الكرملين لا يستبعد أي فرضيات في حادث الطائرة بما فيها «العامل الخارجي»

بوتين يطالب بتوخي الحذر بسبب العمليات ضد الإرهابيين في سيناء

الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

الكرملين لا يستبعد أي فرضيات في حادث الطائرة بما فيها «العامل الخارجي»

الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس فلاديمير بوتين يستمع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر في العاصمة موسكو أمس (إ.ب.أ)

قال الرئيس فلاديمير بوتين أمس بعد الاستماع إلى تقرير ماكسيم سوكولوف وزير النقل ورئيس لجنة التحقيق الحكومية في كارثة تحطم طائرة الركاب الروسية في مصر: «بلا أدنى شك، يجب فعل كل شيء لتكوين صورة موضوعية لما حدث، حتى نعرف ما الذي حدث، وكيف نتعامل مع ذلك بالشكل المناسب». وطالب الرئيس الروسي بضرورة مواصلة أعمال البحث في مكان الكارثة بما يكفل التأكد تماما من كل جوانب الموقف حتى انتهاء كل مراحل البحث، و«عدم تعجل التوقف عن ذلك قبل الأوان» وبما يكفل تكوين صورة كاملة لما حدث بالتعاون مع السلطات المصرية. وأوصى الرئيس الروسي بضرورة التنبيه على العاملين في لجان البحث والإنقاذ بتوخي الحذر، نظرا لأن المنطقة التي سقطت بها الطائرة المنكوبة «منطقة عمليات» تتواصل فيها العمليات القتالية بين الإرهابيين والسلطات المصرية.
وكان بوتين استهل حديثه مع وزير النقل الروسي بتقديم تعازيه إلى كل أقارب وذوي الضحايا، مؤكدا ضرورة اضطلاع الدولة والمؤسسات الرسمية بواجبهم نحو صرف التعويضات والتأمينات لهم. وقال سوكولوف في معرض تقريره الذي قدمه بالأمس إن «الطائرة تحطمت في الجو وإن حطامها تناثر على مساحة تزيد على عشرين كيلومترا مربعا، وإن عمليات البحث لا تزال جارية».
وكانت مصادر روسية في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» قد كشفت عن مخاوفها تجاه احتمالات أن يكون الحادث من تدبير عناصر تستهدف إفساد العلاقة بين روسيا ومصر. وقالت المصادر إن «هناك من البلدان المجاورة والمنظمات التي من مصلحتها وقف تقدم العلاقات الجيدة بين البلدين، وخصوصا في الوقت الراهن الذي تتشابك وتتعقد فيه العلاقات بين كثير من بلدان المنطقة». ولم تكشف المصادر عن أي من البلدان أو المنظمات المقصودة.
وحول أسباب الحادث لم تستبعد مصادر الكرملين أي فرضيات لدى التحقيق في أسباب حدوث كارثة طائرة الركاب الروسية يوم السبت الماضي. وقال دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين إنه «لا يجوز استبعاد أي فرضية في المرحلة الراهنة من التحقيق في تحطم الطائرة الروسية في سيناء، بما في ذلك فرضية العمل الإرهابي»، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة توخي الحذر في التقديرات والتحلي بالصبر وانتظار النتائج إلى حين إعلان نتائج التحقيق بعيدا عن التخمينات والإعلان عن مختلف التصريحات التي لا أساس لها حول أسباب وقوع الكارثة.
وكان بيسكوف أعرب أيضا عن تقدير القيادة الروسية للجهود التي بذلتها وتبذلها السلطات المصرية، فيما أثنى على المستوى الرفيع الذي تتسم به أشكال التعامل مع وفد المسؤولين والخبراء الروس الموجودين حاليا في مصر. وكان ألكسندر سميرنوف نائب مدير عام شركة «كوغاليم آفيا» (مترو جيت) صاحبة الطائرة المنكوبة قد قال إن «الشركة ترجح تعرض الطائرة لتأثير عوامل خارجية، باعتباره التفسير الواقعي الوحيد لما أعلنه المحققون عن تفكك الطائرة وهي في الجو، قبل سقوطها على الأرض». واستبعد المسؤول وقوع عطل فني في أجهزة الطائرة كان من شأنه أن يؤدي إلى تفككها في الجو. وأعرب سميرنوف عن اعتقاده في أن يكون جميع ركاب الطائرة وأفراد الطاقم لقوا مصرعهم قبل سقوطها على الأرض، مشددا على أن طاقم الطائرة فقد السيطرة عليها بالكامل بسبب «أضرار كبيرة» لحقت بهيكل الطائرة، حسبما أشار في مؤتمره الصحافي الذي