خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

الخزانة الأميركية: أكثر التنظيمات الإرهابية ثراء.. وعوائده من النفط والضرائب تقارب ملياري دولار

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي
TT

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

خريطة مصادر أموال «داعش» ونظامه المالي

رَسَمت تقارير ومعلومات لوزارتي الخارجية الأميركية والخزانة وأجهزة الاستخبارات الأميركية «خريطة» لما يمكن أن يُطلق عليه اسم «النظام المالي لتنظيم داعش». وقدرت الأموال التي حصل عليها التنظيم من بيع النفط وفرض الضرائب ونهب البنوك (المصارف) وغيرها بما يقترب من ملياري دولار. ولقد رصدت التقارير الوسائل التي يجني بها «داعش» مئات الملايين من الدولارات، وتعاملاته بالأموال السائلة في دفع الرواتب، والإنفاق على توفير الخدمات في المناطق التي يسيطر عليها، وأيضًا طرق تهريب تلك الأموال السائلة عبر الحدود، بعيدًا عن الطرق التقليدية للنظم المالية الرسمية، بما يجعل تعقب وملاحقة العمليات المالية للتنظيم أمرًا صعبًا. وتضع هذه الخريطة لعوائد التنظيم ونفقاته ونظامه المالي المجتمع الدولي بأسره أمام تحدي كيفية مواجهة تنظيم إرهابي بهذا القدر من الثراء والقدرة على التخطيط، وكيفية اختراق نظمه المالية وقطع مصادر تمويله.
وصف ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، تنظيم داعش بأنه «قد يكون أكثر المنظمات الإرهابية تمويلاً وثراء»، مشيرًا إلى أن التنظيم يملك ثورة مالية طائلة ولديه معدات عسكرية وأسلحة، ويعمل بنظام مالي لدفع رواتب الموظفين والإنفاق على إنتاج الأشرطة الدعائية، وعلى شن العمليات الانتحارية، والهجمات الإرهابية، كتلك التي استهدفت العاصمة الفرنسية باريس، وأيضًا تجنيد واستقدام الشباب من المقاتلين الأجانب إلى سوريا.
في تقرير لوزارة الخزانة الأميركية تبين أنه «خلافًا للكثير من الجماعات الإرهابية التي تموّل نفسها، فإن (داعش) يحصل على عشرات الملايين من تبرّعات تأتيه من عدة دول في الشرق الأوسط»، وقدّرت الوزارة أن ما حصل عليه التنظيم المتطرّف من تبرّعات خاصة من أشخاص بلغ 40 مليون دولار أميركي خلال العام الماضي وحده، إضافة إلى ما حصل عليه من أموال من خلال نشاطاته الإجرامية الأخرى مثل تهريب الآثار وبيع المقتنيات الفنية إلى تجّار السوق السوداء والمهرّبين في المنطقة، وكذلك بيع النفط بأسعار أقل من السوق، والاتجار بالفتيات والنساء، والابتزاز لحصول على فديات لقاء الإفراج عن الأسرى والرهائن. ووفق التقديرات المتوافرة فإن عوائد «داعش» تصل إلى ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين دولار في اليوم الواحد.
* النفط.. أكبر مصادر الدخل
من جهة ثانية، صرّح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قائلاً: «إن أهم مصادر دخل (داعش) بيع النفط، تضاف إليه بصورة جزئية مبيعات الغاز الطبيعي. ونحن نعتقد أن هذا المصدر يدرّ على (داعش) دخلا بمقدار 40 مليون دولار شهريًا، أي أكثر من مليون دولار يوميًا بإجمالي دخل سنوي يقترب من 500 مليون دولار. أما المصدر الثاني من حيث الأهمية بالنسبة لتغذية مداخيل التنظيم ما يفرضه (داعش) من ضرائب ومكوس على السكان في المناطق التي يسيطر عليها، فهو يفرض ضرائب على السلع والخدمات العامة كتوفير المياه والكهرباء وعلى التبادلات التجارية، كما يفرض جزية (إتاوات) على الأقليات الدينية، وتوفر هذه الضرائب بشتى صورها دخلاً يتجاوز 500 مليون دولار في العام».
وأوضح المسؤول الرفيع بالخارجية الأميركية أن التقييمات المتوافرة حول ثروة «داعش» الإجمالية حاليًا هي مليار دولار من بيع النفط وفرض الضرائب، بالإضافة إلى ما استولى عليه التنظيم من أموال تصل إلى حدود 500 مليون دولار من البنوك العراقية التي هاجمها ونهبها، ثم هناك مصادر دخل الأخرى. واستطرد: «حسب تقديراتنا تقسّم إلى نحو مليار دولار من عوائد النفط ونهب ودائع البنوك، و750 مليون من عوائد الضرائب ومصادر الدخل الأخرى».
