تحقيق حاجةِ شعبٍ إلى الحقيقة يلزمها توفر أناس يحبون الحقيقة

سيمون فايل: فيلسوفة المصنع والشرط العمّالي

تحقيق حاجةِ شعبٍ إلى الحقيقة يلزمها توفر أناس يحبون الحقيقة
TT

تحقيق حاجةِ شعبٍ إلى الحقيقة يلزمها توفر أناس يحبون الحقيقة

تحقيق حاجةِ شعبٍ إلى الحقيقة يلزمها توفر أناس يحبون الحقيقة

عملت الفيلسوفة سيمون فايل (1909 - 1943)، أستاذة مبرزة في الفلسفة في التعليم الثانوي لمدة أربع سنوات، إلا أنها سرعان ما ستتخلى عن وظيفتها، بعد أن قررت أن تصبح عاملة في المصانع الفرنسيّة، بفضل أفكارها الماركسيّة (معادية للستالينيّة)، حيث تبدي دومًا تعاطفًا لا متناهيًا مع الفقراء والبسطاء الذين تقتسم معهم كل ما تملك، بما فيها أجرتها الشهريّة (قررت العيش بخمس فرنكات فرنسيّة في اليوم، وتودع ما تبقى من أجرتها الشهريّة في صندوق التضامن مع عمال المناجم). وكانت سيمون تلتقي مع العاطلين والعمال في المقاهي، وتمنحهم ثقافة عامة للالتزام السيّاسي. وأعطت دروسًا في الجامعات الشعبيّة (انخرطت بصدق في تحليل القضايا التي شغلت عصرها في المنابر التقدميّة).
تنتمي سيمون إلى عائلة يهوديّة - برجوازيّة، وهي أخت عالم الرياضيات أندري فايل، والتلميذة النجيبة للفيلسوف الفرنسي اللاّمع: الآن (إميل شارتييه)، الذي أثّر فيها تأثيرا بليغًا، واستلهمت منه أسلوبه في الكتابة والتعبير، وظلت وفيّة له ولروحه. وقد شجعها كثيرًا بمناسبة صدور دراستها «تأملات حول أسباب القمع والحرية»، معتبرًا إياها قلمًا واعدًا ونبراسًا للأجيال المقبلة.
لم تعمِّر العذراء الحمراء (كما نعتها الآن)، سوى أربعة وثلاثون سنة، كتبت خلالها ما يعادل خمسة وعشرين كتابًا - تشهد على أنها فيلسوفة متجذِّرة وشرسة بشكلٍ غير مسبوق - صدرت أعمالها كاملة عن دار غاليمار، في سبعة عشر جزءًا، موزعة على سبع مجلدات.
لم تكن فايل مجرد مدرِّسَة عاديّة تؤدي وظيفة مؤسساتيّة، بل كانت نموذجًا لفيلسوفة ملتزِمة بقضايا المضطهدِين الذين كافحت من أجلهم طوال حياتها، مناضلة نقابيّة وسياسيّة شاركت في حملات التضامن والإضرابات القطاعيّة (شاركت بقوة في الإضراب الشهير سنة 1936)، وجالست العاطلين والعمال وخبرت محنتهم، كما صادقت تلامذتها وأحبتهم بإخلاص، مما أتاح لها أن تضع أسسًا جديدة لتربية تقوم على التمرُّد على الجاهز والمألوف. والتحقت بالمقاومة الإسبانيّة سنة 1936 إبان الحرب الأهليّة لمواجهة انقلاب فرانكو الفاشي.
وُسِمت فايل بكونها الفيلسوفة الروحانيّة أو الفيلسوفة الماركسيّة ذات النفحات الصوفيّة، غير أن ما آل إليه فكرها، في السنوات الأخيرة من حياتها، ما بين 1940 و1943، كان أقرب إلى الفلسفة الصوفيّة منه إلى الماركسيّة. ولنا شهادة في رسالة من تروتسكي إلى فيكتور سيرج يوم 30 يوليو (تموز) 1936، يدعوه إلى قطع العلاقة مع فايل لأنها لم تعد متحمسة للفكر الثوري، ولم تعد مناصرة لقضايا البروليتاريا (هذا النبي الأعزل بتعبير إسحق دويتشر، استقبلته فايل في منزل عائلتها في ديسمبر (كانون الأول) 1933. انظر: «سيمون فايل: حوار مع تروتسكي، 2014).
