فنان تشكيلي من «الحرافيش» يحتفظ بصور ومقاطع فيديو نادرة لنجيب محفوظ

يرغب في إهدائها لمتحفه الذي يفتتح في ديسمبر المقبل بمناسبة ذكرى ميلاده

محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)
محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)
TT

فنان تشكيلي من «الحرافيش» يحتفظ بصور ومقاطع فيديو نادرة لنجيب محفوظ

محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)
محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)

منذ يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) الذي حصل فيه نجيب محفوظ على نوبل في الآداب، مرّ 27 عامًا دون أن يلقى «الأستاذ» الاحتفاء اللائق به ودون تأسيس متحف يخلد ذكراه، يؤمّه محبوه ومريدوه من مختلف أنحاء العالم للتعرف على حياته عن قرب، على الرغم من مرور 9 سنوات على رحيله، وفي 11 ديسمبر المقبل سوف تحل ذكرى ميلاده الرابعة بعد المائة، ولم يتأكد بعد مكان متحفه، إلا أن وزارة الثقافة المصرية أعلنت اعتزامها تأسيسه في مقر وكالة أبو الدهب الأثرية التي تطل على شارع الأزهر وحي الحسين باعتبارها تحمل روح الحارة المصرية، وأنها المكان الأقرب لحي الجمالية الذي نشأ فيه نجيب محفوظ.
وكان الكاتب محمد سلماوي ووزير الثقافة الأسبق جابر عصفور قد شنا حملة شعبية في سبتمبر (أيلول) الماضي لمطالبة الحكومة المصرية بسرعة تأسيس المتحف، لكن مع اقتراب الموعد المحدد لافتتاح متحف نجيب محفوظ في ديسمبر المقبل لم يتم إلى الآن إخلاء مبنى وكالة أبو الدهب من موظفي وزارة الآثار، كذلك لم يعلن عن البدء في التجهيز المتحفي للوكالة لكي تليق بمقتنيات محفوظ، ولم يجد أصدقاؤه أي إجراءات فعلية لجمع مقتنيات المتحف سوى التنسيق مع أسرة محفوظ، في تجاهل لما يملكه أصدقاؤه والحرافيش من صور فوتوغرافية وساعات فيديو مسجلة لندوات «الأستاذ» واللحظات الهامة في حياته.
الفنان التشكيلي محمد الشربيني، أحد حرافيش نجيب محفوظ، كشف لـ«الشرق الأوسط» عن أنه يمتلك ما يزيد على 25 ساعة من الفيديو توثق لقاءات «الأستاذ» وندواته مسجلة على شرائط 8 ملّي، وما يزيد على 1000 صورة فوتوغرافية توثق لحظات من حياة محفوظ والشخصيات الهامة التي كانت تحرص على حضور ندواته الأدبية في أرجاء القاهرة.
صور كثيرة تجمعه مع «الأستاذ» هي ما تبقّى لديه من ذكراه يحفظها بعناية مؤرشفة وفقًا لتاريخ التقاطها، يتأملها في أحيان كثيرة وأحيان أخرى ينشر بعضها عبر حسابه على موقع «فيسبوك» لتنهال عليه التساؤلات حولها وعن الأستاذ، ويظل حلمه الوحيد أن يمنحها لمتحف يحمل اسم نجيب محفوظ.
يقول الشربيني: «من المؤسف حقًا أن يكون لدينا أديب بقيمة وعظمة ونجيب محفوظ ولم نقم له متحفًا يخلد ذكراه ويؤمّه عشاق أدبه ممن قرأوا له بمختلف اللغات، لديّ صور كثيرة جدًا كنت قد التقطها على مدار أكثر من 10 سنوات، ولديّ 25 ساعة فيديو لندوات في أماكن مختلفة، وطلبت مني قناة (الجزيرة) القطرية الحصول عليها، لكنني رفضت، وأرغب أن أهديها للتلفزيون المصري، أو لمتحفه الذي طال انتظاره، ولست وحدي من يملك صورًا ومقاطع فيديو لمحفوظ، بل يملك الكاتب محمد سلماوي وآخرون من محبيه وأصدقائه عددًا كبيرًا من الصور والمخطوطات يمكن أن تشكل وحدها نواة لمتحف ضخم، فضلاً عما لدى أسرته».
يضيف: «لم يأخذ محفوظ حقه وهو على قيد الحياة، وكنت قد طلبت مع د. العقباوي وفتحي هاشم منذ عدة سنوات من د. جابر عصفور ود. عماد أبو غازي في المجلس الأعلى للثقافة، أن يتم تكريم محفوظ بشكل لائق، وتشكلت لجنة من المخرج توفيق صالح ويوسف القعيد وجمال الغيطاني للعمل على تجهيز المتحف، وقد رحل صالح، والغيطاني يرقد غائبًا عن الوعي الآن. ويواصل القعيد السعي. إلا أن تعدد وزراء الثقافة في مصر أربك هذا المسعى كما يبدو، ولا أجد مبررًا مقبولاً لعدم وجود متحف له منذ وفاته منذ 9 سنوات وحتى الآن».
