ألف مقدسي سيفقدون تصاريح الإقامة في القدس إذا طبق نتنياهو مخططه

واشنطن تحذر نتنياهو من مخطط سحب هوياتهم.. وعريقات يتهمه بالتطهير العرقي

ألف مقدسي سيفقدون تصاريح الإقامة في القدس إذا طبق نتنياهو مخططه
TT

ألف مقدسي سيفقدون تصاريح الإقامة في القدس إذا طبق نتنياهو مخططه

ألف مقدسي سيفقدون تصاريح الإقامة في القدس إذا طبق نتنياهو مخططه

حذرت الولايات المتحدة الأميركية، أمس، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من فكرته حول سحب الإقامة من عشرات ألوف الفلسطينيين سكان القدس الشرقية الذين يعيشون وراء الجدار.
وقال الناطق بلسان الخارجية الأميركية جون كيربي: «إذا صح هذا القول فإنه، بالتأكيد، يعتبر مصدر قلق بالنسبة لنا». وأوضح الناطق بلسان البيت الأبيض جوش إرنست أنه، حسب ما يعرفه، فإن «إسرائيل لا تنوي القيام بخطوة كهذه بشكل فعلي، لكنها إذا أقدمت على خطوة كهذه «فسيشكل ذلك مصدر قلق بالنسبة لنا».
وكان نتنياهو أعلن صراحة نيته سحب بطاقات الإقامة من نحو ربع سكان القدس الشرقية المحتلة، وإخراجهم من مسؤولية إسرائيل الفعلية، ليحقق بذلك حلما قديما بدأ بتطبيقه عندما تسلم رئاسة الحكومة أول مرة سنة 1996، بغية تقليص عدد العرب في المدينة. ويطرحه اليوم في إطار ما سماه «الإجراءات الضرورية لمعاقبة من يمس بسيادة إسرائيل وأمن سكانها». لكن حلفاءه في اليمين يخشون من أن يكون بداية لتقسيم القدس رسميا.
وقد رد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، على ذلك متهما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بممارسة «التطهير العرقي». ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن المسؤول الفلسطيني قوله لإذاعة «موطني» المحلية في رام الله، إن «تفكير ودراسة نتنياهو إلغاء إقامة الفلسطينيين في القدس الساكنين خلف الجدار الفاصل يمثل تطهيرا عرقيا». ووصف الخطوة الإسرائيلية بـ«الجريمة المخالفة للقوانين والمواثيق الدولية كافة»، محملا الحكومة الإسرائيلية المسؤولية عن تداعياتها. وشدد على أن «تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية».
وكان نتنياهو أدلى بتصريحه هذا في جلسة الحكومة الإسرائيلية العادية، الأحد الماضي، وتبين أنه كان قد طرحه أول مرة، بشكل صريح، أثناء جلسة للحكومة عقدت قبل أسبوعين. فقال يومها إنه «يفحص إمكانية سحب الإقامة التي تمنحها السلطات الإسرائيلية للفلسطينيين لأهالي القدس الشرقية والقرى المحيطة بها بدوافع أمنية»، وفقا لما أورده مصدر في ديوان نتنياهو. وقد كرس الاجتماع يومها لمناقشة تصاعد العنف في القدس الشرقية. وقال نتنياهو إنه ينبغي النظر في إمكانية إلغاء الإقامة الممنوحة للفلسطينيين في القرى خارج الجدار الفاصل حول القدس. ودعا إلى عقد اجتماع منفصل لمناقشة هذه المسألة. ونقل مسؤولون في ديوان رئيس الوزراء عن نتنياهو أنه قال خلال اجتماع لمجلس الوزراء إن «فلسطينيي تلك القرى لا يوفون بواجباتهم كبقية السكان الإسرائيليين، ولذلك فلا ينبغي أن يتمتعوا بالحقوق التي تمنحها دولة إسرائيل لسكانها».
وقال مصدر حضر الجلسة المذكورة لموقع «واي نت» العبري، أمس، إن عددا من الوزراء الحاضرين فوجئوا بتصريحات نتنياهو، ولكنهم لم يناقشوه. إذ ارتبكوا كيف يتعاطون مع الموضوع. فمن جهة هم يريدون رؤية القدس بعدد قليل من السكان العرب، ومن جهة ثانية يخشون أن يكون الهدف هو سلخ بلدات مثل كفر عقب وشعفاط وغيرهما عن القدس، وبالتالي التوجه نحو تقسيم القدس بشكل رسمي. فهذه هي المرة الأولى التي يثير فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي، أو أي شخص في حزبه، إمكانية الفصل بين سكان القدس الشرقية وسكان القدس الغربية بهذه الصراحة. وقال وزراء شاركوا في الجلسة إن المقصود هو خطوة «ذات أبعاد سياسية دراماتيكية».
