حضرموت.. بين غضبة «تشابالا» وسطوة «القاعدة»

الانقلاب وضعف الحكومة ساهما في تمدد الجماعات الإرهابية

حضرموت.. بين غضبة «تشابالا» وسطوة «القاعدة»
TT

حضرموت.. بين غضبة «تشابالا» وسطوة «القاعدة»

حضرموت.. بين غضبة «تشابالا» وسطوة «القاعدة»

مرّ الإعصار «تشابالا»، من حضرموت بجنوب شرقي اليمن، مخلفًا وراءه منازل مدمرة وسكانًا مشردين، في حين لا يزال إعصار تنظيم القاعدة جاثمًا على أجزاء واسعة من حضرموت الساحل، وهو ما جعل السكان يعيشون بين مطرقة الكوارث الطبيعية وسندان تنظيم القاعدة الذي سيطر على العاصمة المُكلاّ في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي وسط انهيار منظومة الدولة هناك واختفائها عن المشهد.
ويتساءل كثير من اليمنيين والمراقبين، اليوم، عن كيفية تمكن المسلحين المتشددين الذين لا يتجاوز عددهم 150 شخصًا من السيطرة على مدينة المُكلاّ، وعلى معسكرات المنطقة العسكرية الثانية، والأجهزة الأمنية والمخابرات والأمن القومي، بالتزامن مع انشغال حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي بقتال المتمردين من قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وميليشيات الحوثي المتحالفة معها، في مدن جنوبية آنذاك، متجاهلة تمدّد «القاعدة» شرقًا.

تعدّ محافظة حضرموت، جنوب شرقي اليمن، من أهم المناطق النفطية التي تعتمد عليها الدولة اليمنية بشكل رئيسي في دخلها القومي، وتحتل ما نسبته 36 في المائة من مساحتها الإجمالية، إذ كانت تنتج نحو 100 ألف برميل يوميا قبل أن يتوقف الإنتاج بشكل نهائي وتغادر جميع الشركات الأجنبية من القطاعات النفطية منذ انقلاب الحوثي وصالح في سبتمبر (أيلول) 2014.
وتشير آخر الإحصائيات الرسمية الصادرة من لجنة الطوارئ بمديريات ساحل حضرموت في أعقاب الإعصار «تشابالا» المدمّر الذي ضرب حضرموت وجزيرة سقطرى ومناطق يمنية أخرى إلى وفاة 8 أشخاص. ولقد قال خالد بلفاس، رئيس غرفة العمليات باللجنة، في تصريحات صحافية، إن السيول والفيضانات تسببت في إصابة 45 شخصًا وتهدم 13 منزلاً بصورة كلية، ونفوق أكثر من 350 رأس ماشية وتضرر 211 قارب صيد.
وكان التواصل قد انقطع مع مديريتي حجر وأرياف المكلا لليوم السادس على التوالي منذ أن ضرب «تشابالا» المناطق الساحلية في حضرموت، وذكرت اللجنة أن الإعصار تسبب بأضرار بالغة في مشاريع البنى التحتية والخدمات العامة بمدينة المُكلاّ، وتضرّرت ثلاثة جسور رئيسية وطمر ثلاث آبار لمياه الشرب في كل من حقول الغليلة وفلك وفوة، كما تضررت خطوط وشبكات خدمات المياه والكهرباء والاتصالات وقطعت الطرقات بين مختلف المناطق في ساحل حضرموت.
وتُقسم حضرموت إداريا وعسكريًا إلى حضرموت الساحل، وحضرموت الوادي والصحراء. الأولى يسيطر عليها تنظيم القاعدة وتخلو تمامًا من أي وجود للجيش والأمن. أما حضرموت الوادي والصحراء فما زالت في قبضة قوات الجيش والأمن، التي هي أصلا ضعيفة ومشكوك في ولائها. ومنذ سيطرة «القاعدة» على المدينة توقّفت جميع مؤسسات الدولة في ساحل حضرموت، فيما عدا المؤسّسات الخدمية مثل قطاع الصحة. أما الصحف والإذاعة الوحيدة بالمُكلاّ فقد توقفت بشكل كامل. ويقول سكان من المدينة لـ«الشرق الأوسط»، إن «القاعدة» لم تقدّم أي مساعدات للسكان خلال إعصار «تشابالا»، بل اكتفت بنشر سيارات مكتوب عليها فرق إغاثة.

