الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»

الكنيست يدرس ضمها.. ورام الله اعترفت بحق عمان.. ولكن ماذا بعد قيام الدولة الفلسطينية

الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»
TT

الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»

الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية.. «مفاوضات الظل»

«الحرم القدسي الشريف بأيدينا»، هذا ما أعلنه، موتيه غور، قائد اللواء 55، مباشرة بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي للمسجد الأقصى في يونيو (حزيران) عام 1967. لكن عمليا، بعد 47 عاما، تشرف المملكة الأردنية الهاشمية، على كل كبيرة وصغيرة ضمن 144 دونما، تضم الجامع القبلي ومسجد قبة الصخرة، وجميع مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها والأوقاف الموقوفة عليه أو على زواره.
ومنذ مبايعة مسؤولين فلسطينيين وعرب، للشريف الحسين بن علي الهاشمي، عام 1924، بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، رفضت المملكة الأردنية كل طلب أو محاولة أو سعي للتخلي عن هذا الدور، بل ظلت رعاية المملكة للمقدسات مطلبا ثابتا على الدوام؛ في ظل الحرب مع إسرائيل، وأثناء معاهدة السلام معها، وقبل وبعد فك الارتباط مع الفلسطينيين، وحتى بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة.
هذا الأسبوع فقط، أطلق نواب في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، تصريحات تهدد هذا الوضع، لأول مرة بشكل مباشر ومستفز، في خطوة قد تؤدي إلى تدهور كبير في العلاقات الأردنية الإسرائيلية التي ظلت على المستوى الرسمي فاترة وعلى المستوى الشعبي باردة.
صحيح أن الكنيست لم تصوت على قرار قدمه النائب اليميني المتطرف موشيه فيغلين، لنقل السيادة على المسجد الأقصى من الحكومة الأردنية إلى الحكومة الإسرائيلية، لكنه على الأقل أخضع الأمر للنقاش، ووعد رئيس الكنيست يولي أدلشتين بالتصويت على الأمر مرة ثانية في وقت غير محدد، لحين التوصل إلى صيغة متفق عليها.
وأعطى النقاش في الكنيست مؤشرا لما يفكر فيه كثير من المسؤولين الإسرائيليين، «حين نهرب عن جبل الهيكل (الأقصى) فإننا نفقد شرعية وجودنا في تل أبيب، لا معنى لوجودنا هنا من دون هذا المكان»، قال فيغلين الذي طالب بفرض سيطرة إسرائيلية كاملة على الأقصى بدل السيادة الأردنية عليه، والسماح لليهود بالوصول إلى المكان والصلاة فيه في أي وقت ودون رادع. أيد أعضاء كنيست مقترح فيغلين، ورد عليه آخرون باتهامه أنه يخرب العلاقات بين إسرائيل والعرب.
وقالت النائبة في الكنيست، والناطقة السابقة بلسان الجيش الإسرائيلي، ميري ريغيف، «مصير الأقصى يجب أن يكون مثل مصير الحرم الإبراهيمي في الخليل، يجب تقسيم المكان بين المسلمين واليهود».
وتساءلت «لماذا يستطيع المسلمون الصعود إلى هناك والمناداة باسم الله ولا نستطيع نحن اليهود». وأردفت «سنجد أنفسنا من دون بيت إذا استمر ذلك».
هذا ما يريده الإسرائيليون في هذه المرحلة، الصلاة في المسجد الأقصى، وعلى المدى البعيد لا يخفون أن مكان المسجد يجب أن يعيدوا بناء «الهيكل»، لكن للأردن حسابات أخرى، فالمسألة ليست صلاة وحسب، وإنما دينية وتاريخية وسيادية وسياسية ومالية كذلك.