وكانت صحيفة «هآرتس» قد نشرت الأسبوع الماضي، أنه خلال جلسة لإدارة بلدية القدس، طرحت على الطاولة، مقترحات بعيدة المدى للفصل بين شقي المدينة. ومن بين الأفكار التي نوقشت بشكل جدي، كان اقتراح تقييد انتقال السكان من الشرق إلى الغرب، باستثناء المستخدمين الملحين، ووفقا لقائمة يتم إعدادها مسبقا. وليس من الواضح ما إذا كان القصد تطبيق هذه الخطة قريبا، أم أن رئيس البلدية وجهات أخرى، قاموا بعرضها كإمكانية مستقبلية. يشار إلى أن الشرطة أقامت في الأسبوع الماضي، جدارا يفصل بين جبل المكبر وحي قصر المندوب السامي، بهدف منع رشق الحجارة والزجاجات الحارقة باتجاه البيوت الواقعة على أطراف الحي اليهودي. ويذكر هذا الجدار بالجدار القائم إلى الشرق من القدس. وخلال جلسة للمجلس الوزاري السياسي - الأمني، عقدت في الأسبوع الماضي، اندلع نقاش حاد بين الوزراء حول الموضوع. فطلب رئيس الحكومة إحضار صورة جوية للمنطقة التي أقيم بها الجدار كي يفهم ما الذي يجري الحديث عنه. وبعد تلقي توضيحات، أمر بوقف إنشاء الجدار والبحث عن بدائل أخرى.
المعروف أن إسرائيل كانت قد ضمت القدس الشرقية إلى تخومها، بشكل رسمي، في سنة 1967، بعد أيام من احتلالها. في حينه لاقى القرار معارضة دولية شاملة، إلا أن هذا لم يمنعها من سن قانون خاص بهذا الشأن، ومعه تم ضم 70 ألف دونم من الأراضي في قضاء المدينة، شمل 11 قرية فلسطينية. وتم منح السكان بطاقة هوية بمكانة «مقيم»، وهي البطاقة التي تعطى لمن يهاجر إلى إسرائيل من غير اليهود، ويستطيع صاحبها التنقل بحرية في إسرائيل، ويتمتع بما يتمتع به المواطن العادي من حقوق، باستثناء الترشيح والتصويت للكنيست (البرلمان). وقد استغل هذا القانون لتفريغ القدس من ألوف من سكانها، إذ ينص على سحب الجنسية ممن تغيب عن البلاد أكثر من سبع سنوات.
وعلى الرغم من أن سحب الهويات من فلسطينيي القدس الشرقية بدأ حال احتلالها عام 1967، فإنه تزايد بشكل كبير جدا في زمن حكومة نتنياهو الأولى في عام 1996 (980 مواطنا فقدوا هذه البطاقة)، وتفاقم في سنة 2006 (1363 مواطنا)، عندما تولى رئاسة الحكومة أيهود أولمرت. وبلغ أوجه في آخر سنة من حكم أولمرت (4577 مواطنا)، في سنة 2008. وبلغ مجموع الهويات المسحوبة 14 ألفا و84 هوية حتى الآن، علما بأن عدد سكان القدس الشرقية العرب اليوم هو 380 ألفا حسب إحصائيات 2014. ووفقا لجمعية حقوق الإنسان، فإن تطبيق فكرة نتنياهو ستقلص عدد سكان القدس الشرقية بنحو الربع (نحو مائة ألف نسمة).
وقد سخر الفلسطينيون من حديث نتنياهو بأنهم سوف يخسرون حقوقهم في إسرائيل، حيث إن كل الإحصائيات الرسمية، تشير إلى أن السياسة الإسرائيلية تجاههم هي سياسة تمييز عنصري مكشوفة. وحسب تقرير جمعية حقوق الإنسان في إسرائيل، تبلغ نسبة الفقر بين صفوف الفلسطينيين في القدس 78 في المائة من مجموع السكّان؛ 84 في المائة من الأطفال؛ وفي مكاتب الخدمات الاجتماعيّة تتم معالجة 38 في المائة من السكّان الذين يعيشون في ضائقة، وهناك 6.150 ولدًا في دائرة الخطر؛ ويوجد نقص في الغرف التدريسيّة بشكل مزمن، إذ يقدر بنحو ألف (1.000) غرفة تدريس. وهناك نقص في رياض الأطفال (6 روضات بلديّة للمرحلة قبل الإلزاميّة في القدس الشرقيّة، مقابل 66 روضة كهذه في القدس الغربيّة). ولا يُسمح للفلسطينيّين بالبناء إلاّ على 17 في المائة من مساحة القدس الشرقيّة، وقد جرى استغلال غالبيّة هذه المساحة للبناء؛ والخرائط الهيكليّة المفصّلة غائبة في جميع الأحياء: نِسَب البناء المسموح به في الأحياء الفلسطينيّة تصل، غالبًا، إلى 35 في المائة - 75 في المائة مقابل 75 في المائة - 150 في المائة في الأحياء اليهوديّة. ومنذ عام 1967، صودر ثلث أراضي الفلسطينيّين. ويخنق جدار الفصل العنصري، الذي يمتد على طول 142 كيلومترًا المدينة اقتصاديا، وينهك المواطنين في تنقلاتهم. هذا عدا عن إغلاق المعابر، وتطبيق سياسة تصاريح الدخول، لعزل القدس عن الضفة الغربيّة.



مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

جددت مصر تحذيراتها من محاولات تقسيم السودان، واعتبرت أن أي ترتيبات مؤقتة لا يجب التعامل معها على أنها قبول بتقسيم جارها الجنوبي، في حين أكد عضو بـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن القاهرة تضغط لتحريك مسار التسوية والدفع نحو حوار سياسي شامل بين الفرقاء.

وأكد السفير إيهاب عوض مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة أن مصر تواصل تنسيقها مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك العمل ضمن إطار «الآلية الرباعية» (تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات)، للوصول إلى وقف إطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية تمهد الطريق لعملية سياسية يقودها السودانيون بأنفسهم.

وأشار في كلمته أمام جلسة مخصصة لمناقشة أوضاع السودان في مجلس الأمن الدولي، الجمعة، إلى أن استقرار السودان يمثل عنصراً محورياً في منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على البلد الموحد والمستقر يتطلب بيئة إقليمية داعمة تتحلى بالمسؤولية والحكمة، محذراً من استمرار تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى الداخل السوداني؛ لما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن دول الجوار والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وجدد التأكيد على ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أن «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه خط أحمر، وأن مصر ترفض أي محاولات لتقسيمه أو الاعتراف بأي كيانات موازية»، مشدداً على ضرورة دعم المؤسسات الوطنية السودانية ومنع المساس بها.

