رئيس مالي: الهجوم على الفندق يزيد عزيمتنا على محاربة الإرهاب

الرئيس الفرنسي يعرض المساعدة بعد احتجاز الرهائن

مدنيون ماليون يحيون قوات الأمن بعد سيطرتهم على الفندق وإجلاء الرهائن منه أمس (رويترز)
مدنيون ماليون يحيون قوات الأمن بعد سيطرتهم على الفندق وإجلاء الرهائن منه أمس (رويترز)
TT

رئيس مالي: الهجوم على الفندق يزيد عزيمتنا على محاربة الإرهاب

مدنيون ماليون يحيون قوات الأمن بعد سيطرتهم على الفندق وإجلاء الرهائن منه أمس (رويترز)
مدنيون ماليون يحيون قوات الأمن بعد سيطرتهم على الفندق وإجلاء الرهائن منه أمس (رويترز)

قال الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا، إنه لا أحد في العالم بمأمن من الإرهاب، موضحا أنه على الماليين التكيف مع واقعهم ومحاربة الإرهاب الذي وصفه بأنه «تحدّ يتحد الجميع من أجل القضاء عليه». وأن الهجوم على الفندق سيزيد عزيمة بلاده في مكافحة الإرهاب.
وأشار إلى أن قوات الأمن المالية حررت أكثر من 20 رهينة، وفقًا لوكالة الأنباء الموريتانية.
وتوضح تصريحات الرئيس المالي تضاربا في الأرقام المعلن عنها من طرف الجهات المالية التي أكدت قبل أكثر من ساعة تحرير عشرات الرهائن، فيما اعتبر محللون أن معلومات الرئيس كيتا ربما تحتاج إلى تحديث لمواكبة وقائع عملية تحرير الرهائن.
وقطع كيتا زيارته إلى تشاد ومشاركته في قمة مجموعة دول الساحل الخمس بعد حادثة فندق راديسون في العاصمة المالية باماكو التي احتجز فيها العشرات. وأضاف كيتا خلال تصريحات لفضائية «فرانس 24» أمس، أن الأوضاع صعبة ولكن ليس ميؤوسًا منها، وتم بالفعل تحرير عدد من الرهائن، مشيرًا إلى أنه لا توجد دولة في منأى عن الإرهاب لذلك لا بد أن تستمر أعمال القمة لأنها في صالح الشعوب. وأشار إلى أن الأيام القادمة ستشهد تقدما في محاربة الإرهاب، مشددًا على أن الحادث عزز عزيمة مالي نحو ذلك رغم شعور الحزن والتضامن مع الضحايا.
من جهته ذكر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن بلاده عرضت مساعدتها على مالي بعد أن احتجز مسلحون عددًا من الرهائن بفندق راديسون بلو في العاصمة باماكو، وأضاف على هامش اجتماع بشأن محادثات المناخ المقبلة «أطمئن رئيس مالي إبراهيم أبو بكر كيتا أن فرنسا قادرة على تقديم الدعم الضروري لقوات بلاده». وأضاف: «تم شن هجوم وسوف نساعد على ضمان إطلاق سراح الرهائن بشتى السبل الممكنة. يتعين مرة أخرى أن نمضي قدمًا ونظهر تضامننا مع بلد صديق لنا، مالي». وتابع هولاند أن هناك سياحًا ورجال أعمال «من جنسيات مختلفة في الفندق». ودعا المواطنين الفرنسيين في مالي إلى الاتصال بسفارتهم وحذر رعايا فرنسا في جميع الدول «الحساسة» باتخاذ تدابير احترازية. وتعمل السلطات في مالي على تعزيز قواتها العسكرية، من خلال الترفيع في قدرات جنودها على التصدّي للإرهاب في المناطق الشمالية للبلاد، وذلك بدعم من الاتحاد الأوروبي، بنسق يتّجه نحو أقصاه في محاولة لكبح أعمال العنف التي تطبق على البلاد، في خضمّ المواجهات المتواترة بين الجيش المالي والمجموعات المسلّحة المتمركزة في مناطق متفرّقة.
مساعي الحكومة المركزية في باماكو نحو الترفيع من نسق التصدّي للإرهاب، لقيت دعما كبيرا من قبل الاتحاد الأوروبي، حيث أشرف الأخير على تنظيم دورة تدريبية لجنود ماليين للرفع من مهاراتهم القتالية، بغية تجهيزهم للحرب ضد الإرهاب في بلد مثّلت مناطقه الشمالية مسرحا لكثير الهجمات التي قادتها - في معظمها - الجماعات المسلحة، بحسب العقيد نيكولاس ريفيير قائد القوات المكلفة تدريب جنود بعثة الاتحاد الأوروبي في مالي (أوتي آم).