لكن لماذا الأردن تحديدا؟
قد يكون من البديهي أن تصبح الدولة التي تحتل القدس (إسرائيل) هي المسؤولة المباشرة عن المقدسات التي تقع تحت سيطرتها، وربما يعتقد البعض أن ذلك الدور منوط الآن بالسلطة الفلسطينية التي تشرف على باقي المساجد والمؤسسات في المدينة المقدسة والضفة الغربية، لكن واقع الأمر مختلف تماما، فالذراع الطولى للمملكة (الأوقاف الإسلامية) هي التي تقرر في كل كبيرة وصغيرة داخل أسوار المسجد الأقصى.
بدأت السيادة الأردنية على الأقصى منذ بيعة الشريف، عام 1924، وتنقلت في سنوات لاحقة لقيادات محلية فلسطينية، لكن بعد حرب عام 1948، وعندما أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تابعة للحكم الأردني، عادت الوصاية أردنية بلا منازع، وأعلن الحاكم العسكري الأردني استمرار سريان القوانين والتشريعات الأخرى المطبقة في فلسطين دون أن تتعارض مع قانون الدفاع عن شرق الأردن لعام 1935.
وبعد عام واحد، في 1949، أعادت الإدارة المدنية الأردنية نظام الحكم المدني إلى الضفة الغربية بموجب قانون الإدارة العامة على فلسطين، وفي عام 1950، تم توحيد الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن رسميا، كما تم التأكيد على استمرار سريان القوانين السارية المفعول في الضفة الغربية في نهاية فترة الانتداب البريطاني إلى حين استبدالها بقوانين أردنية.
وظل ذلك ساريا حتى 1967، عندما احتلت إسرائيل القدس (الشرقية). غير أن هذا الاحتلال لم يمنح إسرائيل أي حقوق ملكية، لأن القاعدة المؤسسة جيدا في القانون الدولي تنص على أن الاحتلال لا يستطيع منح حقوق للملكية، ولمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ووجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو (حزيران) 1967 كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 242، وبناء عليه، وبعد مرور مدة قصيرة من سيطرة إسرائيل على الحرم القدسي الشريف، تم نقل السيطرة إلى الأردن مجددا.
ولم يتخل الأردن أصلا عن دوره التاريخي، ولم يسلم بالاحتلال على المدينة، ولا بحقه في السيادة على المقدسات، بل أكد على دوره في رعاية هذه المقدسات، في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وقعت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، لكن الصراع الخفي على المقدسات والقدس، والضفة الغربية كلها، كان قد اشتعل قبل ذلك بكثير، بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي ناضلت لعشرات السنين من أجل فك الارتباط مع الأردن باعتبارها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، الضفة، القدس، قطاع غزة، والشتات.
قاوم الأردن ذلك بكل قوة، حتى اتخذ الملك الراحل حسين بن طلال قرارا كان مؤلما له شخصيا، بفك الارتباط عام 1988 مع الضفة الغربية إداريا وقانونيا، وتم ذلك بطلب من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي أعلن في نفس الوقت قيام دولة فلسطين، لكن العاهل الأردني صعب المراس، لم يفك الارتباط أبدا مع المقدسات.
أعطى عرفات للملك حسين حق الوصاية على المقدسات بشكل شفوي، قبل أن يعطي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، العاهل الأردني عبد الله الثاني هذا الحق باتفاقية مكتوبة في نهاية مارس (آذار) من العام الماضي.
وقالت مصادر فلسطينية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» إن «اتفاقية الدفاع عن المقدسات كانت بطلب مباشر من العاهل الأردني الملك عبد الله شخصيا للرئيس الفلسطيني». وأضافت «طلب العاهل الأردني توقيع صك مكتوب بعد قليل من حصول فلسطين على اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية». وربما أراد الملك الأردني قطع الشك باليقين وتأكيد أن لا تغيير قانونيا حصل أو سيحصل على وضع المقدسات.
كيف وقع أبو مازن
في 31 مارس (آذار) عام 2013، حطت طائرة أردنية خاصة بشكل فجائي في مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، وكان الهدف نقل الرئيس الفلسطيني إلى عمان ليوقع اتفاقا مهما، ثم إعادته إلى رام الله بعد ساعات قليلة.