عقده أمس في موسكو. وأشار المسؤول إلى أن الحالة الفنية للطائرة لدى إقلاعها من مطار شرم الشيخ، كانت «ممتازة»، فيما نفي ما تردد من أنباء حول إعراب أي من أفراد طاقم الطائرة عن أي شكوى بهذا الشأن خلال الرحلات الخمس الماضية التي نفذتها، وهو ما يتنافي مع ما سبق ونقلته وكالات الأنباء المحلية والعالمية نقلا عن الزوجة السابقة لأحد أفراد طاقم الطائرة الذي لقي حتفه في الحادث. وأضاف سميرنوف: إن «الاتصال بالطائرة فُقد قبل دقيقة من اختفاء الطائرة من على شاشات الرادار وتخفيض الطائرة لسرعتها بما يحول دون استمرار تحليقها، فيما بدأت رحلة السقوط وهو ما قد يكون طاقم الطائرة فقد معه القدرة على الاستجابة والتعامل مع الموقف».
ومن جانبه، أعلن ألكسندر نيرادتشكو ممثل هيئة الطيران الروسية للقناة الإخبارية الرسمية «روسيا - 24» أن الوقت لا يزال مبكرا للإعلان عن أسباب وقوع الحادث وحذر من تعجل إصدار التصريحات والتخمينات حول ذلك. وقال إن «انتشار حطام الطائرة في مساحات شاسعة نتيجة تحطم الطائرة في الجو قد يكون وراء تعجل إصدار مثل هذه التصريحات، لكنه لا يمكن أن يكون قرينة أو دليلا على وجود عامل خارجي». وكانت شركة الخطوط الجوية «الأورال» وهي من أكبر شركات الطيران في روسيا، أعلنت تعليق تحليقاتها فوق سيناء حتى إتمام التحقيق في تحطم الطائرة الروسية، فيما أعربت عن احتجاجها ضد الإجراءات الاستثنائية التي تتخذها السلطات الجوية المصرية بعد تحطم الطائرة الروسية في سيناء السبت الماضي، وكانت سببا في تأخير إقلاع إحدى طائراتها من طراز «إيرباص 321» الرحلة رقم «U6 - 3028» إلى مدينة بيرم الروسية لمدة تزيد على 9 ساعات، فيما طوقتها سلطات المطار بمعدات خاصة لمنعها من الإقلاع، ومن ثم نقلتها إلى قسم الإصلاح، حسبما أشارت قناة روسيا اليوم الناطقة بالعربية.
وكانت شركة «خطوط الأورال الجوية» إحدى كبريات شركات الطيران الروسية أعلنت أمس أيضا عن تعليق رحلاتها فوق سيناء مثلما سبق وفعلت عدد من شركات الطيران العربية والغربية، فيما أعربت عن احتجاجها ضد تصرفات السلطات المصرية التي احتجزت إحدى طائراتها بسبب ما وصفته بضرورة مراجعة السلامة الفنية للطائرة. وقالت مصادر الشركة الروسية إن «الطائرة التابعة لها صالحة تماما»، مؤكدة أن تأجيل الرحلة جاء بسبب رفض سلطات المطار منح الطائرة تصريح الإقلاع. وكان دميتري ميدفيديف رئيس الحكومة الروسية استهل اجتماع الحكومة أمس بالوقوف حدادا على ضحايا الكارثة، فيما أعرب عن شكره وتقديره للجهود التي تبذلها السلطات المصرية منذ سقوط الطائرة وتعاونها مع الوفود الروسية التي تعمل اليوم في مصر لتقصي أسباب الحادث ومتابعة الإجراءات حول هذا الشأن. وحث ميدفيديف على ضرورة إجراء كل الاختبارات الضرورية وإجراء التحقيقات التي تنفذ بمشاركة خبرائنا بما يتفق مع قواعد منظمة الطيران المدني الدولية وغيرها من الهيئات الدولية والخبراء الدوليين، إلى جانب مواصلة العمل في موقع الكارثة. وعاد ميدفيديف إلى تأكيد ضرورة تركيز الجهود الرئيسية لاستقصاء أسباب وقوع الكارثة مع أهمية الوقوف إلى جانب ذوي الضحايا واتخاذ كل ما يلزم لمساعدتهم. ومن جانبها أعلنت وزارة الطوارئ الروسية أن الصندوقين الأسودين للطائرة المنكوبة في «حالة جيدة»، فيما أكدت المصادر الرسمية الروسية أن الكشف عن تسجيلات الصندوقين سيجرى في القاهرة بمشاركة ممثلين عن الجانب الروسية حسب القواعد الدولية المعمول بها والتي تقضي بإجراء ذلك في البلد الذي وقعت فيه الحادثة. وسوف يشارك في عمليات الكشف عن تسجيلات الصندوقين الأسودين خبراء من فرنسا وألمانيا وآيرلندا بوصفهم ممثلين عن البلدان التي جرى فيها تصنيع وتسجيل الطائرة وإجراء الصيانة الدورية ومنح التراخيص اللازمة للطيران، إلى جانب بيلاروسيا وأوكرانيا بسبب مصرع عدد من مواطنيهما من ركاب الطائرة المنكوبة.