ثم أوضح متابعًا ومفصلاً: «أدخلنا تحت بند المصادر الأخرى الحصول على فديات مقابل إطلاق الرهائن، وتلقّي تبرعات من الأفراد المناصرين، وعوائد جرائم نهب المقتنيات الأثرية وتهريبها وبيعها، إضافة إلى عمليات النهب عمومًا، إلا أن كل هذه المصادر أصبحت تشكل جانبًا صغيرًا من إجمالي دخل التنظيم». وأضاف المسؤول الأميركي: «حسب تقييمنا فإن التبّرعات لا تشكّل مصدرًا كبيرًا من الموارد المالية لـ(داعش)، ولا نستطيع أن نقول إننا استطعنا قطع تلك المصادر تمامًا، لكن ثمة تعاونًا كبيرًا ونشطًا مع الدول الأعضاء في التحالف الدولي، مما أدى إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على أموال من تلك المصادر».
* سُبُل مكافحة التنظيم ماليًا
وحول مكافحة «داعش» ماليًا، والجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، وبقية دول التحالف لقطع مصادر تمويل «داعش» ومدى النجاح في تلك الجهود، قال لنا مسؤول الخارجية الأميركية: «لقد تمكّنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة (داعش) ومجموعة الدول لمكافحة (داعش) ماليًا التي تضم 29 دولة، من بذل جهد كبير، فلقد تحرّكت الولايات المتحدة منفردة، وأيضًا بمشاركة دول عدة في وضع قادة (داعش) والموظفين الماليين على قوائم العقوبات. ومنها، على سبيل المثال، ما أعلنته الولايات المتحدة في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي عن وضع 25 شخصًا من قادة (داعش) وخمسة كيانات مالية على قائمة العقوبات، كما تعاونت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية لقطع فروع البنوك التي تقع داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة (داعش) عن النظام المالي العالمي». وأضاف: «وعقدت مجموعة مكافحة (داعش) ماليًا ثلاثة اجتماعات في العاصمة الإيطالية روما في مارس (آذار) الماضي، وفي جدة بالسعودية في مايو (أيار)، وأخيرًا في العاصمة الأميركية واشنطن في أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك لمناقشة خطط وجهود قطع مصادر تمويل التنظيم. وبالفعل، أُنشئت مجموعات صغيرة لإعداد مقترحات حول مزيد من الخطوات الهادفة لضرب مصادر تمويل (داعش) من النفط، ومقترحات أخرى لمنع (داعش) من الاستفادة من الجماعات الإرهابية الأخرى، وإقرار إجراءات قوية ضد جريمة تهريب الآثار، وتضييق قدرات (داعش) في الحصول على فديات، بالإضافة إلى تضييق قدرة (داعش) على الحصول على تبرّعات وتمويل عبر الحدود، وأخيرًا، تعزيز التعاون مع الشركاء في الإقليم كي لا تتمكّن (داعش) من شن عمليات إرهابية وهجمات عبر الحدود. ولقد أوفى عدد كبير من الدول بالتزاماته، كما أن الضربات الجوية لقوات التحالف استهدفت مواقع وحقول استخراج النفط التابعة لـ(داعش)، وكثفت تلك الضربات في غضون الأسابيع الماضية».
وتحدث عن محاولات «داعش» لاستقدام وتوظيف خبراء في استخراج النفط واستقدام معدات لاستخدامها في علميات استخراج النفط.
وعلى صعيد الاتجار بالآثار، أشار المسؤول الأميركي إلى تحقيق نجاحات وتقدّم في مجال مكافحة جرائم تهريب الآثار وتهريبها، شارحًا: «لقد عملنا مع اليونيسكو ومن خلال قنوات قانونية ولقاءات في نيويورك وباريس لرفع مستوى الوعي حول الآثار المحتمل أن يُقدم (داعش) على تهريبها، ومخاطر التورّط في شراء تلك الآثار».
وهنا اعترف المسؤول الأميركي بإقدام «داعش» إلى عقد عمليات تجارية عبر الحدود مع تجار داخل الأردن وتركيا وغيرها من الدول المُجاورة، وفصّل: «نعم، هناك عمليات تجارية لـ(داعش) عبر الحدود، لكن الشركاء في التحالف الدولي يبذلون كل الجهد لمنع تلك العمليات».
