اجتماع وزاري لـ«النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية غاب عنه كيري وهاموند

باريس قلقة من إظهار «ليونة أميركية زائدة}

اجتماع وزاري لـ«النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية غاب عنه كيري وهاموند
TT

اجتماع وزاري لـ«النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية غاب عنه كيري وهاموند

اجتماع وزاري لـ«النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية غاب عنه كيري وهاموند

حدثان هامان متصلان بالحرب على سوريا، استضافتهما العاصمة الفرنسية أمس: الأول، لقاء القمة بين الرئيس فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عصرا، ثم اجتماع وزاري لمجموعة من دول «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية «فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والأردن وتركيا»، فيما استبعدت روسيا وإيران عن الاجتماع كونهما لا ينتميان إلى المجموعة المذكورة. وحتى عصر أمس، لم تكشف الخارجية الفرنسية عن أسماء الوزراء المشاركين كما أنها اختارت إبعاد الاجتماع عن الأضواء لأسباب مكتومة. لكن علم أن وزيري خارجية الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لم يحضرا «لأسباب لها علاقة بأجندة كل منهما»، وفق ما قاله مصدر دبلوماسي فرنسي لـ«الشرق الأوسط». وامتنع المصدر المشار إليه عن إعطاء تفسير لهذا التغيب وما إذا كانت له خلفيات سياسية كالتحفظ الأميركي مثلا على المبادرة الفرنسية متعددة الأضلع التي أطلقها الوزير فابيوس يوم الجمعة الماضي.
وكان الوزير الفرنسي قد «استدعى» المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا إلى باريس للتشاور معه، كما أعلن عن تقديم مشروع قرار فرنسي أوروبي إلى مجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع لإدانة ومنع النظام السوري من استخدام البراميل المتفجرة، وكذلك الدعوة إلى الاجتماع الوزاري الذي التأم أمس في إطار «عشاء عمل» في الخارجية الفرنسية.
ثمة قناعة عامة في العاصمة الفرنسية أن باريس سعت، من خلال التنظيم المستعجل للقاء، إلى اللحاق بركب المفاوضات الحالية في فيينا بين واشنطن وموسكو بشكل أساسي يضاف إليهما المملكة السعودية وتركيا فيما غيب الدور الأوروبي وفي مقدمته الدور الفرنسي. ولذا، فإن أكثرية المحللين في الداخل والخارج ترى في المبادرة الفرنسية محاولة لاستعادة «دور مسلوب» ورغبة في عدم إتاحة الفرصة للقوتين الكبريين «روسيا والولايات المتحدة» في الاتفاق فيما بينهما ثم فرض تفاهمهما على الآخرين. ومؤخرا أصبح التواصل بين الوزيرين كيري ولافروف يوميا. وقلق باريس أن يظهر الوزير الأميركي «ليونة زائدة» في التعاطي مع الأفكار الروسية التي لباريس تحفظات عليها. كذلك فإن اللافت أن الحراك الدبلوماسي في مختلف أشكاله إن في باريس أم في فيينا، يتم في ظل تغييب تام للطرف السوري أكان نظاما أم معارضة بحيث يفاوض عنه الآخرون بالوكالة.
وفي بيان مقتضب صدر عن الخارجية الفرنسية ظهر أمس، جاء أن الوزير فابيوس «سيستقبل حول عشاء عمل الشركاء الرئيسيين المنخرطين إلى جانب فرنسا في (البحث) عن حل للأزمة السورية»، يليه تعداد الدول الحاضرة. والمهم في العبارة أن فرنسا وضعت نفسها في وسط الدائرة بحيث تلتف حولها الأطراف الأخرى المؤثرة على الحرب في سوريا. وجاء في البيان أيضا أن المجتمعين «سيبحثون في الوسائل اللازمة من أجل إطلاق عملية الانتقال السياسية وصولا إلى سوريا موحدة وديمقراطية تحترم جميع الطوائف وكذلك تعزيز العمل في الحرب على الإرهاب».