 



مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت أجهزة الاستخبارات في مقدونيا الشمالية، الجمعة، أن المشتبه بضلوعهم في الهجوم الذي استهدف كنيساً يهودياً في سكوبيي في أبريل (نيسان)، مرتبطون بتنظيم «داعش»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفادت وكالة الأمن القومي بأنها دهمت عقارات وأوقفت 7 أشخاص يُعتقد أنهم «جزء من مجموعة متطرفة مرتبطة عقائدياً بالشبكة العالمية لتنظيم (داعش)».

ولم يسقط ضحايا في الهجوم الذي وقع يوم عيد الفصح الأرثوذكسي في 12 أبريل (نيسان)، فيما لحقت أضرار بمدخل الكنيس بعد إضرام النار فيه.

وأفادت الشرطة بأنها وجّهت، عقب التوقيفات، أمس، اتهامات تتعلق بالإرهاب إلى شخصين يبلغان 21 و38 عاماً.

وقال المتحدث باسم الشرطة، غوتسه أندريفسكي، في بيان مصوّر: إنه «جرى احتجاز المشتبه بهما لمواصلة الإجراءات القضائية».

وأظهرت لقطات مراقبة نشرتها السفارة الإسرائيلية، يُعتقد أنها للواقعة، رجلين يرتديان خوذتي دراجة نارية يقفزان فوق سياج قبل أن يسكبا الوقود خارج المبنى ويشعلا النار في باحته الأمامية.

وأفاد المجتمع اليهودي المحلي في بيان عقب الحريق بأن الأضرار التي لحقت بالمبنى كانت محدودة.

من جهته، شكر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، سلطات مقدونيا الشمالية على التوقيفات. وقال إن «تحركهم السريع والحازم لمحاسبة الجناة يؤكد التزام مقدونيا الشمالية بحماية المجتمع اليهودي».


مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
TT

مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)

باستثناء برقية وزعتها وزارة الخارجية الأميركية لسفاراتها عبر العالم، لم تشمل روسيا والصين وبيلاروسيا وكوبا، لم يتوافر كثير من المعلومات حول المبادرة الأميركية المتأخرة لإنشاء ما سمي «مبادرة حرية الملاحة البحرية» في مضيق هرمز المقفل عملياً بسبب الحصار الذي تفرضه إيران على البواخر والناقلات دخولاً وخروجاً، وأيضاً بسبب الحصار المطبق الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.

وبالنظر للإرباك الذي يضرب سلاسل الإمداد في قطاعي النفط والغاز والأزمة الاقتصادية المستفحلة على المستوى العالمي، فإن توفير حرية الإبحار في المضيق تحول إلى تحدٍّ دولي يفرض نفسه على جميع دول العالم. من هنا، جاءت المبادرة الفرنسية - البريطانية لتشكيل «تحالف دولي» يضمن حرية الملاحة - التي كانت قبل نحو الشهر - في مضيق هرمز.