حصل ذلك من قبل مرة واحدة عندما هدد أبو مازن بحل السلطة، فوصلت طائرة عسكرية أردنية على عجل من أجل مباحثات مصيرية.
ذهب عباس وعاد في نفس اليوم بعد توقيع اتفاق يفوض الأردن في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس الشرقية المحتلة، التي تنادي بها السلطة عاصمة للدولة الفلسطينية.
في ذلك الوقت أثارت هذه العجالة في التوقيع، تساؤلات شتى حول أهمية هذا الاتفاق وتوقيته وتبعاته القانونية والسياسية، خصوصا بعد حصول فلسطين على دولة غير عضو في الأمم المتحدة، ولأنها تحول اتفاقا شفويا سابقا إلى اتفاق مكتوب للمرة الأولى.
يقول وزير الأوقاف الفلسطيني، محمود الهباش، إن الاتفاق كان دينيا صرفا ولا يحمل أي أبعاد سياسية مطلقا. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق أكد شيئا كان قائما منذ سنوات. منذ عام 1967 منذ احتلت إسرائيل القدس، احتفظ الأردن بمسؤوليته عن الأوقاف الإسلامية والمقدسات، وعندما قرر الملك الراحل الحسين بن طلال فك الارتباط (في عام 1988)، ظل (هذا الأمر) قائما، وبموافقة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثل الشعب الفلسطيني، والاتفاق الأخير يؤكد ذات المضامين وذات الإبعاد. لم تغير شيئا ولم تضف شيئا جديدا».
أما لماذا مكتوب، فقال الهباش «إن الاتفاق كتب من أجل تشكيل غطاء قانوني للطرفين وحتى يتمكن الطرفان من التحرك معا، وبشكل مشترك، لحماية القدس عبر المؤسسات الدولية».
وردا على سؤال لماذا بعدما تحولت فلسطين إلى دولة قادرة على التحرك، أوضح الهباش: «للأردن وضع مختلف، نحن لا نتحرك في ظروف طبيعية مواتية، صحيح الدولة اعترف بها العالم، لكنها لم تتجسد على الأرض، ولا نريد أن نعطي ذرائع للاحتلال بالتنكر للحق الفلسطيني مثلما يتنكر للدولة».
ولم يجد الهباش تناقضا بين مبايعة الملك الأردني مجددا على المقدسات، والقول إن السيادة على المكان، فلسطينية، وقال: «الاتفاق ضمنيا يؤكد روح ما اتفق عليه عام 1988 باستمرار الإشراف الأردني على القدس، حتى تحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطين لترد هذه الأمانة إلى الدولة الفلسطينية».
لم يسلم الأمر من انتقادات فلسطينية داخلية، واتهامات لأبو مازن بالتخلي عن دوره في المكان الأهم على الإطلاق «العاصمة»، لكنه عقب لاحقا بشكل مختصر، «منذ عام 1988، اتفقنا على أن مسؤولية الأوقاف الإسلامية تتبع الأردن، وهي في الأصل كذلك، وإن الأردن سيستمر في تحمل مسؤولياته وهو مستمر في ذلك إلى الآن، والسيادة لنا على كامل الأرض الفلسطينية، وهذا لا نقاش فيه».
لم تعقب إسرائيل التي كانت على علم بالاتفاق وكأن الأمر لا يعنيها آنذاك. لكن مسؤولين أعادوا التركيز مؤخرا على ما وصفوه بـ«سياسة الصمت والتستّر في جميع أروقة الجهات الرسمية تجاه الوضع القائم في المسجد الأقصى».
وترجم ذلك بنقاش الكنيست الأخير والمتواصل الذي رد عليه البرلمان الأردني بالتوصية بالإجماع على طرد السفير الإسرائيلي من عمان في الوقت الذي هدد فيه رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور بإلغاء معاهدة السلام بين البلدين.
