شركات أمن إلكتروني تؤكد النشاط التجسسي لـ«روكت كيتن» وترجح صلتها بالحرس الثوري الإيراني

علماء نوويون وفيزيائيون ومعارضون إيرانيون ضحايا هجمات القرصنة

شركات أمن إلكتروني تؤكد النشاط التجسسي لـ«روكت كيتن» وترجح صلتها بالحرس الثوري الإيراني
TT

شركات أمن إلكتروني تؤكد النشاط التجسسي لـ«روكت كيتن» وترجح صلتها بالحرس الثوري الإيراني

شركات أمن إلكتروني تؤكد النشاط التجسسي لـ«روكت كيتن» وترجح صلتها بالحرس الثوري الإيراني

كشف خبراء عالميون في مجال الأمن الإلكتروني، أخيرا، عن نشاط مجموعة قراصنة سيبيريين استهدفت عددا كبيرا من الشخصيات والمؤسسات العالمية، واخترقت حساباتهم الإلكترونية وخزائن معلوماتهم خلال فترة زمنية محدودة. وأشارت مصادر مطلعة أن المجموعة التي تعرف باسم «روكت كيتن» أنشئت عام 2011، إلا أن عملياتها تكثفت منذ عام 2014.
واستهدفت المجموعة، التي يعتقد أنها من أصل إيراني، شخصيات بارزة في مختلف أرجاء العالم عبر استخدام البرامج الخبيثة، مدعومة بحملات «تصيُّد» مستمرة. ويُطلق على مجموعة التجسس الإلكترونية هذه اسم «روكت كيتن»، ولا تزال نشطة حتى الآن، حيث وردت تقارير تفيد بوقوع هجمات جديدة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وقامت شركات بيع أجهزة الأمن الإلكتروني، ومتخصصون في مجال الأمن، بمتابعة مجموعة «روكت كيتن» وهجماتها، ما أثمر تجميع معطيات أساسية حول طريقة عملها، والأدوات والتقنيات المستخدمة التي تتيح لها اختراقاتها، فضلا عن نوعية الجهات والشخصيات التي استهدفتها. وتتميز المجموعة باستخدام أدوات وموارد تقنية غير متطورة نسبيا، فضلا عن اعتمادها على أسلوب التصيد (فيشينغ) على نطاق واسع. وقد استهدفت المجموعة أفرادا ومنظمات بارزة في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك أهداف داخل إيران نفسها، إضافة إلى أهداف في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. وجرى اختراق الكثير من تلك الأهداف بنجاح باستخدام برمجيات خبيثة (مالاوير). وعلى الرغم من تحديد طريقة عمل هذه المجموعة، وضعف الهياكل الأساسية التي تعتمد عليها، فإن المخترقين استمروا في شن هجمات مرة بعد أخرى عن طريق إجراء تغييرات طفيفة على أدواتهم، أو مجالات تصيدهم.
وحصلت شركة الأمن المعلوماتي «تشيك بوينت سوفتوير تيكنولوجيز» على قائمة للأهداف كاملة من خوادم (أنظمة حاسوبية متصلة بالشبكة العنكبوتية) المهاجمين، وبلغ عددها نحو 1600 منذ منتصف عام 2014. وتشتمل لائحة الضحايا المؤكدين على مسؤولي دفاع رفيعي المستوى، وسفارات بعض الدول، وباحثين إيرانيين بارزين، ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام، وصحافيين، ومؤسسات أكاديمية، وعلماء في مجالات مختلفة، بمن فيهم علماء في الفيزياء والعلوم النووية.