مجلس أهلي
مضت سبعة أشهر على سكان المُكلاّ، وهم تحت حكم المتشددين من مسلحي «القاعدة»، التي تقول مصادر محلية إن لهم علاقة بالمخلوع علي عبد الله صالح.. «الذي كان قد أمر قيادات عسكرية وأمنية موالية له بالانسحاب من المدينة وتسليمها لهم»، بحسب هذه المصادر. ومن ثم، حاول السكان سد الفراغ الذي تركته الدولة ومؤسساتها عبر إنشاء «مجلس أهلي» تمكّن من تجنيب المدينة المواجهات المسلحة كما يقول، وعقد اتفاقا مع قادة «القاعدة» من بينهم ناصر الوحيشي - الذي قتل بعدها بغارة لطائرة أميركية من دون طيار - ينص على تسليم المرافق كافة وإداراتها إلى «المجلس الأهلي» الحضرمي. وأن يكون من حق «المجلس الأهلي» أن يُعيّن من شاء رئيسًا له، وأن يتحمل «المجلس الأهلي» إدارة الأمن العام ومرافقه، ويجري تجنيد وتوظيف أبناء حضرموت لإدارة أعمال المجلس والإدارات الخدمية. إلا أن الاتفاق ظل حبرًا على ورق، ولم ينسحب المتشدّدون من المقرات العسكرية والأمنية، حيث يدير «القاع» جميع الشؤون الأمنية والقضائية وفرض أفكاره المتشددة على الجامعات والمدارس هناك والتي لا تزال مغلقة بأوامر من قيادة التنظيم.
ولقد شهدت مدينة المُكلاّ، عاصمة محافظة حضرموت وكبرى مدنها، احتجاجات ومظاهرات ضد «القاعدة»، كان أبرزها في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما خرج السكان في شوارع المدينة للتعبير عن رفض وجود التنظيم المتشدد، رغم تحذيره للأهالي من المشاركة في أي فعاليات احتجاجية. ورفع المتظاهرون يومذاك شعارات ولافتات ترفض الإرهاب و«القاعدة». ويؤكد السكان أن التنظيم يحكم سيطرته على المُكلاّ بمساعدة جهات متنفذة في السلطة، مشيرين إلى أنهم يرفضون وجوده في المدينة.
من ناحية ثانية، يتحدث السكان عن استيلاء «القاعدة» على كميات ضخمة من المال من فرع البنك المركزي وفروع بقية البنوك الحكومية والخاصة، إضافة إلى أسلحة ثقيلة استولى عليها من المعسكرات، كما قام التنظيم بإطلاق السجناء من السجن المركزي بينهم قيادات من التنظيم، الذين تمركزوا في القصر الجمهوري بالمُكلاّ ومقر قيادة المحافظة وبقية المقار والمباني الرسمية وغير الرسمية. ولقد فرض التنظيم على المواطنين نظامًا يصفه بـ«الإسلامي» ويتعلق بتطبيق ما يعتقدونه «الشريعة الإسلامية»، إذ نفذ مسلحو التنظيم المتطرف سلسلة من عمليات الإعدام في الساحات العامة.
ومطلع أكتوبر أيضًا أعلن «المجلس الأهلي» الحضرمي إنشاء قوة أمنية. وأوضح المجلس الذي يضم في عضويته شخصيات اجتماعية ووجاهات وعلماء دين، أن «القوة ستسند إليها مهام حفظ الأمن والاستقرار لضمان تأمين الميناء والمطار والإدارات الحكومية، التي جرى تسلمها من «القاعدة». وعن ظروف تأسيس «المجلس الأهلي» ذكر المهندس عمر بن الشكل الجعيدي، رئيس «المجلس الأهلي» الحضرمي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه أنه «منذ سيطرة (القاعدة) على المُكلاّ سارعنا إلى تشكيل مجلس أهلي بهدف تجنيب المدينة إراقة الدماء. ولذا بادرنا للتواصل مع قيادات التنظيم، ووقعنا اتفاقا مع قائد التنظيم آنذاك ناصر الوحيشي الذي قتل بطائرة من دون طيار، وما زال الاتفاق ملزمًا وساري المفعول ونحن نتابع تنفيذه».
