تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

أميركا تجني 350 مليار دولار منه في 2015.. وبكين تطمح إلى تجاوز «التريليون» في 2016

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه
TT

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

تتذبذب اقتصادات العالم جيئة وذهابا بسبب التباطؤ الذي طالها منذ سنوات، إلا أن «عالم الإنترنت» بأسواقه الافتراضية وحده كان كافيا لمعادلة الكفة نسبيا ومقاومة تراجع معدلات النمو الاقتصادي. فقد أصبح الإنترنت عنصرا حاسما في التقدم الاقتصادي لكثير من البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، في ما اعتبره محللون بمثابة «تنافس الند للند» خلال السنوات الخمس الماضية.
«عبر سور الصين العظيم نحو العالم أجمع»؛ كانت هذه أول رسالة بريد إلكتروني ترسل من الصين في عام 1987.. وبعد 25 عاما أصبحت هذه الرسالة حقيقة واقعة، حيث حققت صناعة الإنترنت في الصين تقدما ملحوظا على مدى السنوات الماضية، وسجلت الصين أكبر قاعدة مستخدمين للإنترنت حول العالم بما يبلغ 538 مليون مستخدم في عام 2012، ولا يوجد حد واضح لتوقعات هذا النمو المتزايد في استخدام الإنترنت داخل الصين. وكنتيجة لنمو هذه الصناعة اشتقت لفظة لغوية جديدة في أغلب اللغات لوصف شريحة جديدة من المتسوقين الذين لا يستطيعون مقاومة الفضاء الإلكتروني للإنترنت، وهي «مدمنو التسوق الإلكتروني».
ومع توسع استخدام الهواتف الذكية واستمرار تزايد استخدام الإنترنت، تكونت شريحة جديدة أيضا من الشركات التي تلبي حاجة السوق، فانتهزت الفرص لاتباع استراتيجيات نسخ وتقليد نماذج أعمال الشركات القائمة بالفعل. وبالتزامن حققت الشركات الصينية المسجلة حديثا معدلات نمو قوية بسبب تراجع الشركات الأجنبية التي كانت تواجه مشكلات مع الخصائص المحددة للغة الصينية في بادئ الأمر، ولأن الحكومة الصينية اتخذت تدابير منع الشركات الأجنبية خوفا من فقد السيطرة على الشبكة العنكبوتية والانتشار العشوائي للمعلومات، فقد أدت هذه الظروف مقترنة إلى اقتراب هذه التركيبة من الكمال لتطوير عمالقة الإنترنت في الصين.
ووفقا لتقرير مركز «آي بي آي إس» الدولي فإن الشركات الصينية اعتمدت في نجاحها على تكاليف رأس مال منخفضة وصغيرة الحجم، على عكس الشركات الدولية الكبيرة التي تحتاج مجموعات واسعة من الخدمات وتطوير للمنتجات، فأصبح الابتكار والاكتفاء بأقل قيم مالية من أهم أبعاد المنافسة.
وعلى الرغم من الأزمات المالية العالمية، نمت سوق الإنترنت بقوة.. وما زالت معظم المنتجات تباع على الإنترنت بأسعار أقل من سعرها المعروض في المحال، وهو ما يعود بحسب خبراء الاقتصاد إلى توفير عدد كبير من العوامل على فضاء الإنترنت؛ مثل أجور العمالة وإيجارات المحلات وخلافهما، ونتيجة لذلك تحولت الشركات إلى ضخ مزيد من السلع بأسعار معقولة على الإنترنت لتلبية العديد من مطالب المستخدمين.
وقد تمكنت الصين بنهاية العام الماضي من تصدر لائحة أكبر المسوقين على الإنترنت عبر الحدود، فيما جاءت الولايات المتحدة الأميركية («البلد المستورد من الصين» كما يطلق عليها بعض المحللين) في المركز الثاني، تليها المملكة المتحدة، ثم اليابان التي تتبادل المراكز مع هونغ كونغ في بعض الأحيان. ويرى مركز بوسطن للاستشارات أن التسوق الإلكتروني سيسهم بأكثر من 4.2 تريليون دولار في الناتج المحلي لدول مجموعة العشرين بحلول عام 2016.