وراقبت شركتا أمن تكنولوجيا المعلومات «تراند مايكرو» و«كلير سكاي»، الهجمات الإلكترونية التي قادتها إلى نشاطات هذه المجموعة، وكشفت عن التقنيات والبرامج التي اعتمدتها لاختراق أنظمة تكنولوجية متطورة وفي غاية التعقيد بالنسبة لبعضها. وأبرز هذه البرامج يدعى «غول»، وهو نسخة خبيثة من برنامج «كور إمباكت برو» الذي تعتمد عليه جهات حكومية وشركات أمن إلكتروني عالمية. وأثبتت شركتا أمن أميركيتان هما «غادي إفرون» و«تيلمان ويرنر» ارتباط هذا البرنامج واختراقاته بالنظام الإيراني وبالحرس الثوري تحديدا.
من جانبه، أكّد شهار تال، كاتب التقرير المفصّل الذي نشرته شركة الأمن الأميركية - الإسرائيلية «تشيك بوينت تكنولوجيز» عن عمليات تجسس «روكت كيتن»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» الارتباط الوثيق لـ«روكت كيتن» بالحرس الثوري الإيراني، استنادا إلى عدد من المؤشرات، تتقدمها إشارة من طرف الحكومة الأميركية وردت في الأسبوع الماضي بتورط هذه الجهة الإيرانية في هذه الهجمات الإلكترونية. إلى ذلك، أشار تال إلى التوافق الصارخ بين هذه الهجمات ونوعية الأوساط التي تستهدفها والمعلومات السرية التي تجمّعها من جهة، والمصالح السياسية والعسكرية الإيرانية من جهة أخرى. كما أن باحثي الشركة استطاعوا من مقرّهم في ولاية كاليفورنيا الأميركية الكشف عن هوية أحد أبرز أعضاء هذه المجموعة، ويبدو أنه إيراني الجنسية وفق ما صرّح به تال.
كما كشف التقرير، الذي اطّلعت عليه «الشرق الأوسط»، أن هذه العمليات استهدفت تحديدًا أمراء وشخصيات بارزة في أوساط اقتصادية وحكومية سعودية، وصحافيين ووكالات أنباء، فضلاً عن مؤسسات تعليمية وناشطين في حقوق الإنسان. كما شرح التقرير بالتفصيل كيف قام خبراء الشركة بالتنقيب داخل قاعدة بيانات جماعة المتسللين، مما أتاح لهم الحصول على خريطة أدوات البرمجيات الخبيثة، وأجهزة الكومبيوتر التي استخدمتها جماعة المتسللين، وتم التحكم فيها عن بعد. وذكر التقرير أن سفارات وملحقات عسكرية في كل من أفغانستان وتركيا وقطر والإمارات والعراق والكويت واليمن سقطت ضحايا لعمليات التجسس الإلكتروني التي أطلقتها هذه المجموعة خلال العام الماضي، إلى جانب شخصيات نافذة في حلف شمال الأطلسي (ناتو) في منطقة الشرق الأوسط.
من جانبهم، أكّد خبراء في «تراند مايكرو» الأمنية أن التقارير الإعلامية والاستخبارية التي صدرت في الآونة الأخيرة عن هذه المجموعة ونشاطها الإجرامي لم تحل دون تكثيف هذه عملياتها واستهدافها إلى عدد أكبر من الشخصيات. كما اتضح من خلال دراسة نمط الهجمات الإلكترونية لـ«روكت كيتن» أنها لا تستهدف شركات لمنافع اقتصادية أو غيرها، بل تركز نشاطها على أفراد يشغلون مناصب في الأوساط الدبلوماسية، والسياسات الخارجية، والدفاع، ما يميّز نشاطها الإجرامي عن الهجمات الإلكترونية التقليدية.
وحول التقنيات التي تستخدمها المجموعة، تبين من خلال رصد نتائج دراسات كل من «تشيك بوينت تكنولوجيز» و«كلير سكاي» و«مايكرو تراند» أنها تستعين بعدد لا يحصى من الأسماء المستعارة، والحسابات المزيفة، قد تكون تمثل نفس المخترقين والجهات الفاعلة في المجموعة، ما شكل تحدّيا حقيقيا لشركات الأمن الإلكتروني.