ويوم 17 أبريل (نيسان)، استضافت باريس، حضورياً وعن بعد، قمة موسعة ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ضمّت 52 بلداً عبر العالم، بينهم 32 رئيس دولة وحكومة من التحالف الموعود. وبنتيجة المناقشات، فإن المشاركين توافقوا على إطلاق «مهمة متعددة الجنسية ودفاعية الطابع» لضمان حرية الملاحة في المضيق.

وحرص بيان «الإليزيه» على تأكيد أن المشاركين «ليسوا طرفاً» في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، وأنهم متمسكون بالتوصل إلى «تسوية صلبة وحل مستدام للنزاع عبر الوسائل الدبلوماسية». وحرصت الجهة المنظمة على القول إن الدول الثلاث المعنية بالحرب، لم تُدعَ للمشاركة في الاجتماع، وإن انطلاق المهمة لا يتم إلا بعد انتهاء العمليات الحربية، وبالطبع عبر التفاهم مع إيران والدول المطلة على الخليج.

الرئيس دونالد ترمب يتظاهر بتصويب بندقية قنص أثناء حديثه مع الصحافيين في قاعة المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض - واشنطن 6 أبريل (أ.ب)

المبادرة الأميركية

في السياق المذكور، يمكن النظر للمبادرة الأميركية الجديدة على أنها «منافسة» للمبادرة الأوروبية - الدولية. ووفق البرقية الصادرة عن «الخارجية» الأميركية، التي كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من اطلع عليها، فإنها وليدة تعاون بين وزارتي الخارجية والدفاع، وإنها «تمثل خطوة أولى حاسمة في إنشاء هيكل أمني بحري لما بعد النزاع في الشرق الأوسط». وعدّت البرقية «هذا الإطار ضرورياً لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية، والحفاظ على حقوق وحرية الملاحة في الممرات البحرية المهمة».

وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن المبادرة الأميركية «يمكن أن تشكل تحدياً بالنسبة للأوروبيين ولأعضاء الحلف الأطلسي» الذين شن عليهم الرئيس ترمب هجمات متكررة، بسبب امتناعهم عن مد يد المساعدة للقوات الأميركية في مضيق هرمز. وثمة سؤالان يطرحان بقوة؛ الأول: هل ثمة إمكانية للدمج بين «المهمتين»؟ والثاني: هل هاتان المهمتان يمكن أن تقوما معاً وفي أي ظروف؟

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده صباح الجمعة بأبوظبي، مع نهاية جولته الخليجية التي قادته إلى المملكة السعودية وعمان والإمارات، سُئل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن هذا الملف المعقد. وأهم ما قاله بصدده أمران؛ الأول أن باريس تلقت «مؤخراً جداً» معلومات حول المبادرة الأميركية التي وصفها بأنها «ليست من الطبيعة نفسها» للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون.

بيد أنها، وبالنظر للمعلومات التي وصلت إلى باريس، رأى بارو أنها «تندرج في إطار من التكامل» مع المبادرة الأولى. أما الأمر الثاني فهو اعتباره أنها «ليست منافسة للمبادرة التي أطلقناها». لكن باريس، رغم ذلك، «تركز اهتمامها الكامل على المبادرة التي أطلقناها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً بالأمم المتحدة في 27 أبريل بمناسبة الاجتماع المخصص لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي (رويترز)

الحذر الفرنسي - الأوروبي

واضح أن الوزير الفرنسي يلتزم موقفاً حذراً؛ إن بسبب «حداثة» المشروع الأميركي، أو بسبب حاجة باريس للتشاور مع القادة الأوروبيين المنخرطين في المبادرة الأولى، التي سعى بارو لتسويقها في العواصم الخليجية الثلاث التي زارها.

وفي أي حال، فإن المبادرة الأميركية بحاجة لمزيد من التوضيح، خصوصاً أن برقية «الخارجية» تدخل عاملاً مبهماً بإشارتها إلى «إدارة مشتركة» بين وزارتي الحرب والخارجية. كذلك، فإنها تدخل عامل إبهام جديداً بتأكيدها أن المبادرة المذكورة «تختلف عن حملة الضغوط القصوى» التي يقودها الرئيس ترمب على إيران، كما أنها غير «مرتبطة بالمفاوضات الجارية» مع طهران.