وبين عشية وضحاها أصبحت الصين في المرتبة الأولى من حيث التسوق أيضا، حيث ارتفع عدد المتسوقين الصينيين عبر الإنترنت إلى 361 مليون متسوق في الربع الأول من العام الحالي، وهو ما يمثل 55.7 في المائة من إجمالي نسبة المتسوقين حول العالم، وقدر إجمالي إيرادات التجارة الإلكترونية الصينية في الفترة نفسها بنحو 439 مليون دولار، وفقا لتقرير الشبكة الحكومية لمعلومات الصين الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وأوضح التقرير أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة لتصبح أكبر سوق تجزئة في العالم على الإنترنت، كواحد من الإنجازات الاقتصادية الأساسية للتنمية في الصين خلال الخطة الخماسية رقم 12 (والخاصة بالأعوام 2011 - 2015).. و«تفوقت الصين في مبيعات الإنترنت على الولايات المتحدة في عام 2014.. أما في 2015، فقد تفوقت بضعفي مبيعات الإنترنت مقارنة بالعام الماضي»، وذلك وفقا لتقرير مكتب الإحصاء الوطني الصيني الصادر في أكتوبر الماضي.
ويأتي ذلك في وقت قدر فيه إجمالي مبيعات الولايات المتحدة من الإنترنت عبر الحدود بنحو 300 مليار دولار بنهاية 2014، بحسب مجلة «ستايستا» الأميركية.
وتعليقا على تقدم الصين، قال خبير الأمن السيبراني (شبكات الإنترنت) في معهد الصين الاستراتيجي للتنمية والابتكار، تشين آن، في تصريحات صحافية سابقة: «إن اتجاه الصين لتصبح رائدة العالم في التجارة الإلكترونية يأتي بفضل سياستها المواكبة للابتكار والتطوير والمؤسسات القادرة على المنافسة».
وبحسب المعلومات المتاحة، تمتلك الصين أكثر من 5 آلاف منصة للتجارة الإلكترونية عبر الحدود، وأكثر من 200 ألف شركة. وتعد التجارة الإلكترونية القوة الأكثر نشاطا من تجارة الواردات والصادرات الصينية، فقد بلغ إجمالي تجارة الاستيراد والتصدير الصينية 26.43 تريليون يوان (نحو 1.6 تريليون دولار) في 2014، فيما بلغ إجمالي مبيعات التجارة الإلكترونية في الفترة نفسها 3.75 تريليون يوان (590 مليار دولار)، دولار بما يشكل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وفقا لتقرير وزارة التجارة الصينية الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وبحسب وسيم أرساني، الرئيس التنفيذي لشركة «لينك»، لـ«الشرق الأوسط»، فإن الصين نقلت التجارة الإلكترونية لمرحلة جديدة لكي تصبح صناعة متكاملة من خلال رحلتها التي استغرقت ما لا يقل عن 15 عاما.
وتمتلك الصين ما يقرب من 328 شركة كبيرة تمتلك منصات إلكترونية عالمية، برأسمال سوقي بلغ 785 تريليون يوان، وهو ما يمثل 25.6 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للجمهورية الصينية.
وتصدرت أربع من تلك الشركات قائمة أكبر شركات للتسوق الإلكتروني عالميا، فيما توقع تقرير الاستهلاك عبر الحدود السنوي الصادر العام الماضي عن وكالة أنباء «شينخوا» أن «التجارة الصينية عبر الحدود ستتضاعف في السنوات الثلاث المقبلة».
ويرى مراقبون أن زيادة عدد منصات التسوق الإلكتروني على الإنترنت في الصين قد أعطت دفعة قوية للاقتصاد الصيني، فقد نما الاقتصاد الصيني بنسبة 6.9 في المائة في النصف الأول من العام الحالي، مخالفا بذلك توقعات آخرين باستمرار تباطؤ الاقتصاد الصيني.
ويؤكد أحمد قابيل، رئيس مجلس إدارة شركة «أو إم إس للاستشارات ونظم المعلومات»، لـ«الشرق الأوسط»، أن «التسوق الإلكتروني أعطى دفعة قوية للاقتصاد الصيني خاصة مع تزايد الإقبال على طرق الدفع الإلكتروني، وزيادة الثقة في أنظمة الحماية الإلكترونية».
بينما يرى غو هيو، كبير محللي الاستثمار بشركة «تريدي أميرتريد»، في تصريحات صحافية سابقة، أن تباطؤ النمو في قطاع التجزئة حول العالم يعكس تزايد الإقبال بوتيرة سريعة على قطاع التجزئة على الإنترنت، مضيفا أن «هذا يعكس نضج سوق الإنترنت مقارنة بغيرها من الصناعات داخل الصين».