من ناحية أخرى، تبيّن أن قراصنة «روكت كيتن» لا يخشون التقارير الاستخباراتية ودراسات الأمن الإلكتروني الغربية، خاصة أنهم شنّوا حملات أكثر شراسة في الآونة الأخيرة، رغم تداول بعض المنابر الإعلامية وجهات استخباراتية تقارير وافية عن نشاطاتهم. ويكتفون عادة بإجراء تعديلات بسيطة على اسم نطاق التصيّد، وتحديثات لبرامجهم الخبيثة، بينما يواصلون عمليات رصد ضحاياهم واختراق أنظمة جديدة.
واستنادا إلى المعلومات المتاحة أعلاه ونتائج دراسات شركات الأمن الإلكتروني المذكورة، اتّضح أن أهداف نشاط «روكت كيتن» الإجرامي تجسّسية بحتة، كما تأكّدت صلتها بالمصالح الإيرانية السياسية والعسكرية.
وأكّدت «مايكرو تراند» أن أجندة أعمال المجموعة لا تعكس دوافع القراصنة التقليديين (سرقة أموال، انتحال شخصية، ترهيب جهة معينة...). فيما يصعب تحديد أهداف المجموعة بدقة، نظرا إلى ارتفاع عدد ضحاياها وتنوع مجالات نشاطاتها، تبقى غاية التجسس واضحة وثابتة في كل الهجمات التي شنتها وتم الكشف عنها إلى اليوم. والأمر الذي أجمع عليه الخبراء هو أن هذه المجموعة الإجرامية لا تستهدف سوى شخصيات تشغل مناصب استراتيجية وحساسة، سواء كانت في أوساط حكومية أو علمية أو عسكرية. وترجّح كل هذه المعطيات فرضية مشاركة قراصنة «روكت كيتن» في حملة تجسس إلكتروني على جهات خارجية، بهدف التعرف على سياسات المنافسين الإقليميين، والمعارضين الإيرانيين في الخارج، وبالتالي توجيه السياسة الخارجية الإيرانية. وكما أشير سابقا، يركز هؤلاء عملياتهم على شخصيات ذات علاقة بدوائر الحكم، أو بمجالات علمية حسّاسة، إذ يسهل اختراق حسابات الأفراد وأجهزة الكومبيوتر الخاصة بهم، على عكس الشركات والمؤسسات الحكومية.
وأوضح زميل في مركز «روسي» البريطاني للأبحاث خبير في شؤون الأمن الدولي، إيون لاوسن، لـ«الشرق الأوسط» في هذا السياق أن بعض الحكومات أصبحت تستخدم جماعات غير حكومية للقيام بهذا النوع من الأنشطة (التجسس واختراق أنظمة بيانات سرية)، وتوفر لهم الدعم والتوجيه أحيانا، كما تزودهم بأدوات تقنية متطورة. ويتعلق الأمر خاصة بدول مثل إيران وروسيا والصين. وأضاف: «والمثير في الأمر هو أنه من الصعب إثبات صلة الحكومات بهذا النوع من الأنشطة الإجرامية وبالجماعات التي تدعمها، وإن وجهت الاتهامات لها مباشرة، تكتفي بالقول: إنها لم تكن على دراية بالأمر وإنها ستتخذ الإجراءات اللازمة».أما فيما يتعلّق بسبل وقاية الأنظمة الإلكترونية من هذا النوع من الهجمات، فقال لاوسن إنه «يستحيل إقامة نظام حماية قادر على صدّ كل أنواع الهجمات. إلا أن 70 في المائة من الهجمات تقريبا، يمكن صدّها من خلال اتخاذ إجراءات بديهية، تشمل تغيير كلمات السر بشكل منتظم وإقامة جدار الحماية (فاير وول)، واستخدام برامج مكافحة البرمجيات الخبيثة كأحصنة طروادة (روت كيت) وسباي وير وغيرها».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.