دولار من خلال عمليات خطف الرهائن والحصول على فدية مقابل إطلاق سراح كل منهم.
* دور نظام الأسد
وبخصوص قدرة «داعش» على الحصول على الأسلحة والذخائر، يقول مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لـ«الشرق الأوسط» إن «عمليات تهريب الأسلحة منتشرة بكثرة في دول منطقة البلقان في أعقاب انهيار يوغوسلافيا، إضافة إلى ما استولى عليه (داعش) من كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة، بما في ذلك الدبابات وقاذفات الصواريخ ومدافع الهاوتزر (الميدان) من المخازن والثكنات العسكرية التي كانت تابعة للحكومة العراقية».
ويقول الدكتور ماثيو ليفيت، مدير برنامج الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والخبير السابق بوزارة الخزانة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي: «كل التسميات، مثل (داعش)، وتنظيم القاعدة في العراق وشبكة الزرقاوي كلها تصب في بوتقة واحدة، وجميعها تحصل على الأموال من خلال القيام بأنشطة إجرامية». ويتابع: «يعمل (داعش) مثل جماعات المافيا، ومجموعات الجريمة المنظمة ويضع قواعده الخاصة مثل فرض الإتاوات على السكان وابتزازهم، فعلى من يريد قيادة شاحنة لنقل البضائع، أن يدفع مقابل استخدام الطريق الذي يسيطر عليه التنظيم. ويتحكم (داعش) أيضًا في محاصيل المزارعين في الرقة من القمح والقطن وفي صوامع الحبوب، وكل هذا يوفر لهم قوة اقتصادية وتمويلا ماليًا كبيرًا».
ويستطرد الخبير في مكافحة الإرهاب فيقول: «رغم ابتعاد (داعش) عن النظام المالي الرسمي فإن لديه مجموعة من الطرق للوصول إلى النظام البنكي لتسهيل نقل كميات صغيرة من الأموال السائلة وتمويل هجمات إرهابية». ويشير إلى أن هناك أكثر من 20 مؤسسة مالية سورية تعمل مع «داعش»، ويشجع نظام الأسد تلك المؤسسات لتعزيز مصالحها التجارية الخاصة مع التنظيم. ومع انخفاض أسعار النفط العالمية، يرى الخبراء أنه من المرجح أن يضطر «داعش» إلى خفض أسعار بيع النفط. وبالتالي التحسب انخفاض عوائده الضخمة من هذا المصدر. وحسب الخبراء فإن «داعش» يفتقر إلى الخبرة والمعدات اللازمة لإنتاج النفط، وهو يستخرج النفط الخام فقط، وبالتالي يستفيد جزئيًا من الإنتاج المحتمل لحقول النفط الواقعة تحت سيطرة التنظيم.
وعلى الرغم مما قد يبدو من إمكانات لدى «داعش» لإدارة نظام مالي فريد، تشكّك صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في قدرات «داعش» على الاستمرار على المدى الطويل اعتمادًا على نظامه المالي الحالي. وترى أنه ليس لدى التنظيم المتطرّف أي نموذج مالي مستدام على المدى الطويل يتيح له القدرة على الوصول للأسواق الدولية الرسمية، إلا أنها تؤكد أن المجتمع الدولي لا يملك ترف الانتظار حتى يتعرض التنظيم لخراب مالي. ومن هذا المنطلق يتفاءل الخبراء بأن تكثيف الضربات الجوية للتحالف واستهداف حقول النفط والمنشآت النفطية التابعة لـ«داعش» سيقلص تدريجيًا من إمكانياته المالية. وحقًا، يشير تقرير لوكالة «بلومبيرغ» إلى أن الضربات الجوية الأميركية ضد مواقع «داعش» ومنشآت النفط التي يسيطر عليها قد تكلفت 2.44 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من بدء الغارات الجوية لقوات التحالف.
من ناحية ثانية، يلحظ تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أن مبيعات «داعش» النفطية انخفضت بشكل كبير منذ بداية الحملة الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد مواقع التنظيم في سوريا والعراق. ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة دمّرت ما يقرب من نصف الطاقة التكريرية للنفط للتنظيم، وأسفرت الضربات عن مقتل عدد من موظفيه وعامليه من ذوي الخبرة النفطية، إضافة إلى ملاحقة وسطاء وتجار السوق السواء، وتشجيع تركيا للقضاء على عمليات التهريب التي تتم عبر حدودها.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.