مفتي فلسطين: الحرب المسعورة على الأقصى أعظم شاهد على العداء للإسلام

الشيخ حسين قال لـ«الشرق الأوسط» إن محاربة «داعش» تكون بالتصدي لفتاويه الضالة

الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)
الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)
TT

مفتي فلسطين: الحرب المسعورة على الأقصى أعظم شاهد على العداء للإسلام

الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)
الشيخ محمد أحمد حسين مفتي فلسطين («الشرق الأوسط»)

قال الشيخ محمد أحمد حسين، مفتي فلسطين، إن «محاربة أفعال تنظيم داعش تكون بالتصدي المستمر لفتاويه (الضالة)، وتوضيح فكره المتطرف». وأكد في حوار مع «الشرق الأوسط»، على هامش مشاركته في مؤتمر إسلامي عقد بمصر مؤخرًا، أن «أعظم شواهد العداء للإسلام هي (الحرب المسعورة) على أرض الأقصى، وأن الدفاع عن القدس ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل الأمة العربية والإسلامية»، لافتا إلى أن «اصطفاف الأمة يحطم أحلام إسرائيل ويفشل مخططاتها في هدم المسجد الأقصى».
وأوضح الشيخ حسين، خطيب المسجد الأقصى، أن تسويق التطرف والعنف من طرف متشددين من العالم الإسلامي لنشره داخل المنطقة العربية، يخفي إرهاب إسرائيل تجاه الفلسطينيين وتجاه العالم العربي والإسلامي أجمع، لافتا إلى أن التعصب الأعمى للجماعات، التي تنسب نفسها زورا للإسلام، يضر بالدين الإسلامي ويجر على المسلمين الويلات، وأن عنف بعض المسلمين يخدم أعداءنا.
وفيما يلي أهم ما جاء بالحوار:
* وجهت اتهامات كثيرة للشعوب الإسلامية عقب حادث تفجيرات فرنسا بأنها منبع الإرهاب والتطرف.. ما رأيك؟
- العالم الإسلامي كله أدان تفجيرات باريس، وأعرب عن رفضه لأي إرهاب يطول أي منطقة في العالم، لكن التطرف وما ينشأ عنه من إرهاب ليس عند المسلمين فقط، بل إنه يطال أيضا بعض الدول غير المسلمة التي يوجد فيها تطرف وإرهاب.. وبالعودة للتاريخ، فإن منظمة «السيكاري» تعد أول منظمة إرهابية عرفها التاريخ، وقد شكلها بعض المتطرفين اليهود من طائفة «الزيلوت»، الذين وفدوا إلى فلسطين في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، بهدف إعادة بناء الهيكل الذي عرف بالمعبد الثاني.
* في تصورك كيف نحارب الفكر المتطرف على أرض الواقع، خصوصا بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم على يد «داعش»؟
- محاربة هذا الفكر التكفيري المتطرف يتم من خلال تكثيف جهود العلماء في العالم الإسلامي لشرح وتوضيح خطورة هذه الأفكار على الشباب، وجميع أفراد المجتمع، والعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة، والتصدي المستمر للفتاوى «الضالة» والأقوال الباطلة التي يستند عليها التنظيم الإرهابي لتوضيح كل ما هو مناف لهذا الدين من فكر متطرف.
* هل العالم الإسلامي يواجه حروبا كثيرة الآن.. وما هي أنواعها؟
- نعم نواجه حربا الآن، ولعل من أنواع الحرب التي تواجه الإسلام هو التطرف والعنف والغلو، ويمثلهما فريقان متناقضان، أحدهما يقف في صف العداء المعلن للإسلام والتعصب ضده، والثاني يمثله بعض المسلمين، الذين يقودهم الحرص المفرط والتعصب الأعمى إلى حمل أفكار تضر الإسلام أكثر مما تنفعه، وتجر عليه الويلات الجسام جراء الانغلاق وقصر النظر، وللفريقين أعمال وأقوال تعبر عن منحى التطرف الذي يرفضه الإسلام جملة وتفصيلا. والناظر في حال الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، يجد فيها تطرفا وغلوا من جهة، وتفريطا وتساهلا من جهة أخرى.