غير أن أوساطا دبلوماسية في باريس تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، رجحت أن تكون باريس في صدد تكرار الدور الذي لعبته في المفاوضات الخاصة بالملف النووي الإيراني، حيث التزمت التشدد ونصبت نفسها حارسة لـ«الخطوط الحمراء» التي لا يتعين تجاوزها من أجل منع طهران من التحول إلى قوة نووية. وفي الملف السوري، تتمسك باريس التي تستقبل منتصف الشهر القادم الرئيس حسن روحاني في زيارة رسمية، بكثير من الشروط لضم إيران إلى طاولة التفاوض، وتعيد التأكيد أن طهران «لم تصدر عنها المؤشرات التي تسمح بالقول إنها تريد أن تلعب دورا إيجابيا في إيجاد حلول سياسية لأزمات الشرق الأوسط المشتعلة».
وبذلك تكون باريس الأقرب إلى موقف الرياض التي تفرض، هي الأخرى، شروطها لإدخال طهران في اللعبة السياسية رغم اعتراف واشنطن والأمم المتحدة وكثير من البلدان الأوروبية، بأن لـ«إيران دورا» بسبب قدرتها على التأثير على النظام السوري بفعل الدعم اللامحدود الذي تقدمه له منذ بداية الأزمة السورية.
وترى الأوساط الدبلوماسية المشار إليها أن باريس «تريد تجميع أوروبا وراءها» بعد ما ظهر من تمايزات في المواقف الأوروبية تجاه النظام السوري والحاجة إلى العمل معه من أجل موضوعين اثنين يهمان القارة القديمة، وهما الإرهاب والهجرات الكثيفة للسوريين باتجاه بلدان الاتحاد. وقالت أوساط مقربة من الوزير فابيوس إنه «من الضروري الوصول إلى مواقف أوروبية موحدة لتشكيل رافعة تسمح بالدخول إلى المفاوضات والتأثير عليها». وفي هذا السياق، تبرز أهمية القمة التي جمعت ميركل وهولاند قبل عشاء العمل الوزاري، والتي قال الإليزيه عنها إنها ستركز على موضوعي الحل في سوريا والهجرة الكثيفة إلى أوروبا.
ويبدو أن ألمانيا تراجعت إلى الوراء فيما خص الموقف من الأسد إذ كان لافتا التصريح الذي صدر الاثنين عن الناطق باسم الخارجية الألمانية مارتن شيفر، الذي أعلن أنه «لا يمكننا تخيل أن يكون الأسد جزءا من حكومة انتقالية بسلطات كاملة»، مضيفًا أنه «مسؤول عن جرائم وسلوكيات وحشية في الحرب في سوريا خلال الأربعة أعوام ونصف الماضية».
أما بالنسبة لـ«الأفكار» الروسية، فإن باريس تنظر إليها عبر ميزان بيان «جنيف 1» الصادر صيف عام 2012 وخصوصا الفقرة التي تتحدث عن قيام «سلطة انتقالية» تعود إليها كل الصلاحيات التنفيذية. وترفض فرنسا أن يلعب الأسد دورا بعد قيام هذه السلطة. فضلا عن ذلك فإنها «تتحفظ» على مبدأ الانتخابات التشريعية والرئاسية التي لا يمكن أن تقوم في ظل الظروف الراهنة ولا في ظل الحكومة الحالية، ناهيك بأنها ترفض لروسيا أن تقوم بدور الخصم والحكم في آن واحد.
وأخيرًا، فإن باريس ليست واثقة من الأهداف الروسية الحقيقية في سوريا ولا من استعداد الأسد للاستجابة لما يطلبه منه حليفه الروسي. ولعل ما يزيد من حذر باريس، ما جاء في بيان صادر عن الرئاسة السورية أمس وفيه اعتبر الأسد، أنه «لا يمكن تنفيذ أي مبادرة أو أفكار أو ضمان نجاحها إلا بعد القضاء على الإرهاب وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد»
. ويرى الجانب الفرنسي أنها «رسالة» موجهة بالدرجة الأولى إلى موسكو كما أنها عودة بالملف إلى المربع الأول، حيث دأب النظام على جعل دحر الإرهاب شرطا لا محيد عنه للسير في العملية السياسية وهو ما أجهض مؤتمر «جنيف - 2».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.