صحيح أن ثمة أطماعا ورغبات مختلفة تجاه الأقصى، ولكن على الأرض، يضع الأردن اليوم قوانينه الخاصة التي لا يخرقها سوى القوة الإسرائيلية عبر اقتحامات متكررة للمكان. يكلف المسجد الأقصى، وزارة الأوقاف الأردنية، كل عام نحو سبعة ملايين دينار أردني، إضافة إلى تكلفة مشاريع المبادرات الملكية التي يتم تنفيذها لإعمار وترميم المسجد الأقصى المبارك ومرافقه المختلفة والتي تزيد على 3.5 مليون دولار بتبرع شخصي من الملك عبد الله الثاني، ومن بين الأماكن التي تشرف عليها الأوقاف الأردنية، عشرات المدارس التابعة للمسجد.
«لا أحد يمكن له أن يغير الأمر الواقع في هذه المرحلة» قال مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط». وأضاف «وحده قيام دولة فلسطينية بشكل واقعي يمكن أن يغير هذه الأمر». لكن شكل الاتفاق بين الأردن والسلطة في حال قيام الدولة حول المسجد يبقى غامضا. وقال المسؤول إن ثمة سيناريوهات مختلفة للتعاون، أهمها قيام كونفيدرالية بين فلسطين والأردن.
وفي مرات سابقة، ناقش الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع العاهل الأردني مسألة الكونفيدرالية هذه، ورد الملك «في حالة قيام الدولة الفلسطينية لكل حادث حديث».
لمحات تاريخية:
حول تاريخ هذه الوصاية، يقول الأمين العام للجنة الملكية لشؤون القدس، عبد الله كنعان، إنها انطلقت عام 1924، حينما أرسل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين الحاج أمين الحسيني رسالة إلى الأمير عبد الله بن حسين طالبا منه أن يكون وصيا ومشرفا على عمارة المقدسات الإسلامية في القدس، وصيانته من الأخطار المتراكمة من جراء طول الزمن وغياب الأسس الهندسية الصحيحة في الإعمارات السابقة حيث تبرع بـ38 ألف ليرة ذهبية من ماله الخاص إضافة إلى تبرعات قدمت من العراق والهند وعدد من الدول الإسلامية.
ويشير كنعان لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه كان يجري التنسيق في أعمال الإعمار بين الحاج أمين الحسيني والأمير عبد الله بن الحسين الذي كان أميرا على إمارة شرق الأردن من خلال رسائل متبادلة بين الطرفين، ويوجد بعض هذه الرسائل في أرشيف لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة.. ثم انتقل هذا الدور من الشريف الحسين بن علي إلى ابنه الملك عبد الله ثم إلى الملك الراحل الحسين بن طلال واستمر إلى عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين.
فالدور الأردني الهاشمي في الحفاظ على المسجد الأقصى المبارك وحماية مقدساته وإعمارها وصيانتها قد مرّ بمراحل طويلة زادت على الثمانية عقود، وهو مستمر رغم الظروف السياسية الصعبة والمعقدة. أما بالنسبة إلى المقدسات المسيحية فقد منح الهاشميون خلال فترة حكمهم للضفة الغربية من 1967 - 1952 الحرية المطلقة للطوائف المسيحية المختلفة لصيانة وإعمار كنائسهم وأديرتهم. وتم إعمار كنيسة القيامة خلال العهد الهاشمي وقبل الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967 إعمارا شاملا شمل القبة والجدران.