ويأتي الموقف المصري الذي أعاد التأكيد على رفض تقسيم السودان، والذي تضمن مخاوف مصرية متزايدة جراء الاتجاه نحو هذا المسار، في أعقاب محادثات استضافتها القاهرة الأسبوع الماضي لمناقشة خطوات التحرك نحو إقرار هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وبالتزامن مع تصعيد عسكري ميداني، خصوصاً في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان (وسط السودان).

لقاء سعودي - مصري - تركي تناول في القاهرة الأسبوع الماضي تطورات الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير صلاح حليمة، أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تضغط باتجاه تحريك مسار تسوية الأزمة السودانية بعد أن تراجعت المبادرات الدولية مؤخراً، وأن القاهرة تعمل على أن يكون الحل في إطار «الرباعية الدولية» بالتنسيق مع «الخماسية» (تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأوروبي).

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تهدف إلى الضغط على طرفَي الصراع (الجيش والدعم السريع) من أجل الجلوس على طاولة التفاوض، وذلك عبر مسار أمني عسكري، على أن يكون هناك مسار سياسي موازٍ تشارك فيه كافة القوى السياسية باستثناء التي ترتبط مباشرة بطرفَي الصراع.

وأكد أن التحركات المصرية تستهدف التوصل إلى اتفاق هدنة مبدئي يعقبه مفاوضات في مسارات أمنية وعسكرية وسياسية، وكذلك مباحثات أخرى لإعادة الإعمار، وتعول على ممارسة ضغوط حقيقية على الجيش و«الدعم السريع» نحو الذهاب إلى طاولة التفاوض.

وعكس حديث مندوب مصر لدى مجلس الأمن موقف بلاده من الحل السياسي؛ إذ شدد على أن «أي حلول تساوي بين القوات المسلحة السودانية والميليشيا المتمردة (في إشارة لقوات الدعم السريع) محكوم عليها بالفشل»، مشدداً على «ضرورة إخضاع الميليشيا للمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني، في إطار مسار العدالة الانتقالية عبر آليات وطنية خالصة».

وأكد السفير إيهاب عوض أن أي رهان على الفوضى أو الكيانات الموازية في السودان هو «رهان خاسر لن يُكتب له النجاح»، لافتاً إلى أن الحل المستدام للأزمة السودانية لا يمكن أن يكون إلا سودانياً خالصاً نابعاً من إرادة السودانيين أنفسهم، ومدعوماً من مؤسسات الدولة الوطنية.

وكان الملف السوداني حاضراً أيضاً في لقاء وزير الخارجية المصري مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس الأسبوع الماضي، إلى جانب الاجتماع الرباعي الذي دعت له وزارة الخارجية المصرية، بحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وبولس.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان السفير حسام عيسى، أن «التحركات المصرية الأخيرة، بما فيها التحذيرات المتصاعدة من تقسيم السودان، ترجع إلى تطورات الموقف الميداني الخطيرة مع حصار (قوات الدعم السريع) لمدينة الأُبيّض، وإمكانية وقوع مجازر وحشية أسوة بما حدث في مدينة الفاشر (عاصمة إقليم دارفور)، مع تقديرات مصرية بإمكانية تضرر أعداد هائلة من المدنيين المحاصرين يفوق ما حدث في الفاشر».

مصر تستهدف تحريك جهود حل الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد أن أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر، أفادت تقارير دولية بأن «(الدعم السريع) ارتكبت مجزرة في المدينة قُتل فيها أكثر من 2000 شخص، منهم 460 مريضاً، وأشخاص يرافقونهم في المستشفى السعودي للولادة في الفاشر»، في حين أُجبر نحو 26 ألف شخص على الفرار «وهم في حالة من الرعب».

وأضاف عيسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البيان المصري أمام مجلس الأمن يدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، وبخاصة أن سقوط الأُبيّض بيد «الدعم السريع» يعني أن السودان دخل مرحلة التقسيم الفعلي، وفي تلك الحالة سوف تتمكن «الحكومة الموازية» من السيطرة على أطراف وهوامش السودان، وهي مناطق تقدر بـ45 في المائة من مساحة السودان، في حين توجد الحكومة المعترف بها دولياً في باقي الولايات.