* هل يختلف برأيك الإرهاب المنتشر في العالم الآن عن الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين العزل؟
- بالفعل.. فما تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني لا يقل خطرا عن الإرهاب الذي ترتكبه الجماعات الإرهابية في العالم، وفي مقدمتهم «داعش». ولذلك يجب على الأمة العربية والإسلامية أن تدرك خطورة ما تقوم به إسرائيل، على اعتبار أن الواجب الديني يحتم على الأمة الدفاع عن المقدسات الدينية، والعمل على تحريرها، وعدم تركها في أيدي الإسرائيليين وحيدة للهجمات الشرسة التي يرتكبها اليهود. ولذلك، فإن تسويق العنف والتطرف من خلال عناصر متشددة تنتمي للعالم الإسلامي والدول العربية يخفي إرهاب إسرائيل تجاه الفلسطينيين.
* برأيك.. ما الذي ترمي إليه إسرائيل من حفرها تحت المسجد الأقصى؟
- المحاولات الإسرائيلية تسعى لفرض سيطرتها كأمر واقع، وذلك من خلال تغيير الحقائق وطمس المعالم الدينية التاريخية والمقدسات الإسلامية المقدسة، ولذلك يجب على الأمة أن تصطف جمعاء وأن يوحدوا كلمتهم، لأنه بوحدتهم تفشل مخططاتهم، التي تهدف إلى تزييف التاريخ والحضارة الإسلامية وطمس ثقافتها.
* وماذا عن دور مصر في مساندة القضية الفلسطينية؟
- تربط مصر بفلسطين علاقة قوية أصيلة، وعلاقتها تعود إلى سنوات بعيدة، وإن واجهت الحكومتان اختلافات على المستوى السياسي، لكن في وقت الشدائد نجد أن مصر هي أول من يساند الدولة الفلسطينية.
* نعود لمشهد العداء المعلن الآن ضد المسلمين عقب تفجيرات فرنسا.. ما هي شواهد التطرف الحاضرة ضد بعض الدول المسلمة؟
- من أعظم الشواهد على العداء المعلن للإسلام من قبل جماعات التطرف، هناك الحرب المسعورة على أرض فلسطين ومقدساتها وأهلها، خصوصا المسجد الأقصى، الذي يتعرض الآن إلى حملة متلاحقة من الممارسات المعادية التي تستهدف تغيير معالمه الإسلامية، وتجزئته وشرعنة وجود غير المسلمين فيه، وقد تصل الأمور إلى تدميره بفعل الحفريات الواسعة تحته، إضافة إلى محاولات كثيرة للنيل منه، يهدد بها بين الحين والآخر أشخاص وجماعات من أهل التطرف اليهودي، ولم يبتعد عن الحقيقة وزير الخارجية الفلسطيني الدكتور رياض المالكي، حين حذر من قبل أنه إذا لم يتحرك المسلمون لإنقاذ المسجد الأقصى، فلن يبقى للمسلمين أقصى بعد 6 أشهر، وتصريح من مسؤول بهذا المستوى لا يصدر من فراغ.. وإنما من حقيقة يلمسها ويشاهدها بأم عينه.
* ما هي في رأيك أسباب التطرف لدى بعض الجماعات المحسوبة ظلما على الإسلام؟
- الجهل وعدم معرفة حقيقة الدين ومقاصده، فبعض قادة هذه الجماعات والتنظيمات يظن نفسه من أهل العلم والاجتهاد، وهو لا يعرف إلا «نتفا قليلا» من هنا وهناك، ويجهل الكثير، ولا يعرف طرق الترجيح بين المختلفات، فيعتد برأيه ويفسد أكثر مما يصلح، فضلا عن تمسك هذه الجماعات الإرهابية بحرفية النص دون فهم فحواه ومعرفة مقصده، والاشتغال بالمسائل الجزئية عن المسائل الكبرى التي تهم الأمة.
* وهل هناك أسباب داخلية وخارجية لذلك؟
- نعم.. الأسباب الداخلية تنحصر في الظلم الاجتماعي البين في بعض المجتمعات المسلمة، حيث نرى التفاوت الطبقي الفاحش بين فئات المجتمع، وما ينتج عنه من حقد اجتماعي، وضعف الثقة بالعلماء الرسميين في الدول، فيعمد البسطاء إلى تلقي العلم عن أنصاف المتعلمين، أو عن طريق الكتب الصادرة عن أشخاص وجماعات متشددة، بسبب فقدهم الثقة بالعلماء الرسميين، فضلا عن أن بعض الدول الإسلامية قامت بمصادرة حرية الدعوة إلى الإسلام باعتباره عقيدة ونظام حياة، ووقفت في وجه الدعاة، وكان هذا الضغط على الدعاة من أبرز الأسباب التي دعت إلى التطرف، وكذا ازدراء الدين عبر وسائل الإعلام.