ويقول مراقبون إن الأردن لا ينظر للقضية الفلسطينية والقدس على أنها قضية قومية أو قضية تخص طرفا دون آخر، فهي قضية وطنية أردنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأمن الوطني الأردني. ولم يكن قرار الأردن بفك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية باستثناء القدس والأماكن والمقدسات الإسلامية في الضفة الغربية إلا لسحب البساط من تحت أقدام جميع الراغبين في اللعب على التناقض الفلسطيني - الأردني، بشأن السيادة على الضفة الغربية والقدس وصد الأبواب أمام كل الساعين إلى توريط الأردن في تسويات بدلا من الفلسطينيين، ويعزز الثقة بين القيادتين الأردنية والفلسطينية ويؤسس لعلاقات أردنية - فلسطينية متكافئة وأخوية لها صفة الديمومة والسعي نحو علاقة مؤسسية مستقبلية بين شعبي البلدين وبملء إرادتهما الحرة، ويلغي إلى الأبد فكرة الوطن البديل. وقد استثنيت القدس من قرار فك الارتباط القانوني والإداري حفاظا على أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية وتجاوبا مع واجب الهاشميين التاريخي في الوصاية على هذه المقدسات ورعايتها وهو ما كرسته اتفاقية الوصاية التي وقعها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس في مارس العام الماضي لتكريس شرعية وقانونية هذه الوصاية الممتدة عبر التاريخ.
وقد حظيت القدس والمسجد الأقصى المبارك برعاية خاصة من الهاشميين من خلال أربعة إعمارات متميزة وعظيمة للمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة في إطار عنايتهم الشاملة للمدينة المقدسة. ويعزز الإعمار الهاشمي في المدينة الهوية العربية الإسلامية لها في شقيها العمراني بإعادة بناء واستدامة المقدسات فيها وتقديم الدعم المالي والمعنوي بما يسهم في الإبقاء على أهلها صامدين.
فكانت الصناديق الهاشمية ولجان الإعمار الموجهة لهذه الغاية دلائل على نهوض القيادة الهاشمية بدورها الديني والتاريخي في استكمال مسيرة العهد والولاء لمدينة المساجد.
ويرى كنعان أن الدوافع الداخلية الأردنية والفلسطينية التي أملت هذه الاتفاقية من خلال تبديد الشكوك المتبادلة لدى الطرف الفلسطيني والأردني من خلال ضم كل منهما عضوا من الطرف الآخر في مفاوضاته مع إسرائيل التي كانت تعمل على الدوام على زرع الشكوك واستنبات عدم ثقة كل طرف بالآخر.
- رفض الأردن أن يكون بديلا للفلسطينيين في مفاوضات السلام ومقاومته بنجاح لكل محاولات استدراجه إلى الفخ الإسرائيلي بإغرائه باستعدادها لإعادة أجزاء من الضفة الغربية إليه ليكون الدرع الأمني لها في مواجهة الفلسطينيين.
- رفض الطرف الفلسطيني شعبا ومنظمة وفصائل كل محاولات إسرائيل لاستدراجه إلى الفخ الإسرائيلي من خلال مغريات الوطن البديل.
- امتناع الأردن على اللعب على الخلافات الفلسطينية الفلسطينية وانتهاجه سياسة تصالحية على صعيد الداخل الفلسطيني والعمل على إقناع الوسيط الأميركي والإدارات الأميركية المتعاقبة بأن مصالحها الحيوية الإقليمية والدولية تقتضي منها الضغط على إسرائيل لتمرير حل الدولتين بدولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كاملة وقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير. إذ إن الإدارات الأميركية على قناعة تامة بتشخيص الملك عبد الله الثاني لأم المشكلات وهي القضية الفلسطينية والطريق الموصل إلى حلها لا يمكن له أن يتعدى إقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية. كل هذه العوامل ساهمت في تبديد شكوك كل طرف بالآخر وعززت الثقة المتبادلة بين الطرفين وفتحت الطريق أمام تنسيق كامل لسياسة البلدين تجاه القضية الفلسطينية ودولتها المنتظرة، الأمر الذي بلغ قمته في توقيع هذه الاتفاقية.