وعلى الرغم من تراجع معدلات نمو الواردات والصادرات؛ فإن الحكومة الصينية أخذت في تدبير سياسات تعزيز الأعمال التجارية عبر الإنترنت، بنشر معدلات الأرباح التجارية للشركات التي تحقق ما يقرب من 80 في المائة من إجمالي تداولات البيع خلال الإنترنت عبر الحدود.
«وبعد عدة سنوات من الصعود والهبوط؛ تعبر الصين الحدود بسلسلة من منصات التجارة الإلكترونية الآخذة في التحسن، وهيكل تجاري مستقر يأتي إلى حيز التطور السريع، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 120 في المائة من حجم التسوق الإلكتروني عبر الحدود»، كما أوضح تقرير وكالة الأنباء الصينية «شينخوا».
ويفترض مركز بوسطن للاستشارات مقاربة اقتصاد الإنترنت عبر الحدود بمثابة اقتصاد دولة، مستنتجا أن ذلك سيشير إلى أنه الدولة الخامسة عالميا خلف اقتصادات الولايات المتحدة والصين والهند واليابان؛ ليضع اقتصاد دولة صناعية كبرى بحجم ألمانيا خلفه في الترتيب.
وتقدم شركات تجارة التجزئة الإلكترونية «المترامية الأطراف» داخل الجمهورية الصينية منصات التجارة كواجهات المحلات على مواقع منتشرة عالميا لتقديم خدماتها ومنتجاتها للمستهلكين، فيما شبه بموقع «إي باي» أو «أمازون». ومن أشهر المنصات الصينية موقعا «تاوباو» و«تمال»، ويعد الموقعان السابق ذكرهما من أكبر المجموعات الإلكترونية ذات الشبكات المنتشرة لتشمل العالم أجمع، إضافة إلى خدمات الدعم اللوجيستية، وخدمة العملاء، ودعم تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى بعض المواقع التي تقدم خدمات التجزئة «المقلدة» بتكلفة أقل من تكلفتها الحقيقية.
وعلى النقيض من ذلك، يعتمد النموذج السائد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان على تقديم خدمات التسوق الإلكتروني لنفس الماركات التجارية المعروضة للمستهلكين وربما «بنفس التكلفة»، أو منصات التجارة الإلكترونية الكبيرة مثل «أمازون».
ويوضح أرساني، لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك أسواقا للمنتجات الأصلية والمنتجات البديلة، ولا يجب التقليل من شأن تلك الأسواق، فهي تخدم قطاعا كبيرا من العملاء.
أما في خدمات الألعاب الإلكترونية فقد اتخذت الصين الاتجاه لاستخدام الألعاب المجانية لاستقطاب المستخدمين، في حين تستخدم الولايات المتحدة سياسة «اللعب الصرف» Pure Play (الألعاب المدفوعة الأجر). وتعد الصين أكبر مسوق للألعاب عبر الإنترنت بقاعدة تعدت 368 مليون مستخدم، بقطاع بلغت أرباحه 13.5 مليار دولار العام الماضي، وقد بلغت نسبة اللاعبين الذكور 73 في المائة أما الإناث فكانت 27 في المائة. وبتحليل أنماط التشغيل في ما يقرب من 266 شركة من منصات التجارة الإلكترونية، فقد وجد أن الشركات تحقق 40 في المائة كدخل صاف، والنسبة المتبقية المقدرة بـ60 في المائة تُطبق عليها سياسات الضرائب والإهلاك.
ووفقا لتقرير «KPMG» الصادر منذ أيام قليلة، فإن متوسط الإنفاق لاستهلاك السلع المكملة في الصين بلغ نحو 2300 يوان خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة قدرها 28 في المائة مقارنة بالفترة نفسها عام 2014، وأرجع التقرير العوامل الرئيسية لتسوق المستهلكين على الإنترنت إلى الأسعار والخصومات.
وباع تجار التجزئة سلعا على الإنترنت في الصين وحدها بلغت قيمتها ما يقرب من 1645.9 مليار يوان (265.33 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة قدرها 39.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وقد شمل هذا التقرير البضائع المادية، والسلع الافتراضية والبرمجيات والكتب.