وبحنين شديد يروي الشربيني بداية علاقته بمحفوظ، قائلا: «بدأت علاقتي به منذ أواخر الستينات في (ريش)، فقد كان الأدب لدي موازيًا للفن بشكل دائم فقرأت أعماله، وحرصت على حضور ندواته، إلى أن توطدت علاقتنا بعد نوبل بسنة 1989 أثناء ندواته التي كانت تنعقد في كازينو (قصر النيل)، وكانت علاقتنا تتوثق بشكل يومي لمدة خمسة أيام في الأسبوع».
ومع حلول المناسبة السنوية لنوبل، يستعيد الشربيني صوت «الأستاذ» وهو يقول باسمًا «أسبوع الآلام»: «بعد نوبل كانت الأضواء تجعله مرتبكًا وتتعبه فضلاً عن أنه لم يكن يحب أن يتحدث عن نفسه كثيرًا ولا يحب المديح، وقد كان مجبرًا على إجراء لقاءات صحافية وتلفزيونية وهو أمر لم يكن محببًا له».
ويشير إلى أن «جميع دول العالم تكرم النابغين والعظماء من كبار الكتاب والفنانين باحتفاليات ضخمة تفيهم حقهم وتجلب عائدًا ماديًا وسياحيًا كبيرًا لها، وقد كنت شاهدًا على تكريم سيزان في أوروبا بمناسبة مرور 100 سنة على وفاته، وكان شيئًا فوق الخيال استمر لمدة 3 شهور محققًا أرباحًا بقدر90 مليون دولار، فلماذا لا يتم الاحتفال بمحفوظ وإعطاؤه قيمته؟».
ويلفت الشربيني إلى أنه قد بدأ بإعداد كتاب عن «التشكيل في أدب نجيب محفوظ»، وأن «أغلفة رواياته التي صممها جمال قطب التي صدرت عن (مكتبة مصر بالفجالة) هي لوحات فنية بحد ذاتها، ويجب أن يتم إصدارها في كتاب. كما يجب أن تعيد الدولة طباعة رواياته التي نفدت وتوقفت دار (الشروق) عن إعادة طبعها».
ماذا عن الحس الفني عند محفوظ؟، نسأله فيجيب: «كان لديه حس تشكيلي عالٍ في وصف اللوحات والديكورات في رواياته، كان يبتكر تصميماتها بالكتابة، كان مؤهلاً لأن يصبح فنانًا تشكيليًا بامتياز، ولا يوجد من يماثل براعته في وصف الأماكن من حارة لبنزايون أو تكية». ويضيف: «من وجهه للاهتمام بالتشكيل كان عباس العقاد، الذي نصحه بالاطلاع على الفن التشكيلي خاصة كتاب بالإنجليزية (الفنون الجميلة خلال العصور)، وكان هذا الكتاب على طاولة بالقرب من باب شقته كل يوم قبل أن يغادر منزله ينظر للوحات ليتعرف على تاريخ المدارس الفنية في العالم، وكذلك فعل مع الموسيقى».
وحول اهتمام محفوظ بالحركة التشكيلية في مصر، قال: «كان محفوظ حريصًا على زيارة المعارض التشكيلية منذ عام 1937 خاصة المعرض السنوي في (سرايا تيجران)، الذي كانت تقيمه جمعية محبي الفنون الجميلة، حيث تعرف من خلاله على ناجي وراغب عياد ومحمود سعيد وأحمد صبري وآخرين. كان لديه حس راقٍ جدًا. وبالمناسبة لقد أحب أحمد عدوية وسمّاه صوت الحارة الشعبية، لأنه كان منحازًا للناس دومًا».
يتصفح الشربيني ألبوم صوره مع محفوظ أثناء زيارة العالم المصري الحاصل على نوبل أحمد زويل، وصورة أخرى تسجل لحظة حميمية لمحفوظ مع الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، وصورًا أخرى مع الفنان عادل إمام وفاتن حمامة وأميتاب باتشان. ويتذكر الفنان التشكيلي المناسبات التي التقط فيها تلك الصور قائلاً: «بعضها التقطته في كازينو قصر النيل ومنذ عام 1994، بعد أن أصرّ د. يحيى الرخاوي أن تعقد الجلسات في أكثر من مكان في أعقاب حادث الاغتيال الذي تعرض له محفوظ إثر نشره فصل من رواية (أولاد حارتنا) في جريدة (الأهرام)، لذا بعض الصور التقطتها في فندق ماريوت الزمالك أو هيلتون رمسيس، وكانت تعقد لقاءات الأحد في فندق شبرد وسط القاهرة، والاثنين في فندق نوفتيل في المطار. أما يوم الثلاثاء فكان اللقاء في سفينة (فرح بوت) بالجيزة، والأربعاء في سوفتيل المعادي، وكان محفوظ يخصص يوم الخميس مع مجموعة خاصة جدًا من أصدقائه على رأسهم المخرج توفيق صالح والفنان التشكيلي جميل شفيق، حيث كانوا يلتقون في قرية فلفلة في المنيل».
ويضيف الشربيني: «كان محفوظ منظمًا بشكل قاسٍ جدًا في مواعيده والتزامه بالكتابة اليومية حتى في ترتيب نقوده في الحافظة. قبل الساعة 9 ونصف بالدقيقة كان يقف ويغادر المكان، وكان الالتزام بالوقت أمرًا لا يمكنه التفريط فيه، فضلاً عن الزهد والحكمة والتواضع في كل شيء، وكذلك الوفاء. ولا بد أن أذكر هنا أنه كان يردد دومًا أن العقاد والحكيم أحق منه بنوبل».



أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين
TT

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تعدد الشخوص واللغات والقضايا التي تنزع إنتاج معنى.

إن الروائي اليمني أحمد زين (1968)، منذ تجربته البكر «تصحيح وضع» (دار الانتشار العربي - 2004)، إلى «رماية ليلية» (دار المتوسط - 2024)، وغيرهما، رسخ تقاليد كتابة روائية تنبني على الجدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمألوف على مستوى الشكل الروائي، إذا ما ألمحت لكونه يتفرد - في تصوري - بخصوص الإنجاز الروائي بوضع مسافة زمنية تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات بين رواية وثانية، الشيء الذي يوضح أن ثمة تفكيراً روائياً قبلياً قبل الإقدام على التحقق والاكتمال. يلاحظ هذا أيضاً على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري، والتونسي الحبيب السالمي، واليمنيين علي المقري ووجدي الأهدل، وأيضاً لدى الروائيات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني.

بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين على فعل القص دون أن يلغيه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقاً من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة النص الروائي، نحو ما نقف عليه في «وردية الليل» لإبراهيم أصلان، كما في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بـ«الموازاة الأجناسية»، وفق ما عكسته تجربة الروائي الراحل محمد زفزاف، الذي حافظ على إيقاع إصدار مجموعة قصصية في سنة، ورواية في سنة ثانية، إلى حين رحيله. والحالة ذاتها جسدها محمد صوف، في حين نجد من الروائيين من لم يصدر مجموعة قصصية على امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الضعيف، وعبد الله العروي، وشعيب حليفي.