وأشار إلى أن الاتصالات المصرية جارية لاستئناف التفاوض، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن هناك صعوبات وتحديات تعترض التئام أي محادثات، لعدم رغبة طرفَي الصراع في الانخراط في مفاوضات جديدة، مع عدم الاستجابة لمبادرة «الرباعية»، وكذلك ما طرحته «الخماسية»، إلى جانب ضعف تأثير القوى السياسية على المشهد القائم في البلاد.


تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

وثَّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ما وصفته بواحدة من أوسع حملات التعذيب والانتهاكات داخل السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكدة تسجيل 1893 حالة تعذيب منذ مطلع عام 2018 وحتى بداية عام 2026، في تقرير أصدرته بالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يوافق السادس والعشرين من يونيو (حزيران).

وقالت الشبكة إن فريقها الميداني رصد تعرض مختطفين في 15 محافظة يمنية لشتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، بينهم أطفال ونساء ومسنون، معتبرة أن الأرقام الموثقة تعكس جانباً فقط من حجم الانتهاكات، في ظل صعوبة الوصول إلى كثير من أماكن الاحتجاز، واستمرار القيود الأمنية المفروضة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وحسب التقرير، فإن 394 مختطَفاً تعرضوا على يد الحوثيين لأشد أنواع التعذيب التي أفضت إلى الوفاة، بينهم أطفال ونساء ومسنون؛ حيث توفي بعضهم داخل السجون، بينما فارق آخرون الحياة بعد الإفراج عنهم بفترة قصيرة نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية.

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

كما وثَّق التقرير 32 حالة تصفية جسدية داخل المعتقلات الحوثية، إلى جانب حالات انتحار قال إنها ارتبطت بظروف الاحتجاز القاسية، فضلاً عن تسجيل عشرات الوفيات بسبب الإهمال الطبي أو الإصابة بنوبات قلبية أثناء الاحتجاز.

وأشار التقرير إلى أن 218 شخصاً أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة التعذيب الحوثي، بينها حالات شلل كلي وجزئي، وفقدان للبصر أو السمع، إضافة إلى أمراض مزمنة واضطرابات نفسية وفقدان للذاكرة، بينما تعرض أكثر من 1300 مختطف لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة.

شبكة واسعة من السجون

أكدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن الجماعة الحوثية تدير نحو 739 سجناً ومعتقلاً، منها 382 سجناً رسمياً استولت عليها عقب سيطرتها على مؤسسات الدولة، إضافة إلى 357 سجناً سرياً أنشأتها خلال سنوات النزاع.

ووفق التقرير، فإن أماكن الاحتجاز الحوثية لا تقتصر على السجون التقليدية؛ بل تشمل مباني حكومية ومواقع عسكرية ومقرات لوزارات وإدارات عامة، ومراكز دينية، ومقرات حزبية، ومنازل خاصة، وهو ما يجعل عمليات الرصد والتوثيق أكثر تعقيداً.

وأضافت الشبكة أن آلاف المختطفين لا يزالون محتجزين لدى الجماعة بتُهم وصفتها بالكيدية، رغم أن كثيراً منهم لا تربطهم أي صلة مباشرة بالأعمال القتالية، مشيرة إلى أن الاحتجاز يُستخدم كوسيلة لإسكات المعارضين والناشطين والضغط على الخصوم السياسيين.

ويرى التقرير أن التعذيب داخل تلك المعتقلات الحوثية يتم بصورة ممنهجة، ويستهدف انتزاع اعترافات قسرية أو معاقبة المحتجزين بسبب مواقفهم السياسية أو الفكرية، مؤكداً أن المختطفين يتعرضون لضغوط نفسية وجسدية متواصلة خلال فترات الاحتجاز.