أما بخصوص تعامل المجلس مع إعصار «تشابالا»، فأوضح الجعيدي قائلاً: «شكلنا لجان طوارئ قبل الإعصار بأيام، وتم توزيع الفرق التطوعية إلى مناطق الخطر في السواحل والأودية، وتمكنّا من إجلاء السكان من ساحل البحر، بالإضافة إلى فتح قنوات تصريف السيول التي كانت مغلقة».
غير أنه أفاد بأنه لم يكن هناك تواصل لا من قبل المجلس ولا السلطات مع قيادات «القاعدة» بخصوص تنسيق الجهود الإغاثية.. «بل كان عملهم مستقلاً عنا، عبر توزيع سياراتهم في عدة أحياء بالمُكلاّ». أيضًا وفق رئيس «المجلس الأهلي» فإنه «عند دخول (القاعدة) إلى المُكلاّ ومدن الساحل اختفى الجيش والأمن والقيادات الرسمية، ولم نجد لهم أي أثر»، ثم قال «مشكلة المحافظة أن الدولة غائبة ولم تقدم شيئًا للمحافظة. لم تقدم الحكومة أي مساعدات للمجلس الأهلي، ولا للسكان، وهو ما جعل (القاعدة) تتشبث بالبقاء في المُكلاّ».
من جانبه، يرى صلاح باتيس، عضو رئاسة الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار الوطني في اليمن، أن «غياب السلطات المحلية عن المُكلاّ، عاصمة محافظة حضرموت، كان له تأثير سلبي على أعمال الإغاثة والإجلاء، وخاصة أن المحافظة تعاني منذ عقود من غياب البنية التحتية الكافية وضعف وانعدام شبه كامل للإمكانيات الخاصة بالمستشفيات والمراكز الصحية». وتابع باتيس في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب الدولة ومؤسساتها، وسيطرة (القاعدة) على مدن الساحل، جعلا الجهود الشعبية ومنظمات المجتمع المدني هي المتصدّرة التي قامت بعمل الدولة، فيما كان هناك حضور للدولة في حضرموت الوادي وشبوة والمَهرة، وتمكنت السلطات المحلية من مساعدة السكان وتقديم الاحتياجات الضرورية لهم وإن كان بإمكانيات متواضعة ولا ترقى للمستوى المطلوب».
وأوضح: «(القاعدة) لم تستطع أن تقدم شيئًا للمواطنين المتضررين من الإعصار، كما أنه لا يوجد أي تنسيق بينهم وبين السلطات أو الفرق التطوعية. إنهم يظهرون ويختفون فجأة، مع أنهم يسيطرون حاليًا على المُكلاّ والشحر والغيل والديس الشرقية».
وأكد باتيس، الذي ينتمي إلى محافظة حضرموت، أن «سقوط مؤسسات الدولة بأيدي جماعات مسلحة كـ(القاعدة) وغيره فاقم من معاناة سكان حضرموت. وحاول الأهالي بجهود ذاتية تشكيل فرق تطوّعية من أبناء المناطق المتضررة، قامت بالتواصل مع غرف عمليات السلطة المحلية في الوادي المرتبطة بغرفة عمليات الرياض ومع اللجنة الحكومية».