بالعودة إلى ديفيد كوهين، فإن وكيل وزارة الخزانة الأميركي لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، ذكر في خطابه أمام مركز كارنيغي بواشنطن خلال أكتوبر الماضي أن «(داعش) جمع ثروة غير مسبوقة من مصادر مختلفة عن الكثير من المنظمات الإرهابية الأخرى، إذ لا يعتمد (داعش) على نقل الأموال عبر الحدود الدولية، بل يحصل على الغالبية العظمى من أمواله من الأنشطة الإجرامية والإرهابية الداخلية». ويشكل هذا الواقع عقبة أمام وزارة الخزانة الأميركية التي تعمل على ملاحقة أعدائها من خلال الضغط على البنوك لقطع التعاملات المالية. في حين يقوم «داعش» باستخدام وسطاء لتهريب الأموال داخل وخارج الأراضي التي يسيطر عليها، من خلال طرق تهريب سرية قديمة لا يعرفها سوى المهربين الذين عملوا في تهريب النفط للكويت وإيران لعقود خلال حكم الرئيس العراقي صدام حسين، بعد فرض عقوبات اقتصادية غربية على العراق.
* المعابر الحدودية
ومن جانبها، تفيد مجلة «نيوزويك» الأميركية بأن معظم عمليات تهريب الأموال يجري عبر المعابر الحدودية بين تركيا وسوريا - بصفة خاصة مدينة غازي عنتاب، بجنوب تركيا، القريبة من حدود سوريا - وتنقل المجلة عن مسؤولين بوزارة الأمن الداخلي الأميركية أن «داعش» يستخدم تقنيات متقدمة لكنها في معاملاتها المالية لا تستخدم نظام «بيتكوين»Bitcoin وهو نظام للتبادل المالي باستخدام عملات افتراضية، كي تتجنب التعامل مع النظام المالي العالمي. وحسب مصادر مسؤولة، يلجأ أفراد «داعش» إلى وضع الأموال في حقائب بحيث يسهل تهريب مليون إلى مليوني دولار في حقيبة سفر واحدة. وحسب كلام «نيوزويك» استولى «داعش» على 12 بنكًا في مدينتي الموصل وتكريت ونهب خزائن البنوك بما يقرب من 1.5 مليار دولار، في حين أشار شهود عيان إلى أن مقاتلي التنظيم عندما استولوا على الموصل «أخذوا القلائد من النساء والأقراط من آذانهم ونهبوا الأثاث والسيارات وأخذوا الماشية».
والواقع أن «داعش» يفرض ضرائب عالية على السلع والرواتب والشاحنات التي تمر في المناطق التي يسيطر عليها، كما يفرض ضرائب على حاصلات القمح والشعير وغيرها من المحاصيل الزراعية. وتقدر بعض التقارير حصول «داعش» على 200 مليون دولار من صوامع القمح العراقية وحدها، إضافة إلى نهب ممتلكات أبناء الطوائف المسيحية والإيزيديين، وتصل عوائد الضرائب ونهب الممتلكات إلى ما يزيد عن 360 مليون دولار سنويًا.
ويشير تقرير لـ«منتدى الشرق الأوسط» إلى أن «(داعش) يفرض ضرائب في شكل بطاقة هوية لمنح الصفح عن السكان الذين عملوا في أنظمة لا يعتبرها التنظيم أنظمة تتبع تعاليم الإسلام، وتصل تلك الضريبة إلى 2500 دولار». وفي المقابل، تشير تقارير الاستخبارات الأميركية إلى أن التنظيم استحوذ على سيارات وأسلحة وذخائر أميركية الصنع استطاع استخدامها أحيانًا، وعمد إلى بيعها في أحيان أخرى، إضافة إلى مولدات وكابلات كهربائية وعقارات تعود ملكيتها للجيش العراقي والمسؤولين والسياسيين والعائلات الغنية.
وفي أعقاب ما قام به «داعش» من تدمير ممنهج للمواقع الأثرية المهمة، فإنه ربح كثيرًا من وراء بيع تلك الآثار وتهريبها إلى تجار الآثار عبر تركيا والأردن ومنها إلى الدول الأوروبية. وفي هذا المجال تقول التقديرات الأميركية إن تجارة الآثار وفرت لـ«داعش» دخلاً إجماليًا يربو على 100 مليون دولار سنويًا.
وعلى صعيد التبرعات الفردية والشخصية، كما سبقت الإشارة، تشكل التبرعات التي يحصل عليها التنظيم من مناصرين ومتعاطفين من رجال أعمال أغنياء من بعض الدول الخليجية جانبًا مهمًا من عوائد التنظيم، وقدّرت وزارة الخزانة الأميركية أن ما تلقاه «داعش» من تبرعات خلال عامي 2013 و2014 بلغ 40 مليون دولار، حصل عليها التنظيم من خلال جمعيات خيرية ومؤسسات لتقديم الإغاثة الإنسانية ومساعدة الأيتام. ولقد رصد معهد بروكينغز في تقرير مفصل أسماء الشخصيات المتبرّعة وطرق جمع الأموال وإرسالها لـ«داعش». بينما تحدث تقرير للأمم المتحدة عن أن «داعش» حصل ما بين 35 مليون دولار و45 مليون دولار من خلال عمليات خطف الرهائن والحصول على فدية مقابل إطلاق سراح كل منهم.