كما أشار إلى أن كثيراً من الضحايا حرمتهم الجماعة الحوثية من التواصل مع أسرهم أو الحصول على الرعاية الصحية، بينما تعرَّض بعضهم للإخفاء القسري لفترات طويلة، قبل الكشف عن أماكن احتجازهم أو الإفراج عنهم.

اتهامات ودعوات للتحقيق

اتهمت الشبكة الحقوقية الحوثيين بممارسة التعذيب في إطار سياسة منظمة، وقالت إن الانتهاكات تتم -وفق ما وثقته- بإشراف قيادات في الجماعة، مضيفة أن بعض الممارسات تنتهي بعمليات تصفية جسدية أو وفيات داخل السجون.

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

وأكدت أن ما تمكنت من توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، بسبب استمرار وجود معتقلات حوثية مغلقة لم يتمكن فريقها من الوصول إليها، مع بقاء آلاف المختطفين والمخفيين قسراً داخل أماكن احتجاز غير معلنة.

وجددت الشبكة الحقوقية دعوتها إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية، للتحرك العاجل من أجل وقف الانتهاكات الحوثية، وفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم التعذيب والإخفاء القسري، والعمل على الإفراج عن جميع المختطفين في سجون الجماعة، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.


اليمن يتصدَّر العالم في أعداد المهددين بالجوع الحاد

اليمن يواجه خطر ارتفاع الوفيات الناتجة عن الجوع (إعلام محلي)
اليمن يواجه خطر ارتفاع الوفيات الناتجة عن الجوع (إعلام محلي)
TT

اليمن يتصدَّر العالم في أعداد المهددين بالجوع الحاد

اليمن يواجه خطر ارتفاع الوفيات الناتجة عن الجوع (إعلام محلي)
اليمن يواجه خطر ارتفاع الوفيات الناتجة عن الجوع (إعلام محلي)

حذَّرت الأمم المتحدة من استمرار التدهور الحاد في الأمن الغذائي باليمن، مؤكدة أن البلاد تضم حالياً أكبر عدد من السكان في العالم الذين يعيشون في مرحلة الطوارئ الغذائية، في وقت تزداد فيه المخاوف من الانزلاق إلى المجاعة، نتيجة استمرار الحرب التي أشعلها الحوثيون، وتراجع التمويل الإنساني، وتفاقم الأزمات الاقتصادية.

وأوضح تقرير حديث صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن أكثر من نصف سكان اليمن باتوا يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع بروز مؤشرات خطيرة تهدد بتفاقم الأزمة إذا لم يتم توفير تمويل عاجل ومستدام لخطة الاستجابة الإنسانية.

وأكد التقرير أن نحو 53 في المائة من اليمنيين سيواجهون المرحلة الثالثة أو ما فوقها، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة (الطوارئ)، وهي المرحلة التي يرتفع فيها خطر الوفيات الناتجة عن الجوع وسوء التغذية.

وأشار التقرير إلى ظهور جيوب معزولة في اليمن وصلت بالفعل إلى ظروف غذائية كارثية، عازياً ذلك إلى استمرار الصراع، والانهيار الاقتصادي، والتراجع الكبير في تمويل العمليات الإنسانية؛ حيث لم تتجاوز نسبة التمويل حتى يونيو (حزيران) الجاري 14 في المائة من الاحتياجات.

نسبة التمويل لم تتجاوز 14 % من الاحتياجات الإنسانية في اليمن (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من تراجع حدة التوترات الإقليمية، أكد التقرير أن تداعياتها الاقتصادية على اليمن ستظل مستمرة؛ خصوصاً مع احتمال اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز، وتقلب أسعار الوقود، وهو ما سينعكس مباشرة على تكاليف النقل والمواد الغذائية والمدخلات الزراعية.