ويضيف كنعان أن الأردن أثبت من خلال استثنائه للمقدسات الإسلامية وفي مقدمته المسجد الأقصى بمساحته الكاملة (144) دونما بأنه قادر على الحيلولة دون تمكن إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، من وضع يدها على الأقصى والمقدسات الإسلامية وإلحاقها بوزارة الأديان الإسرائيلية. وهو قادر على الاستمرار في أداء واجبه الوطني والقومي والإسلامي نحوها لا سيما إذا تلقى الدعم اللازم من الأشقاء العرب والمسلمين ومن محبي السلام على الصعيد الدولي.
ويرى كنعان أن تراجع الكنيست عن مناقشة سحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، جنب إسرائيل ليس غضب المسلمين والمسيحيين فقط بل غضب المجتمع الدولي والدول الكبرى بالذات التي تحاول جاهدة عقد اتفاقية سلام دائم بين العرب وبينها من خلال قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وأعرب كنعان عن أسفه بسبب التقصير العربي والإسلامي تجاه القدس وفلسطين.. متسائلا: أين تنفيذ قرارات القمم العربية والإسلامية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وبالقدس والمقدسات بالذات، مشيرا إلى أن الملايين التي تم تخصيصها من أجل القدس في قمة سرت والبالغة 500 مليون دولار لم يصل منها إلا نحو 40 مليون دولار أما المليار دولار التي خصصتها قمة الدوحة الأخيرة «فلا ندري كم وصل منها».

* نص اتفاقية الدفاع عن القدس
* نص اتفاقية الدفاع عن القدس والمقدسات بين رئيس دولة فلسطين محمود عباس، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في 31 مارس (آذار) 2013:
يعمل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بصفته صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدسة في القدس على بذل الجهود الممكنة لرعاية والحفاظ على الأماكن المقدسة في القدس وبشكل خاص الحرم القدسي الشريف وتمثيل مصالحها في سبيل:
(‌أ) تأكيد احترام الأماكن المقدسة في القدس.
(‌ب) تأكيد حرية جميع المسلمين في الانتقال إلى الأماكن المقدسة الإسلامية ومنها وأداء العبادة فيها بما يتفق وحرية العبادة.
(‌ج) إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية وصيانتها بهدف:
(1) احترام مكانتها وأهميتها الدينية والمحافظة عليهما.
(2) تأكيد الهوية الإسلامية الصحيحة والمحافظة على الطابع المقدس للأماكن المقدسة.
(3) احترام أهميتها التاريخية والثقافية والمعمارية وكيانها المادي والمحافظة على ذلك كله.
(‌د) متابعة مصالح الأماكن المقدسة وقضاياها في المحافل الدولية ولدى المنظمات الدولية المختصة بالوسائل القانونية المتاحة.
(‌هـ) الإشراف على مؤسسة الوقف في القدس وممتلكاتها وإدارتها وفقا لقوانين المملكة الأردنية الهاشمية.
2 - 2 يستمر ملك المملكة الأردنية الهاشمية، بصفته صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدسة في القدس ببذل المساعي للتوصل إلى تنفيذ المهام المشار إليها في المادة 2 - 1 من هذه الاتفاقية.
2 - 3 تعترف منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بدور ملك المملكة الأردنية الهاشمية المبين في الفقرتين (1) و(2) من هذه المادة الثانية وتلتزمان باحترامه.
المادة الثالثة:
3 - 1 لحكومة دولة فلسطين، باعتبارها المجسدة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ممارسة السيادة على جميع أجزاء إقليمها بما في ذلك القدس.
3 - 2 يسعى ملك المملكة الأردنية الهاشمية، والرئيس الفلسطيني للتنسيق والتشاور حول موضوع الأماكن المقدسة كلما دعت الضرورة.
تم تحرير هذه الاتفاقية باللغة العربية وتوقيعها في العاصمة الأردنية عمان هذا اليوم الواقع في 19 جمادى الأول 1434 للهجرة الموافق لـ31 آذار 2013 ميلادية



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.