لا نجزم ما إن كانت حنة أرنت قد استعارت عنوان شرط الإنسان الحديث من سيمون فايل، التي تحدثت قبلها عن الشّرط العمّالي. ففي كتابها هذا، ترصد عذراء الفلسفة المعاصرة، مجموع الشروط التي تعاني منها اليد العاملة الصناعيّة في فرنسا. وقد مثل اقتحامها للعمل في المصانع، أقصى درجات الالتزام السيّاسي بقضايا المستغلين، حيث صار الاستغلال والاضطهاد ومختلف أنواع القهر والاستعباد المعاصر، عيشًا يوميًّا ملازمًا لها طوال تلك التجربة، أو ذلك «اللّقاء مع الحياة الحقيقيّة والفعليّة»، كما عبرت في رسالتها إلى تلميذة (الشّرط العمّالي، 20). ولهذا يعود لها الفضل في اختبارها حقيقة أفكار ماركس ومن تبعه في المذهب من مختلف المدارس، وما شعارها البرّاق إلا خير دليلٍ على ما خبرته: «الوحوش الثلاثة للحضارة البشريّة الراهنة، هي المال والتِقانَة والجَبر».
بدءا من سنة 1938، دخلت فايل في علاقات مع كثير من رجال الدّين، ومنهم تحديدًا جوزيف ماري بيرين (صاحبته ما بين 1940 – 1942). وقد أثّر فيها كثيرًا، ولعب دورًا في تجربتها الروحيّة التي طمستها طوال حياتها، ولم تظهر إلا من خلال رسائلها، بعد وفاتها (نتيجة نوبة قلبيّة قد يكون السّبب وراء معاناتها الطويلة مع مرض السّل). وقد سبق لفايل أن تحدثت عن الموت قبل وفاتها، «لقد فكرت في الموت في سن 14 بعد أن عشت شهورًا في الظلمات» (الرسالة الرابعة: السيرة الروحيّة - في انتظار الله). لهذا «امتنعتُ دائمًا، عن التفكير في حياةٍ مستقبليّة. وصرختُ دومًا أن لحظة الموت هي معيار وهدف الحياة» (الرسالة الرابعة)، لأن المستقبل في نظرها، «لن يجلب لنا أي شيء، ولن يمنحنا أي شيء؛ إننا نحن من يصنعه، من يمنحه كل شيء بما فيه حياتنا نفسها».
ليس لدينا دليل فيما إن كانت فايل قد التقت مع حنا أرنت، لكن من المؤكد أن بينهن علاقة فكريّة غير مباشرة، وبالقدر الذي نعرف أرنت كمناهضة للتوتاليتاريا وللفكر الجامد والوثوقي، ينبغي أن نعترف أن سيمون فايل، قد خطّت كلماتها القوية ضد الفاشيّة وضد الأنظمة الشموليّة، في «تأملات في قضايا الحرية والقهر الاجتماعي»، وفي «كتاباتها السياسية والتاريخية» التي جمعت فيما بعد. وعلى هذا الأساس، فإن فكر حنا أرنت الفلسفي، يلتقي مع فكر سيمون فايل في كثير من القضايا من قبيل: العنف، الشّر، الحريّة، الألم، الحقيقة، التجذّر، نقد التوتاليتاريا، المحبّة.. أي في مجمل قضايا السيّاسة والأخلاق والدين.
يمنح صدق فايل لكلماتها معاني خاصة جدًا، معاني نابِعة من عمق مأساتِها التي تعتبرها بمثابة بلاء عليها أن تتحمله حبًا في الله. وكما تقول في سيرتها الروحيّة: «تغيّرت حياتي لأول مرة في سفري إلى إيطاليا، حينما ركعت على ركبتي أمام الكنيسة» (في انتظار الله). غير أن هذا الحدث لم يكن وحده كافيًا لتفسير صلة فايل بالدين المسيحي، لأنها لم تمارس التدين يوما، واكتفت بالإيمان بالله ومحبته، لأن «الحب إلهي يحطم القلب الإنساني لما ينفذ إليه» (المعرفة