ويبدو من المستحيل الفصل بين مجريات الحرب في حال استجدت، وتوفير المرور الآمن في مضيق هرمز. كذلك يصعب عزلها عن «المفاوضات الجارية» التي هي عملياً متوقفة، ثم تتعين الإشارة إلى عامل بالغ الأهمية؛ قوامه أن الأوروبيين يصرون على أمرين؛ الأول: الطابع الدفاعي لمبادرتهم، والثاني، وقد شدد عليه بارو في أبوظبي، أن انطلاقتها «سوف تتم بالتنسيق مع الدول المطلة على المضيق». ولمزيد من الإيضاح، ذكر باور أن المهمة الأوروبية «ستعمل على لم شمل الدول التي لم تكن جزءاً من هذه الحرب»، أي بعيداً عن الولايات المتحدة.

وفي أي حال وفي أكثر من مناسبة، أفادت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، بأن مروجي المبادرة الأوروبية يودون أن يبقوا بعيداً عما تقوم به الولايات المتحدة. ولعل العنصر الذي من شأنه تغيير المعادلة؛ إشارة البرقية الأميركية إلى أن الهيكل البحري الذي تسعى إليه واشنطن بشراكتها مع دول لم تسمِّها، لن يطلق «إلا بعد انتهاء النزاع في الشرق الأوسط»؛ أي بعد توقف الحرب، وهو ما يتلاقى مع الرؤية الأوروبية. وفي كل مناسبة تتوافر، يركز الأوروبيون على «التقدم» الذي أحرز في المشاورات الخاصة لإطلاق مبادرتهم. ولهذا الغرض، استضافت لندن وباريس مجموعة من الاجتماعات للتعرف على الدول الراغبة والقادرة على توفير الإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية. ويشبه الأوروبيون بين المهمة الجديدة وعملية «أسبيدس» التي أطلقوها في عام 2023، لضمان سلامة وحرية الإبحار في البحر الأحمر؛ بدءاً من قناة السويس وحتى باب المندب.

ولأن واشنطن تعي «المنافسة» الأوروبية، ورغبة منها في ضم أكبر عدد ممكن من الأطراف، فإن تصورها للمهمة التي تطلقها جاء فضفاضاً؛ إذ جاء فيها: «نرحب بجميع مستويات المشاركة، ولا نتوقع من دولتكم تحويل الأصول والموارد البحرية بعيداً عن الهياكل والمنظمات البحرية الإقليمية القائمة». وبكلام آخر، فإن واشنطن ترحب بأي طرف يود الانضمام للمبادرة مهما تكن مساهمته فيها، ما يوجد سباقاً بينها وبين المبادرة الأوروبية.

وفي المحطات الثلاث التي زارها، شدد بارو على أهمية اعتماد الحلول الدبلوماسية وتجنب معاودة الحرب، وعلى ضرورة الإسراع في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، رافضاً الخطط الإيرانية لفرض رسوم على البواخر وناقلات النفط، معتبراً أن ذلك يخالف قوانين البحار والممرات المائية. وحرص بارو على إبراز التقدم الذي حققه الأوروبيون حتى اليوم، مشيراً إلى أن إحدى مهمات جولته الخليجية كانت لعرض المبادرة الأوروبية.

ولا تخفي باريس رغبتها في انضمام الدول الخليجية إليها، ما من شأنه أن يوفر لها ثقلاً إضافياً في المنافسة القائمة مع واشنطن. وفي أي حال، من الواضح أن أياً من المهمتين لن يرى النور قريباً، طالما لم يحسم مصير أزمة الخليج؛ وهو الشرط الذي يرتهن المبادرتين معاً.


ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
TT

ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)

في لحظة تتقاطع فيها الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران مع القلق الأوروبي من روسيا، فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة داخل حلف شمال الأطلسي، ملوّحاً بخفض أو سحب قوات أميركية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة تجاه الحرب. صحيفة «بوليتيكو» قالت في تقرير لها إن تهديد ترمب بخفض القوات في ألمانيا أحدث «صدمة» داخل البنتاغون، حيث قال مساعد في الكونغرس إن وزارة الدفاع «لم تكن تتوقعه» ولم تكن تخطط لأي خفض للقوات في ألمانيا، ولا سيما أنه يخالف مراجعة مطولة للانتشار العسكري الأميركي العالمي لم توصِ بانسحابات كبيرة من أوروبا.