وانتهت الـ«أوتي آم»، مؤخرا، من تقديم دورة تدريبية للمجموعة السادسة من فرقة العمل التكتيكية الداخلية المسلحة، التي اختير لها من الأسماء «الفاروق»، في إحالة على اسم «الجني الذي يحرس تومبوكتو (شمالي مالي)»، بحسب الأسطورة المحلية. وأمضت هذه المجموعة 12 أسبوعا في التدرّب على استخدام الأسلحة والتخطيط للعمليات وتنفيذها. وتعقيبا عن ذلك، أضاف العقيد ريفيير قائلا: «لا يمكننا أن نقوم بأمور مثالية في ظرف 12 أسبوعا (…) لكن قوات الفاروق، بإمكانها الارتقاء إلى تطلعات القوات المسلحة المالية». ومع نهاية فترة التدريب، قام الجنود المتربصون بتطبيق تمرين عسكري على الأرض كان الهدف منه السيطرة على بلدة «كوليكورو»، شمالي مالي، بطريقة تمنع تسلل العناصر المنتمية للمجموعات المسلحة المنتشرة في الشمال.
من جهته، اعترف الملازم مامادو آس تراوري، قائد قوات «الفاروق» أنّه يتعيّن على القوات المالية رفع رهان كبير لا سيما شمالي مالي، معتبرا أنّ «عناصر الجماعات المسلحة بشكل عام لا يمكنها الصمود أمام الجيش المالي، ما يدفعها إلى التركيز على السكان المدنيين وهم يستخدمونهم للوصول إلينا وتنفيذ عملياتهم».
ومنذ قدومها إلى مالي في 2013 قامت الـ«أوتي آم» بتدريب 3 آلاف و400 جندي ضمن 6 دفعات من فرق العمل التكتيكية الداخلية المسلحة تم نشرها جميعا شمالي البلاد لمواجهة هجمات الجماعات المسلحة الناشطة شمالي البلاد. وهو إجراء يهدف إلى التصدّي للإرهاب المتفاقم في البلاد، خصوصا أن قوات الجيش المالي والقوات الدولية تتعرّضان بشكل متواتر، شمالي البلاد، إلى هجمات تعتمد أساليب التفجيرات بجميع أنواعها، وتستخدم عناصر المجموعات المسلّحة، خلالها، الأسلحة لمهاجمة القوات المالية والدولية المتمركزة في المنطقة. وعبر هذا الدعم الذي يقدّمه الاتحاد الأوروبي والمينوسما، تأمل باماكو في القضاء على التهديدات الإرهابية التي تعاني منها البلاد والوصول إلى نهاية النفق المظلم، حتى وإن كانت الجماعات المتمردة في الشمال قد رفضت مشروع اتفاق السلام المعروض عليها في الجزائر بتاريخ غرة مارس (آذار) الماضي بحسب مصدر أمني.
تصعيد المجموعات المسلّحة وتواتر هجماتها في الشمال، التي كان آخرها العملية التي جرت، في 7 مارس، في مطعم عند «حي الأميرة» في قلب العاصمة باماكو - نقطة لقاء الطبقة الثرية وتجار التهريب في العاصمة - والتي أسفرت عن مقتل 5 أشخاص، بينهم أجانب، وإصابة 9 آخرين بجروح، خلّف صدمة لدى السكان، وهو ما دفع بالسلطات المالية المدعومة بالاتحاد الأوروبي والبعثة الأممية، إلى الترفيع من حالة التأهب والحذر، لتجنيب البلاد عملية أخرى من هذا النوع.
وفي أعقاب هذه الحادثة التي هزت البلاد، تعّودت أعين سكان باماكو على لمح التعزيزات الأمنية المنتشرة في كل زوايا ومفترقات العاصمة، ولا سيما أمام مقرات التمثيليات الدبلوماسية والفنادق والحي الوزاري، فيما تقوم البعثة الأممية بعمليات تفتيش في كل مكان، وفقا لتصريحات مصدر أمني لـ«الأناضول». ولئن تباينت المواقف بشأن هذه التعزيزات الأمنية، إلا أنّ مدير أحد الفنادق (فضّل عدم الكشف عن اسمه) قال في حديث لـ«الأناضول»، بنبرة تحمل الكثير من الارتياح: «لقد أرسلت إلينا مينوسما رجال القبعات الزرق، فيما أرسلت لنا الحكومة المالية رجال شرطة من وحدة مكافحة الجريمة»، في خطوة تهدف إلى تأمين هذا النوع من المؤسسات، فيما اصطفت السيارات غير بعيد عن ذلك أمام الحي الوزاري في باماكو لتخضع إلى عملية تفتيش دقيقة لا مفر منها قبل الولوج إلى المنطقة.
أمّا على مستوى المنافذ المؤدّية إلى العاصمة باماكو، فتخضع جميع السيارات المارة إلى التفتيش بشكل دقيق. بيار بيرتيت، مستشار أمني فرنسي مقيم في مالي منذ 30 عاما، عقّب على هذه الجزئية قائلا: «لا يمكن لهذه التدابير الأمنية أن تضمن عدم وقوع عملية أخرى في باماكو، لا لشيء إلا لأنه لم يقع تحديد هوية العدو بشكل واضح، غير أنّها تصلح على الأقل لطمأنة السكان، إذ لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي».



تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.


نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اقتحم مسلحون مجهولون كنيسة في ولاية إيكيتي، جنوب نيجيريا، وقتلوا القس قبل أن يقتادوا عدداً من المصلين إلى مكان مجهول، وفق ما أكدت مصادر محلية، واعترفت به في وقت لاحق مصادر في الشرطة.

الهجوم وقع في بلدة إيدا أونيو إيكيتي، حين كان السكان يقيمون قُداساً مفتوحاً في ساحة الكنيسة، مساء الثلاثاء، قبل أن يقتحمه المسلحون، ثم يطلقون النار بشكل مباشر على القس، حين كان يقود التجمع الديني.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية محلية إن المهاجمين اجتاحوا ساحة التجمع الواقعة بضواحي البلدة بأعداد كبيرة، حيث فتحوا النار على القس وأردوه قتيلاً على الفور، ثم اقتادوا مجموعة من المصلين نحو الغابات المجاورة للبلدة.

وأضافت تقارير صحيفة «فانغارد» نقلاً عن مصادر محلية أن «المهاجمين المدججين بالسلاح استمروا في عمليتهم لعدة دقائق قبل أن يقتادوا ضحاياهم إلى الغابات»، وقال شهود نجوا من الهجوم: «كان من بين المختطفين كبار سن، وأطفال، اقتادهم المسلحون نحو الغابة، لقد دخلوا البلدة بأعداد كبيرة، ومدججين بالسلاح».

وقالت الصحيفة إنها حاولت التواصل مع الشرطة المحلية بخصوص الموضوع، ولكن «كل المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يرد المسؤول الإعلامي للقيادة، صنداي أبوتو، على المكالمات، والرسائل المرسلة إليه»، حتى صباح الأربعاء.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وتحدثت تقارير عديدة عن «حالة من الارتباك والذعر تنتشر بين سكان البلدة»، وقال أحد السكان لصحيفة محلية: «إنه أمر مرعب ومفاجئ، اقتحموا البلدة بأعداد كبيرة، وأطلقوا النار على الناس بشكل عشوائي، قتلوا القس، واقتادوا الآخرين نحو الغابة، كان من بينهم كبار سن، وأطفال».

وفي تعليق على التطورات، أكد مسؤول حكومي رفيع وعضو في اللجنة الأمنية بالولاية وقوع الهجوم، متحدثاً شريطة عدم كشف اسمه لكونه غير مخول بالتصريح الرسمي، وقال إن الأجهزة الأمنية قد انتشرت بالفعل في المنطقة، وهي تقتفي أثر المهاجمين، معرباً عن ثقته في إنقاذ الضحايا دون أذى.