الخارقة، 308). تلك المحبة التي «هي الله ذاته» (رسالة إلى الأب جو بوسكيه)، بالقدر الذي صارت فيه الطبيعة عند سبينوزا متوحدة في الله. لهذا: «خلَقَ اللهُ عن محبة ومن أجل المحبة. لم يخلُق اللهُ غيرَ المحبة ذاتها وغيرَ طُرُق المحبة. خلَقَ كلَّ أشكال المحبة. خلَقَ كائناتٍ قادرةً على المحبة من جميع المسافات الممكنة. أتى، هو نفسُه، لأنه لا أحد غيره قادر على القيام بذلك، إلى المسافة القصوى، المسافة اللانهائيّة. هذه المسافة اللانهائيّة بين الله والله، كآبة déchirement مُطْلَقة، ألمٌ لا يدانيه أي ألم» (الخبرة مع الله: حب الله والبلاء، ترجمة محمد علي عبد الجليل، معابر). وبهذا يكون الله «في جوهره، محبةٌ إلى درجة أنَّ الوحدانية التي هي تعريفه ذاته بأحد المعاني ليست سوى مجرَّد نتيجةٍ للمحبّة» (المصدر نفسه) وتضيف: «هناك شكلان من المحبة، اللقاء والانفصال. وهما ضروريان جدًا. وينطوي الاثنانِ على الخير نفسه، الخير الوحيد، المحبة. لأنه عندما يقترب شخصان ليسا صديقَينِ من بعضهما، لا يكون هناك لقاء. وعندما يبتعدان لا يكون هناك انفصال. هذان الشكلانِ حَسَنانِ أيضًا لاحتوائهما على الخير نفسه». (حب الله والبلاء).
كتبت أرنت عن المحبة في أطروحتها عن أوغسطين (1929)، لكنها لم تبلغ ما بلغته فايل من تعالٍ وتسامٍ يصير فيه البلاء والشر قدرًا لا مفر منه: «أعتقد أنَّ أصل الشرِّ، عند الجميع ربما، بل عند من أصابهم البلاء بصورةٍ خاصة، وخصوصا إذا كان البلاء بيولوجيًا، إنما هو حلم يقظة. إنه العزاء الوحيد، غِنى المبتلين الوحيد، العون الوحيد لحمل الثقل الرهيب للزمن؛ عونٌ بريء لا غنى عنه على أي حال. فكيف يكون ممكنًا الاستغناء عنه؟ ليست له سوى سيئةٍ واحدة، هي أنه غير واقعي. وعزوف المرء عنه حبًا بالحقيقة يعني حقًا تخلِّيه عن جميع ممتلكاته بدافع جنون الحب واتِّباع من كان الحقَّ بذاته». كل البشر يستسلم للشر عن غير وعي، مادام أنه لا يمكن أن يعيش وحيدًا في العالم، لأن هذا الأخير هو بوابة ومدخل وحاجز، وفي الوقت نفسه، جسر للعبور «ليس ضروريًا أن يقول المرء نعم للشر حتى يتملَّكه الشرُّ. ولكنَّ الخير لا يشغل النفسَ إلاَّ إذا قالت له نعم» وهكذا فـ«أقصى ما يمكن أن يفعله الكائن الإنسانيُّ، هو أن يحافظ في داخله على سلامة ملَكةِ قول نعم للخير» (رسالة إلى جو بوسكيه). وإذا كانت دعوة فايل هي الجرأة في قول «نعم للخير»، فإن دعوة أرنت لملايين الضحايا الذين قادهم بضع مئات من جنود النازيّة إلى المحرقة، هي قول: «لا»، لا للشر وللهمجية: «لماذا لا يستطيعون التمرد؟». ذلك هو السؤال الذي أحرق حنة وهي تبحث عن أصل الشّر، لا بما هو بلاء ميتافيزيقي يجد أساسه في القدر، وإنما بلاء بشري يعبر أيّما تعبير عن تصحر هذا العالم. فكل المآسي «التي يمكن أن نتخيلها تعود إلى مأساة واحدة: إضاعة الوقت»، لأن إنسانا يعيش وحيدًا في العالم، لا يمكنه أن يتمتع بأية حقوق لأن قدره هو الواجبات لا غير.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!