ويقول مراقبون إن خطورة التهديد لا تكمن في احتمال تنفيذه الفوري وحده، بل في أنه يحوّل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا من ركيزة استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية. فمن وجهة نظر ترمب، لم يعد انتشار القوات مسألة التزام أطلسي أو حسابات أمنية بعيدة المدى، بل ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانخراط في حربه ضد إيران أو تنتقد أداء واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، قال جون هاردي، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن ألمانيا تمثل محوراً حرجاً للعمليات العسكرية الأميركية، بما في ذلك عملية «الغضب الملحمي»، مضيفاً أن تعريض هذا الدور للخطر «سيكون بمثابة إطلاق النار على أقدامنا». ورأى هاردي أنه «بينما تحب إدارة ترمب تذكير الحلفاء بأن (الناتو) طريق ذو اتجاهين، سيكون من الأفضل للبيت الأبيض أن يتذكر ذلك هو أيضاً».

غضب من برلين ومدريد وروما

قال ترمب، الخميس، إنه «على الأرجح» سيسحب القوات الأميركية من إسبانيا وإيطاليا، مُتّهماً روما بأنها «لم تكن مفيدة لنا»، وواصفاً مدريد بأنها كانت «فظيعة... فظيعة تماماً». وهو ما عُدّ رداً على رفض إسبانيا وإيطاليا السماح لطائرات عسكرية أميركية مشاركة في حرب إيران باستخدام قواعدهما.

كما جاء ذلك بعد تهديد مماثل لألمانيا، على خلفية انتقادات المستشار فريدريش ميرتس الذي قال إن الولايات المتحدة تتعرض لـ«إذلال» من إيران في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، قبل أن يخفف من حدة انتقاده في الأيام الماضية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد مارس الماضي (أ.ف.ب)

ويرى بعض الأوروبيين أن هذه التصريحات تشي بأن ترمب يتعامل مع الخلافات داخل «الناتو» كاختبار ولاء مباشر. فإسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز سعت إلى تقديم نفسها كقوة أوروبية موازنة لترمب، فيما بدأت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رغم قربها السابق منه، تنأى بنفسها عنه مع اقتراب انتخابات 2027. أما برلين، فرغم سماحها باستخدام قاعدة رامشتاين لتنسيق العمليات ضد إيران، وجدت نفسها في مرمى الهجوم بعد تصريحات ميرتس.

صدمة داخل البنتاغون

أبرز ما نقلته «بوليتيكو» أن تهديد ترمب لم يكن ثمرة خطة جاهزة داخل وزارة الدفاع. فقد أكد ثلاثة مسؤولين دفاعيين أن منشوره بشأن ألمانيا كان أول ما يسمعه كثيرون داخل البنتاغون عن احتمال تحريك جديد لسحب مئات أو آلاف الجنود. وقال مساعد في الكونغرس إن الوزارة «لم تكن تتوقع ذلك، ولم تكن تخطط لأي نوع من خفض القوات»، لكنه أضاف أن تصريحات ترمب تُؤخذ بجدية؛ لأنه كان جاداً في ولايته الأولى حين أمر عام 2020 بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا، قبل أن يتعثر التنفيذ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض 3 مارس الماضي (أ.ب)

أما كُلفة التنفيذ فتبدو ضخمة ومعقدة. فألمانيا تستضيف ما بين 35 و40 ألف جندي أميركي، وتوفر أراضي للقواعد من دون مقابل، إضافة إلى قوة عاملة محلية تدعم الوجود الأميركي. كما تضمُّ مقرين أساسيين للقيادة الأميركية: القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إلى جانب أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الأراضي الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن تود هاريسون، مُحلّل ميزانية الدفاع في معهد «أميركان إنتربرايز»، أن الانسحاب يتضمن كلفة نقل، وربما كلفة إنشاءات ضخمة إذا نُقلت القوات إلى أماكن مثل بولندا، حيث لا توجد منشآت جاهزة لإيوائهم.