أما الأسباب الخارجية فتتمثل في أن ما لقيه العالم الإسلامي وما زال يلقاه من هجمة شرسة على أوطانه ومقدساته، اتفقت عليها القوى غير الإسلامية العالمية، ولا شك أن ذلك له أثر كبير على شعور المسلم الغيور على دينه وأرضه ومقدساته.. فيلجأ البعض للعنف بسبب ذلك.
* ومتى نحكم على العمل بأنه تطرف وأن صاحبه إرهابي؟
- الحكم على العمل بأنه تطرف أو أن الشخص متطرف باب خطير لا يقدر عليه إلا علماء الدين، الذين يدركون حدود هذا العمل ويعلمون أبواب العقيدة وفروعها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، لذلك فإن المقياس في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة، وليست الأهواء والأعراف.
* وكيف نحمي الأمة من الإرهاب برأيك؟
- علاج التطرف والإرهاب لا ينفك عن معرفة الأسباب وتشخيص حالاته، ويشترك في هذا العلاج المجتمع بشرائحه، وبخاصة الشباب، فتطرف بعض المسلمين وغلوهم يخدم أعداء الإسلام، والتعصب للرأي أو لجماعة أو طائفة أو حزب، هو الصورة الشاهدة على التطرف، الذي يقف وراء تشويه صورة الإسلام، وهي على هذا النحو المشوه من قبل بعض من يظنون أنهم يبذلون الجهد لخدمته والدعوة إليه، لكن يخونهم التوفيق في اختيار الأساليب السوية، فيلوذون إلى خيمة التعصب التي تمنعهم من بلوغ بعد النظر في الدعوة، ويختارون المغالاة منهجا والتطرف أسلوبا، فتكون النتائج خرابا طاما وطعنا للإسلام في الصدر والظهر، من حيث يظنون أنهم يخدمونه ويعملون من أجل رفع رايته.
والتطرف الداخلي لا يقل خطره كثيرا عن الخارجي في استهداف الإسلام وإعاقة الدعوة إليه، ونشر المصاعب أمام إعطاء الصورة المشرقة عنه، حتى يميز الناس بين الخبيث والطيب عن بصيرة ورشاد.
* قلت إن محاربة التطرف مسؤولية المجتمع بأكمله.. كيف ذلك؟ وما هو دور علماء الدين وقادة الدول؟
- يتمثل دور المجتمع وقادة الدول والعلماء في محاربة التطرف بأن تكون الدساتير والقوانين التي تحكمهم معبرة عن معتقداتهم وقيمهم وتقاليدهم، ثم تتبعها مناهج التربية والتعليم والصحافة والإعلام، وأن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية تنسجم مع هذه المعتقدات وتخدم أهدافها، فضلا عن إحياء دور العلماء الراسخين والمصلحين في المجتمعات، ونشر العلم الشرعي، وتمكين أهل العلم من أهل الوسطية والاعتدال من علاج هذه الظاهرة بالمنهج العلمي السليم، بعيدا عن السطحية المتمثلة في الإدانة والشتم وكيل التهم، ونبذ أساليب العنف والتعذيب والتصفية الجسدية، وإحياء روح النصيحة، فالتطرف مصدره الفكر، ولذلك ينبغي أن يكون علاجه بالفكر والمجادلة بـ«التي هي أحسن»، وتجنب مقابلة التكفير بالتكفير، فلا يقابل التطرف الفكري بتطرف فكري مماثل.. ولا يواجه التعصب بالتعصب، وكذا محاربة الفقر والجهل والمرض، ومحاولة القضاء على الفوارق الاجتماعية الكبيرة، ومنح الفرص للناس على أساس العدل والمساواة.
وعلى علماء الدين بذل الجهود العلمية في بحث موضوع التطرف، وعقد الندوات والمحاضرات لتبيان أهمية الموضوع وحقيقته وضرره على حياة الناس، وتربية الأمة على منهج الوسطية تربية عملية شاملة، مما يقضي على الخلل الموجود في المجتمع المسلم من جهتي الإفراط والتفريط.
* وهل للشباب دور في مكافحة التطرف؟
- نعم، وذلك بتصحيح النظرة وتقويم الأفكار حتى يعرف الشباب دينهم على بصيرة، ويكون ذلك بسلامة المنهج في فهم الإسلام، وبالفقه الواعي لدين الله.. لا القائم على الفهم السطحي للنصوص الشرعية.



عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إيران «تستخدم لبنان ورقة ضغط» في إطار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب «حزب الله»، يشنان «حرباً عبثية» لن تؤدي أبداً إلى «النتيجة المرجوة».

وقال عون في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية إن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل هي من خلال المفاوضات، وعلى نتنياهو والإسرائيليين و(حزب الله) أن يفهموا أنهم يخوضون حرباً لا جدوى منها، وأن الاستراتيجية التي يتبعونها هي قصيرة النظر، وتؤدي إلى نتائج عكسية».

وشدد على أنه «لا يمكن التعامل مع (حزب الله) إلا محلياً، وهذا هو واجب الدولة والحكومة، إنما بشرط واحد وهو إزالة جذور أسباب وجود سلاحه؛ أي الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل».

وأعلن أنه «يرفض تماماً تصريح (الحرس الثوري) الإيراني الذي يملك تأثيراً كبيراً على (حزب الله)، لجهة عدم موافقتهم على الاتفاق وما حصل، وإنهم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية».

وأضاف: «سئمنا هذا الوضع منذ عام 1969، نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون عدم رؤية منازلهم تدمّر كل 5 أو 10 سنوات، لقد ملّوا وهم يعتمدون عليّ ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني وليسوا شعب (الأمين العام لحزب الله) نعيم قاسم».

وأضاف: «لدينا فرصة جيدة لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لدينا فرصة للشعبين اللبناني والإسرائيلي للعيش في حالة من الأمن والأمان. إنها فرصة هائلة وعليهما أن يختارا (نتنياهو وحزب الله): الحرب أو المفاوضات أو الدبلوماسية، والدبلوماسية هي أفضل طريقة. وكرجل عسكري، فإنني أفهم وقد عشت فظائع الحرب، وأفضل طريقة هي عبر الدبلوماسية، فالحروب بشكل عام، وعبر التاريخ، تنتهي بمنتصر ومهزوم أو من خلال المفاوضات، ولن يتمكن الطرفان من تحقيق أهدافهما من خلال الحرب».

وعن إمكان اقتناع «حزب الله» بالمفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، أعرب عون عن أمله في أن يتم إقناعهم في نهاية المطاف، لكنه أضاف: «إنما الثمن سيكون مرتفعاً للأسف. سأحاول، فليس هناك من مستحيل، وسأدفع نحو هذا الأمر».

وأوضح أن «رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد المفاوضات وإنهاء هذه الحرب، وقد سئم من الحرب بعد أن شاهد تدمير الجنوب، وأعتمد عليه».