* دور نظام الأسد
وبخصوص قدرة «داعش» على الحصول على الأسلحة والذخائر، يقول مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لـ«الشرق الأوسط» إن «عمليات تهريب الأسلحة منتشرة بكثرة في دول منطقة البلقان في أعقاب انهيار يوغوسلافيا، إضافة إلى ما استولى عليه (داعش) من كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة، بما في ذلك الدبابات وقاذفات الصواريخ ومدافع الهاوتزر (الميدان) من المخازن والثكنات العسكرية التي كانت تابعة للحكومة العراقية».
ويقول الدكتور ماثيو ليفيت، مدير برنامج الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والخبير السابق بوزارة الخزانة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي: «كل التسميات، مثل (داعش)، وتنظيم القاعدة في العراق وشبكة الزرقاوي كلها تصب في بوتقة واحدة، وجميعها تحصل على الأموال من خلال القيام بأنشطة إجرامية». ويتابع: «يعمل (داعش) مثل جماعات المافيا، ومجموعات الجريمة المنظمة ويضع قواعده الخاصة مثل فرض الإتاوات على السكان وابتزازهم، فعلى من يريد قيادة شاحنة لنقل البضائع، أن يدفع مقابل استخدام الطريق الذي يسيطر عليه التنظيم. ويتحكم (داعش) أيضًا في محاصيل المزارعين في الرقة من القمح والقطن وفي صوامع الحبوب، وكل هذا يوفر لهم قوة اقتصادية وتمويلا ماليًا كبيرًا».
ويستطرد الخبير في مكافحة الإرهاب فيقول: «رغم ابتعاد (داعش) عن النظام المالي الرسمي فإن لديه مجموعة من الطرق للوصول إلى النظام البنكي لتسهيل نقل كميات صغيرة من الأموال السائلة وتمويل هجمات إرهابية». ويشير إلى أن هناك أكثر من 20 مؤسسة مالية سورية تعمل مع «داعش»، ويشجع نظام الأسد تلك المؤسسات لتعزيز مصالحها التجارية الخاصة مع التنظيم. ومع انخفاض أسعار النفط العالمية، يرى الخبراء أنه من المرجح أن يضطر «داعش» إلى خفض أسعار بيع النفط. وبالتالي التحسب انخفاض عوائده الضخمة من هذا المصدر. وحسب الخبراء فإن «داعش» يفتقر إلى الخبرة والمعدات اللازمة لإنتاج النفط، وهو يستخرج النفط الخام فقط، وبالتالي يستفيد جزئيًا من الإنتاج المحتمل لحقول النفط الواقعة تحت سيطرة التنظيم.
وعلى الرغم مما قد يبدو من إمكانات لدى «داعش» لإدارة نظام مالي فريد، تشكّك صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في قدرات «داعش» على الاستمرار على المدى الطويل اعتمادًا على نظامه المالي الحالي. وترى أنه ليس لدى التنظيم المتطرّف أي نموذج مالي مستدام على المدى الطويل يتيح له القدرة على الوصول للأسواق الدولية الرسمية، إلا أنها تؤكد أن المجتمع الدولي لا يملك ترف الانتظار حتى يتعرض التنظيم لخراب مالي. ومن هذا المنطلق يتفاءل الخبراء بأن تكثيف الضربات الجوية للتحالف واستهداف حقول النفط والمنشآت النفطية التابعة لـ«داعش» سيقلص تدريجيًا من إمكانياته المالية. وحقًا، يشير تقرير لوكالة «بلومبيرغ» إلى أن الضربات الجوية الأميركية ضد مواقع «داعش» ومنشآت النفط التي يسيطر عليها قد تكلفت 2.44 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من بدء الغارات الجوية لقوات التحالف.
من ناحية ثانية، يلحظ تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أن مبيعات «داعش» النفطية انخفضت بشكل كبير منذ بداية الحملة الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد مواقع التنظيم في سوريا والعراق. ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة دمّرت ما يقرب من نصف الطاقة التكريرية للنفط للتنظيم، وأسفرت الضربات عن مقتل عدد من موظفيه وعامليه من ذوي الخبرة النفطية، إضافة إلى ملاحقة وسطاء وتجار السوق السواء، وتشجيع تركيا للقضاء على عمليات التهريب التي تتم عبر حدودها.



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.