تهديد يضعف واشنطن

عسكرياً، قد يبدو التهديد مُوجّهاً إلى الأوروبيين، لكنه يطول مصالح الولايات المتحدة نفسها. وهنا تبرز أهمية تعليق جون هاردي. فهو لا يدافع عن ألمانيا من زاوية أوروبية فقط، بل من زاوية المصلحة الأميركية المباشرة.

فقوله إن تعريض الدور الألماني للخطر يُشبه «إطلاق النار على أقدامنا» يختصر المفارقة الأساسية في تهديدات ترمب؛ فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس خدمة مجانية تقدمها واشنطن للحلفاء، بل أصل استراتيجي تستخدمه الولايات المتحدة لتوسيع قدرتها على الحركة والردع والعمليات. فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس مجرد مساهمة في أمن أوروبا، بل عقدة مركزية في قدرة واشنطن على التحرك عالمياً. القواعد هناك تُستخدم لعبور القوات إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الردع النووي، وتوفر مستشفيات ومناطق تدريب واسعة للقوات الأميركية وقوات «الناتو».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في البيت الأبيض (رويترز)

وفي هذا الصّدد، قال مسؤول ألماني لـ«بوليتيكو» إن سياسة ترمب القائمة على «التهديدات الفجة وصلت إلى حدودها»، مضيفاً أن انسحاب القوات الأميركية من ألمانيا «سيضعف الولايات المتحدة نفسها بشدة». ويعكس ذلك تحوّلاً في المزاج الأوروبي، فالعواصم التي اعتادت القلق من الانسحاب الأميركي باتت ترى أن واشنطن تستخدم أمنها الجماعي كرهينة سياسية، في وقت تتهم فيه أوروبا روسيا بالاستعداد لاحتمال تهديد أراضي «الناتو» في السنوات المقبلة.

وتزداد المفارقة أن تهديد ترمب جاء بعد مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالما سعى إلى تقليص وجود الناتو في أوروبا، كما تزامن مع اجتماعات لرئيس أركان الدفاع الألماني الجنرال كارستن بروير في واشنطن لبحث استراتيجية دفاعية ألمانية جديدة.

قيود الكونغرس

ورغم نبرة ترمب العالية، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام انسحاب سريع. فقانون الدفاع الذي أصبح نافذاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يمنع البنتاغون من خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى أقل من 76 ألفاً قبل تقييم الأخطار والتصديق على أن ذلك يخدم المصالح الأمنية الأميركية. وهذا يمنح الكونغرس ورقة مهمة لكبح أي قرار متسرع، خصوصاً إذا بدا أقرب إلى عقوبة سياسية منه إلى إعادة تموضع استراتيجية.

الرئيس ترمب يتحدث إلى جنود في قاعدة فورت براغ بنورث كارولاينا يوم 10 يونيو 2025 (أ.ب)

ومع ذلك، بدت ردود الجمهوريين حذرة، حيث قال السيناتور كيفن كرامر إنه يحتاج إلى سماع المزيد عن الاستراتيجية خلف هذا التفكير، مشدداً على أن رامشتاين قاعدة «استراتيجية ومهمة». أما السيناتور مايك راوندز، عضو لجنة القوات المسلحة، فقال إنه لا يرى تحولاً فعلياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا، معتبراً أن الرئيس كان يرُدّ على تصريحات ألمانية، وأن الأهم هو النظر إلى «الأفعال» لا التعليقات العلنية.

ورغم أن البعض يرى أن ترمب يختبر مرة أخرى حدود العلاقة الأطلسية، لكن التساؤلات تتزايد عمّا إذا كانت القوات الأميركية في أوروبا ستبقى ضمانة ردع مشتركة، أم تتحوّل إلى أداة مقايضة مرتبطة بمواقف الحكومات من حرب إيران؟ ومجرد طرح السؤال يُضعف صورة «الناتو»، ويمنح موسكو وطهران مادة دعائية ثمينة، ويفتح داخل واشنطن سجالاً مُكلفاً بين من يرى في التهديد وسيلة لإجبار الأوروبيين على الاصطفاف، ومن يعتبره مقامرة قد تضُرّ بالقوة الأميركية بقدر ما تربك الحلفاء.