وشدد التقرير على أن مخاطر الانزلاق إلى مستويات أكثر خطورة من انعدام الأمن الغذائي في اليمن ستظل قائمة، ما لم يتم توفير تمويل متعدد السنوات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة كاملة إلى المحتاجين.

هشاشة اقتصادية

في الجانب الاقتصادي، أوضح التقرير أن سعر صرف الريال اليمني في مناطق الحكومة استقر عند نحو 1553 ريالاً للدولار، مسجلاً تحسناً بنسبة 63 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما ساهم مؤقتاً في تخفيف الضغوط على الأسواق وخفض تكلفة السلع المستوردة.

لكن التقرير أكد أن هذا التحسن لا يعكس تعافياً اقتصادياً حقيقياً، في ظل استمرار تراجع الاحتياطيات الأجنبية، وضعف الإيرادات، وبقاء الاقتصاد اليمني عرضة للتقلبات العالمية.

وأضاف أن تكلفة سلة الغذاء الأساسية لا تزال أقل من مستويات العام الماضي بنسبة 27 في المائة، إلا أن معظم الأسر اليمنية لا تزال عاجزة عن تأمين احتياجاتها الغذائية بسبب ضعف القوة الشرائية، وعدم انتظام صرف الرواتب، وتراجع فرص العمل، واستمرار الضغوط التضخمية.

واردات اليمن من القمح والدقيق تراجعت 28 % مقارنة بالشهر السابق (إعلام محلي)

وسجلت أسعار الوقود في اليمن خلال مايو (أيار) الماضي ارتفاعاً تراوح بين 11 و15 في المائة مقارنة بالشهر السابق، الأمر الذي انعكس على تكاليف النقل وتوزيع الأغذية والطحن والمدخلات الزراعية ونقل المياه وإنتاج الكهرباء، وزاد من الأعباء المعيشية على السكان.

وفي المقابل، ارتفعت الأجور الزراعية بنسبة ثلاثة في المائة، بينما تراجعت أجور العمالة المؤقتة خارج القطاع الزراعي اليمني، بما يعكس استمرار ضعف النشاط الاقتصادي في معظم القطاعات غير الزراعية.

ورغم استقرار أسعار المواد الغذائية نسبياً خلال الفترة الأخيرة، حذر التقرير الأممي من أن استمرار ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والشحن والأسعار العالمية قد يدفع إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

تراجع واردات القمح

كشف التقرير الأممي عن انخفاض واردات القمح والدقيق في اليمن بنسبة 28 في المائة مقارنة بالشهر السابق، رغم بقائها أعلى من مستواها قبل عام، في حين تضاعفت واردات الوقود مقارنة بشهر أبريل (نيسان)، ولكنها ما زالت أقل كثيراً من مستوياتها خلال العام الماضي ومتوسط السنوات الثلاث السابقة، بما يشير إلى تعافٍ جزئي للإمدادات.

استقرار العملة اليمنية ساهم مؤقتاً في تخفيف الضغوط الاقتصادية (إعلام محلي)

كما أشار إلى تحسن محدود في القدرة الشرائية للعمال الزراعيين ومربي الماشية، مقابل تراجعها لدى العمال المؤقتين خارج القطاع الزراعي، الأمر الذي يترك شريحة واسعة من الأسر اليمنية دون قدرة كافية على توفير احتياجاتها الأساسية.

وأوضح التقرير أيضاً أن أسعار الماشية ارتفعت مقارنة بالأشهر الماضية، وهو ما يوفر دخلاً أفضل للأسر المالكة لها، ولكنه يبقي أسعار اللحوم مرتفعة بالنسبة للمستهلكين.

واختتم التقرير الأممي بالإشارة إلى استمرار الفجوة في أسعار الصرف بين مناطق الحكومة اليمنية ومناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما أدى إلى اختلاف مستويات أسعار السلع الغذائية، مع بقاء الأسعار -عند احتسابها بالدولار- متقاربة بين المنطقتين.