خطأ تكتيكي
في هذه الأثناء، يرى مراقبون أن الانقلاب والاضطرابات التي شهدتها معظم المدن اليمنية، عاملان ساهما في تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية كـ«القاعدة» وميليشيات الحوثي وجماعة صالح، قبل أن ينضم إلى هؤلاء فصيل جديد هو «داعش» الذي ينازع تنظيم القاعدة الذي تأسس في 2009 نفوذه. وهنا يشرح سعيد عبيد الجمحي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، قائلاً إن «(القاعدة)، استغلت – كعادتها – الأوضاع المتردّية، وبسط هيمنته على جزء من محافظة حضرموت، بمساعدة الموالين للنظام السابق لتعميق حالة الفوضى وخلق مزيد من الإرباك الداخلي، وفق قاعدة (عليّ وعلى أعدائي)».
ويوضح الجمحي لـ«الشرق الأوسط» مستطردًا: «رغم استفادة التنظيم من هشاشة الأوضاع، فإنه لم يكن في حسبانه أنه سيكون هو الطرف الأكثر خسارة. إن اختياره حضرموت مركزًا لنشاطه، لم يكن اختيارا موفقًا، إذ فوجئ التنظيم برفض شعبي عارم من قبل أهالي حضرموت، الذين خرجوا بمسيرات رافضة وجوده بينهم. وعلى الرغم من محاولات (القاعدة) التودّد إلى الأهالي من خلال تقديم بعض المساعدات والتملّق للناس، كما حصل أثناء الإعصار، فإن رفض الحضارم للتنظيم يبدو مبدئيًا وغير قابل للتحوّل».
ويشرح الجمحي كيف أن «حسابات (القاعدة) في اختيار حضرموت، حملت خطأ تكتيكيًا، إذ كانت خسارة التنظيم في صفوف قياداته وعناصره هي الأكبر من تأسيسه. إذ لم يفقد تنظيم القاعدة قيادات في وقت قصير، كما حصل له أثناء استيلائه على حضرموت». ويضيف: «نتيجة عدم امتلاك التنظيم أي مشروع سياسي أو اجتماعي، يمكنه من خلاله استمالة المواطن اليمني، كانت خساراته متواصلة». ثم يلفت الجمحي إلى أن أي «استراتيجية للبقاء في المحافظة تبدو مفقودة لدى التنظيم، واتضح أن خياراته فاشلة، ذلك أن حضرموت رغم توسعها الجغرافي، ضاقت بالتنظيم، بسبب الاستفزازات المتواصلة من عناصر التنظيم للأهالي». ويفصل الخبير الاستراتيجي جوانب من أخطاء ممارسات «القاعدة» في حضرموت فيقول إن «تنظيم القاعدة يفرض قيودًا في حركة المواطنين ويقيد حريتهم. كذلك أقدم التنظيم على فرض خطباء وموجّهين تابعين له، ناهيك بأن عناصر التنظيم في حضرموت يتعاملون مع الناس بتعالٍ واستعلاء توهمًا منهم بأنهم أكثر فهمًا للإسلام وتعاليمه من غيرهم خارج التنظيم».
ويذكر الجمحي أن «هذا الأمر تنبّه له زعيم (القاعدة) السابق ناصر الوحيشي، حين ظهر في آخر تسجيل له قبل مقتله وهو يشكو رعونة بعض عناصر جماعته، ومصادمتهم لعامة الناس، من خلال فرض آراء لا يمكن أن يتقبلها الآخرون بهذه السرعة، فضلاً عن أن هذا السلوك لا يتناسب مع جوهر الشريعة، بحسب الوحيشي».
ويفسر الجمحي هذا الموقف من الوحيشي بأنه «يبدو متخاذلاً لدى بعض عناصر التنظيم الأخرى، ويكشف عن خلل داخلي كبير في صفوف التنظيم. وقد يكون ذلك هو الإجابة عن سبب التساقط السريع لقيادات التنظيم وسهولة استهدافهم من خلال الطائرات من دون طيار». ويضيف: «هناك قرائن وأدلة على وجود اختراقات، واهتزاز داخلي لدى تنظيم القاعدة، لا سيما إذا أضفنا إلى كل ذلك، طموحات بعض القيادات في التنظيم للوصول إلى زعامة التنظيم في أسرع وقت».
ويعتقد الجمحي أن التنظيم «يمر حاليًا بوقتٍ عصيب، خاصة مع بروز تنظيم داعش كطرف أكثر تشددًا من كل ما رأيناه في الجماعات المتطرفة». ويردف «(داعش) يتوسع راهنًا على حساب (القاعدة) حتى في حضرموت ويلتهم عناصره بسهولة. وهو يقدم خطابًا يدغدغ فيه مشاعر المتشددين، بتحقيق حلم (الدولة) وليس فقط (الإمارة) التي عجزت (القاعدة) عن الحفاظ عليها، بل انهارت في وقت قصير». ويختتم كلامه بالقول: «جميع الدلائل تشير إلى احتمال وقوع صراع واقتتال قريب بين (القاعدة) و(داعش) في حضرموت، لا سيما أن الحرب الإعلامية بينهما بلغت أوج سعارها في الفترة الأخيرة».