وقال المسؤول: «نعم، تم اختطاف بعض المصلين في إيدا أونيو اليوم (الثلاثاء)، والأجهزة الأمنية تتابع الأمر. لقد نشرت الحكومة قوات أمنية في المنطقة، وهي تطارد المهاجمين حالياً»، دون أن يعطي أي تفاصيل حول عدد المختطفين.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

يثير استهداف الكنائس في الهجمات الإرهابية، واختطاف المسيحيين حساسية كبيرة في نيجيريا، خاصة بعد اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب سلطات نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما قال إنها «إبادة جماعية».

وترفض سلطات نيجيريا هذه الاتهامات، وتقول إن الصراع في نيجيريا لا يحمل أي طابع ديني، مشيرة إلى أن إرهابيي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا»، وشبكات الجريمة المنظمة، يستهدفون الشعب النيجيري دون أي تمييز بين دين، أو عرق.

وأكدت الحكومة النيجيرية في أكثر من مرة أن المسلمين يمثلون ضحايا رئيسين للهجمات الإرهابية في مختلف مناطق نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي، حيث توجد بؤرة الإرهاب.

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو في 12 أبريل (أ.ب)

تعد نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، مسرحاً لتعقيدات ديموغرافية ودينية فريدة؛ حيث ينقسم سكانها البالغ عددهم أكثر من ربع مليار نسمة بشكل شبه متساوٍ بين الشمال ذي الغالبية المسلمة والجنوب ذي الغالبية المسيحية.

ولا يقتصر الصراع في نيجيريا على البعد الديني البحت، بل يتداخل بعمق مع الهويات العرقية، حيث يهيمن عرق «الهوسا-فولاني» في الشمال، و«الإيغبو» و«اليوروبا» في الجنوب، والجنوب الغربي.

هذا التباين جعل القضايا الأمنية، مثل تمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي أو نزاعات الرعاة والمزارعين في الحزام الأوسط، تتخذ أبعاداً طائفية وعرقية تزيد من حدة الاستقطاب الوطني.

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

في غضون ذلك، يعد «الحزام الأوسط» في نيجيريا بؤرة ساخنة للنزاعات العرقية-الدينية، حيث تتصادم مصالح الرعاة، وغالبيتهم من عرقية الفولاني المسلمة، مع المزارعين، وغالبيتهم من الجماعات العرقية المسيحية، حول الموارد الطبيعية، والأراضي، والمياه.

ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، وزحف التصحر في الشمال، اندفع الرعاة نحو الجنوب، مما أدى إلى موجات عنف متبادلة، وتصاعدت أكثر خلال العقد الأخير، ولكنها بدأت تأخذ أبعاداً سياسية، وأمنية.


المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

قال متحدث باسم المتمردين الطوارق الأربعاء، إنّ المجلس العسكري الحاكم في مالي «سيسقط عاجلاً أم آجلاً» في مواجهة الهجوم الذي ينفذه انفصاليو الطوارق من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد المولود قوله أثناء زيارة إلى باريس، «سيسقط النظام عاجلاً أم آجلا. سيسقط، فليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد لاستعادة أراضي أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم الآخرين (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) على باماكو ومدن أخرى». أضاف «لن يتمكّنوا من الصمود».

وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس».

إلى ذلك، حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في أقرب وقت ممكن» عقب الهجمات المنسقة التي وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الوضع الأمني لا يزال متقلباً، وإنه ينبغي على المواطنين الفرنسيين البقاء في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم، إلى أن يغادروا البلاد.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

وأوصى تحديث الوزارة بشأن نصائح السفر إلى البلد الواقع في غرب أفريقيا بعدم زيارة مالي.

وهاجم متمردو الطوارق و جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا» القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو في الهجمات التي وقعت يوم السبت، كما طردت القوات الروسية التي تدعم القوات الحكومية من بلدة كيدال الاستراتيجية في الشمال.

وتوعد زعيم الحكومة العسكرية في مالي أمس الثلاثاء «بتحييد» المسؤولين عن ذلك.