أما عن تصريح «الحرس الثوري» الإيراني الذي أعلن فيه عدم موافقته على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، شدد عون على رفضه لهذا الكلام، وقال: «هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وواجبنا، وعملكم ليس التدخل في بلدنا، وأنا أرفض هذا التصريح بشكل تام، لأن شعبنا هو الذي يقتل، وبيوتنا هي التي تدمّر، هم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا أمر غير مقبول».


الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة اليمنية الجماعةَ الحوثية بالوقوف وراء اغتيال أحد أبرز المسؤولين التنمويين في البلاد، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لمكانة الضحية ودوره في إدارة واحد من أهم البرامج التنموية التي عملت لعقود على دعم المجتمعات المحلية، والتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية.

وجاءت هذه الاتهامات خلال مباحثات أجراها وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، حيث استعرض الوزير مستجدات التحقيقات المتعلقة باغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، والإجراءات التي نفَّذتها الأجهزة الأمنية منذ وقوع الحادثة. وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد الوزير اليمني أنَّ التحقيقات أسفرت عن ضبط عدد من المشتبه بهم، مشيراً إلى وجود أدلة قالت السلطات إنَّها تثبت تورُّط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ للجريمة، في تطوُّر يضيف بُعداً جديداً إلى الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والجماعة بشأن استهداف الكوادر المدنية والعاملين في المجالات الإنسانية والتنموية.

وبحسب وزارة الداخلية اليمنية، فإنَّ مسار التحقيقات قاد إلى نتائج وصفتها بالحاسمة، دفعتها إلى تحميل الحوثيين المسؤولية عن عملية الاغتيال التي استهدفت المسؤول التنموي البارز الذي كان يقود مؤسسةً لعبت دوراً محورياً في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان (إعلام حكومي)

وأبلغ الوزير السفير الأوروبي أنَّ الأجهزة الأمنية تواصل استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة وملاحقة المتورطين، مؤكداً أنَّ الجريمة لا يمكن فصلها عن المناخ الأمني المُعقَّد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

كما ربط حيدان بين هذه القضية، واستمرار الجماعة الحوثية في احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، عادّاً أنَّ تلك الممارسات تعكس نهجاً متصاعداً في التضييق على العمل الإنساني والتنموي.

وتنظر الأوساط الحكومية إلى الحادثة بوصفها ضربةً موجعةً للجهود التنموية في اليمن، لا سيما أنَّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يُعدُّ من أهم المؤسسات التي حافظت على نشاطها خلال سنوات الحرب، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر احتياجاً.

تعاون أمني مع أوروبا

جاء ملف الاغتيال ضمن مباحثات أوسع تناولت التعاون الأمني بين اليمن والاتحاد الأوروبي، حيث أشاد وزير الداخلية بالدعم الذي يُقدِّمه الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية، وبرامج بناء قدرات الأجهزة الأمنية.

وأكد حيدان تطلع وزارته إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية والتحديات الأمنية العابرة للحدود، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك لحماية المصالح المتبادلة وتعزيز الاستقرار.

من جانبه، جدَّد سفير الاتحاد الأوروبي دعم الاتحاد لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة باليمن، مؤكداً استمرار التعاون مع وزارة الداخلية في مختلف المجالات الأمنية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار. بحسب ما نقله الإعلام الرسمي.

ويأتي هذا الدعم في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد مزيد من المساندة الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، وسط استمرار الصراع وتراجع مستويات التمويل الدولي للبرامج الإغاثية والتنموية.

انتهاكات واسعة بحق الأطفال

بالتزامن مع الاتهامات الحكومية بشأن عملية الاغتيال، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً جديداً وثَّقت فيه ما قالت إنها «انتهاكات واسعة» ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق الأطفال منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية مارس (آذار) 2026.

ووفق التقرير، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة نحو 29 ألفاً و891 حالة، شملت القتل، والإصابة، والاختطاف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري للأطفال.

وأشار التقرير الحقوقي إلى مقتل أكثر من 5 آلاف طفل وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف وتشريدهم، بينما حُرم ملايين الأطفال من التعليم؛ نتيجة تداعيات الحرب وتحويل عدد من المدارس إلى مواقع عسكرية أو مراكز للتعبئة والتجنيد.