محافظة حضرموت.. في سطور

> تقع محافظة حضرموت على ساحل البحر العربي، وتبعد عن العاصمة صنعاء بحدود 794 كيلومترا، وعدد مديرياتها 30 مديرية، وتعد أكبر محافظات الجمهورية مساحة. ومدينة المُكلاّ عاصمتها، وأكبر موانيها. أما أكبر مدنها الأخرى فهي سيئون وتريم وشبام، الحواضر الثلاث في وادي حضرموت، والشِّحر وغيل باوزير في المنطقة الساحلية.
> يمارس سكان حضرموت الزراعة وصيد الأسماك والعناية بالثروة الحيوانية، خصوصا أن المحافظة تقع على شريط ساحلي طويل يمتد على شاطئ بحر العرب (الجزء الشمالي الغربي من المحيط الهندي)، الذي يمتاز بكثرة وتنوع الأسماك والأحياء البحرية، كما تضم أراضي المحافظة بعض الثروات المعدنية منها حقول النفط وموارد معدنية أهمها الذهب.
> من معالم السياحة في محافظة حضرموت المساجد والمدارس والمكتبات والقصور في مدينة تريم (العاصمة الثقافية والدينية لوادي حضرموت) وحصون وحدائق مدينة سيئون (العاصمة الإدارية والسياسية) وناطحات السحاب الفريدة في مدينة شبام (المدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي).
> تتميز المحافظة بتنوع مناخها نتيجة مساحتها الكبيرة ومتوسط درجات الحرارة خلال أيام السنة 27 درجة مئوية تقريبًا.
> عدد سكانها أكثر من مليون نسمة، (5.2 في المائة من إجمالي السكان)، ويتوزّعون بين المناطق الجبلية التي تتركز في الأجزاء الوسطى والجنوبية الغربية وبعض الأجزاء الغربية، والقسم الثاني المناطق الصحراوية وتتركز في الأجزاء الشمالية والشمالية الغربية والشرقية للمحافظة، والقسم الثالث بالمناطق الساحلية التي تمثل الشريط الساحلي المطل على البحر العربي.
> بحسب التقسيم الاتحادي الذي أقرته حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي ستكون المحافظة جزءًا من «إقليم حضرموت» الذي يتكوّن من ولايات المَهرة وحضرموت وشبوة وجزيرة سُقُطرى.
> تعد حضرموت من أهم المناطق التي اتخذها تنظيم القاعدة معقلا له، ولقد شن الكثير من الهجمات على كثير من مدنها ونهب كثيرا من المصارف ومعسكرات الجيش، خاصة مدينتي سيئون والشِّحر اللتين تعرضتا لأكثر الهجمات من قبل المسلحين المتشددين.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.