بينما زادت مبيعات السلع المادية بنسبة 38.6 في المائة لتصل إلى 1375.9 مليار يوان (221.82 مليار دولار)، كما نمت مبيعات المنتجات الافتراضية بنسبة 41.9 في المائة لتصل إلى 270 مليار يوان (43.53 مليار دولار). كما ارتفعت مبيعات المواد الغذائية والملابس والمنتجات المنزلية، بنسب 45.9 في المائة، و30.1 في المائة، و41.8 في المائة على التوالي، في الفترة نفسها سابقة الذكر.
كما ارتفعت مبيعات التجزئة للمنتجات المادية بنسبة 10.6 في المائة، لتصل إلى 141.57 مليار يوان (2282.51 مليار دولار) في الفترة نفسها، وارتفعت مبيعات التجزئة على الإنترنت في الصين بنسبة 50 في المائة، لتصل إلى ما يقرب من 450 مليار دولار في عام 2014. وإذا تم الحفاظ على نسبة النمو نفسها، والتي بلغت 39 في المائة، خلال السنة الحالية، فسيصل الإجمالي إلى 625 مليار دولار. على النقيض، بلغت تجارة التجزئة على الإنترنت في الولايات المتحدة 304.9 مليار دولار في عام 2014، وارتفعت بنسبة 14.5 في الربع الأول خلال العام الحالي. وتوقعت الولايات المتحدة زيادة في مبيعات التجزئة خلال 2015 بنسبة 15 في المائة لتبلغ بنهاية العام 350 مليار دولار.
من ناحية أخرى، بلغ نمو المبيعات الإلكترونية بالتجزئة في النصف الأول من العام الحالي عالميا 39 في المائة، وهو أعلى من معدل النمو في الولايات المتحدة أو أي اقتصاد كبير آخر، وقد تراجع من نسبة 50 في المائة مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي. وتتوقع وزارة التجارة الصينية أن يصل حجم التجارة الإلكترونية الصينية عبر الحدود إلى نحو 6.5 تريليون يوان (1.02 تريليون دولار) في عام 2016، بزيادة قدرها 30 في المائة مقارنة بالعام الحالي، وزيادة 20 في المائة في نسبة إجمالي تجارة الاستيراد والتصدير الصينية.
وقد أصدرت وزارة التجارة الصينية تقريرا بأسماء أفضل 10 شركات للتجارة الإلكترونية في الربع الأول من 2015. وقالت وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» في تقريرها الصادر منذ أيام، إن 40 في المائة من المنتجات المبيعة على الإنترنت «مزيفة»، بينما يتوقع الرئيس التنفيذي لشركة «لينك»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المنصات التي تقوم ببيع تلك المنتجات «لن تستمر طويلا»، نظرا لتقييم العملاء ودرجة رضائهم عن المنتج.
* وحدة أبحاث «الشرق الأوسط»



باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
TT

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح بلاده في سداد 3.5 مليار دولار من الديون الثنائية الإلزامية، مؤكداً أن هذا العبور المالي الآمن لم يكن ممكناً لولا الدعم «المحوري» من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وأوضح شريف أن هذا السداد الضخم تم من دون المساس باستقرار احتياطيات النقد الأجنبي، التي بلغت مستويات عند 20.6 مليار دولار، وهي الخطوة التي تعدّ وقوداً فعلياً لتقوية موقف المفاوض الباكستاني أمام صندوق النقد الدولي، الذي يشترط عادةً وجود تمويل خارجي مؤكد واستقرار في الاحتياطيات للموافقة على برامج التمويل.

وكان البنك المركزي الباكستاني أعلن يوم الجمعة أن باكستان سددت جميع ديونها للإمارات بقيمة 3.45 مليار دولار، وذلك بعدما منحت السعودية إسلام آباد تمويلاً جديداً بقيمة 3 مليارات دولار مع تمديد أجل وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار.


لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.