كما تحدَّث التقرير عن استمرار الحوثيين في تجنيد الأطفال وإشراكهم في العمليات القتالية، مؤكداً أنَّ هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، وداعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.


السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
TT

السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

بينما يُنظر إلى أزمة السيولة التي تواجه الحكومة اليمنية على أنها نقص في الأوراق النقدية، يرى خبراء اقتصاديون أن المستجد الأبرز يتمثل في اتساع الفجوة بين البنوك والسوق، مع استمرار تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية؛ الأمر الذي حدّ من فاعلية السياسات النقدية وأبقى الأزمة قائمة رغم الإجراءات الأخيرة للبنك المركزي.

وفي حين لم يعلن البنك المركزي اليمني، بشكل مباشر، عن قرارات لمعالجة الأزمة التي تواجه القطاع المصرفي وتلقي بآثار ثقيلة على الاقتصاد والسكان، فإن الإجراءات المتخذة من طرفه خلال الفترة الماضية، غير قادرة على إنهاء معاناة البنوك اليمنية في الحصول على الأوراق النقدية الكافية لإنجاز المعاملات اليومية.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل، موضحاً أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.

ويوضح الآنسي لـ«الشرق الأوسط» أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة.

تتصاعد المخاوف اليمنية من تأثيرات أزمات المنطقة على مستويات المعيشة (رويترز)

وتفرض البنوك حدوداً منخفضة على التحويلات وساعات عمل محدودة، في حين توفر شركات الصرافة خدمات أكثر مرونة وسرعة؛ الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي، وفقاً للآنسي.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انكماشاً حاداً ومستمراً خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025 (عقد الانقلاب الحوثي والحرب)، بانكماش وصل إلى نحو 43 في المائة، ووصل إجمالي الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني إلى أكثر من 126 مليار دولار، كما تنقل بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية.

أزمة بنيوية

خلال الأسابيع الماضية، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مع البنوك المحلية وبرنامج الغذاء العالمي، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد، وعدم القدرة على توفير السلع الأساسية للسكان.

ويرى عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن المشكلة تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً؛ إذ تفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة يمكن أن تستقطب السيولة المكتنزة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي ذات العوائد المناسبة، فضلاً عن تأثير الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب وأدى إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في هذه الأزمة التي تواجهها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية ويعيد إنتاج سلوكيات مالية مضطربة، ودفع السياسة النقدية إلى العمل في بيئة غير مكتملة السيطرة.

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط والتهديد وإيقاف حركة تصدير الوقود والغاز؛ ما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.

من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي اليمني عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج؛ الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بتدمير الاقتصاد واستهداف المنشآت الاقتصادية منذ بدء الحرب (أ.ب)

وطبقاً لما قاله الأثوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية أدى إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية، كما عمّق الانقسام السياسي والنقدي تشظي المنظومة المالية؛ ما عطل الدورة النقدية وأحدث اختناقاً في السيولة، رغم وجود أموال كبيرة خارج الجهاز المصرفي.

إجراءات غير مجدية

على الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.

ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي، كما يدعو إلى مراجعة بعض السياسات المتعلقة بتمويل الواردات لتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وطالب بتعديل القرار الملزم للمستوردين بتوريد 100 في المائة من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية لتخفيف الضغط عليها، منوهاً إلى أن البنك المركزي لا يستطيع إلزام البنوك بتجاوز ما يُعرف بمركز العملة؛ لأن البنوك لا تملك حق تغيير أموال المودعين من عملة إلى أخرى إلا بطلبهم.

على الرغم من تحسن سعر الريال اليمني فإنه يعاني ضعف القدرة الشرائية (أ.ب)

ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب.

من جهته، يدعو الأثوري إلى إصلاح الرواتب من خلال تدقيق القوائم الوظيفية وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ودمج جزء منها بالنظام المصرفي، والتحول للدفع الرقمي من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد، ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة.

ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.