خصائص إبداعية

يقود المعبر عنه إلى محاولة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركاً بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاستمرارية الإبداعية التي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضافة، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين رواية وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحالة قارئه. فمن خلال الآثار السابقة تتولد قناعة القيمة والرغبة في الإضافة - كما سلف - وهو ما يحقق التكامل بين أفقين: أفق الروائي المبدع، وأفق القارئ المتلقي. على أن ما تعكسه الاستمرارية الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى في كون المكتوب صورة دقيقة عن وجود مقروء. فكفاءة الإنجاز الروائي لا يمكن أن تتخلق عبثاً، وإنما انطلاقاً من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بالأخص، تفسح إمكان القول إن أي تميز روائي وليد قراءة. فأحمد زين في تفرده روائياً بمنزلة قارئ تأسيساً من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الروائي الكفء يجيد تصريف وتذويب مقروئه في تعبيره الروائي، بحيث يصعب الوصول إلى استجلاء الأثر والتأثير. يحدث هذا على مستوى النصوص المقروءة، إلى تداخل الأجناس وفق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية».

وبذلك، فإن الاستمرارية الإبداعية قناعة بما للكتابة الروائية من بلاغة التأثير، عكس التوقف الذي يطول بعض التجارب الروائية بمبررات لا يمكن التكهن بخلفياتها. يقول أحمد زين في حوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جابر: «الروائيون الذين أصدروا روايات في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات كفوا عن الكتابة، ولم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية».

في دور الذاكرة

تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الروائية لأحمد زين. ويمثل حضورها وظيفة غايتها الامتياح من الذاتي في معايشته وقائع سياسية واجتماعية وثقافية عرفها اليمن، وتبقى في أمسّ الحاجة للتوثيق والتأريخ من منظور الرؤية الروائية المغايرة، بما هي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع.

بيد أن ما لا يجب أن يُفهم، كون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الذاتية، علماً بأن لا كتابة في منجاة من البعد الذاتي، وخاصة أن ميثاق التعاقد الذي يربط الروائي بقارئه يتحدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا التجربة تحديداً من يجنح إلى القول إن شذرات الذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هذا التصور يبدو صحيحاً. وهو ما عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرفٍ ما دون كتابتها. يرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هموم خاصة أو ذاتية، في المعنى الضيق للذاتية، بعيداً عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو ليس صعباً فحسب، إنما أيضاً نوع من الترف، في حال حصل».

الفضاء اليمني

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد السداسية الروائية من 2004 إلى 2024؛ بمعنى أن زمن المنجز السردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصل أن الامتداد دعوة ليقظة الذاكرة كي تحكي سيرة الفضاء بما يتفاعل فيه من أحداث ترتبط بأمكنة وأزمنة تمتلك هدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فالذاكرة تعد ذاكرة فضاء في دينامياته التي عاشها، وما انطبع بها من إخفاقات وحروب لم تفتأ تنتهي إلا لتوقد من جديد. من هنا، فإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيداً عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يقول زين: «في اليمن، يتقدم العام دوماً، يسحق ما هو خاص أو في هيئته، فلا مجال لمقاربة أحوال الفرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها».

وتقود الاستمرارية الإبداعية المتحدث عنها إلى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الرواية في وعلى ملامسة القضايا، والتعبير عن تنوع الأحداث في رصد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها.

* كاتب من المغرب

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية من 2004 إلى 2024


«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة
TT

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها، حيث تعيد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيداً عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحياناً الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد.

تتداخل في العمل، الصادر أخيراً عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد عويضة، تجربة الأمومة وفعل الكتابة الإبداعية عندما تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حيث قامت امرأة تُدعى «أليس» بإغراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام.

تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تعرف هذه الأم القاتلة شخصياً في الماضي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلاً من أن تستغل إجازة الأمومة المرتقبة للعناية بطفلها الرضيع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة.

تبدأ البطلة رحلة تتبع وبحث جنائي وأدبي لمعرفة الحقيقة المظلمة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أماً وأن تكون مبدعة في آن واحد.

الأمومة والإبداع

تمزج حبكة الرواية بين البناء الكلاسيكي لقصص التشويق والإثارة وأسلوب التحقيق الصحافي والجرائم الواقعية، مع طرح الأفكار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد من أكبر المحرمات أو «التابوهات» الاجتماعية والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائماً حباً مطلقاً وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة.

وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، من خلال استلهام تجارب وسير ذاتية لكاتبات وشاعرات عانين من المعضلة ذاتها، واختبرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مثل الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، والروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

عالمان متناقضان

جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الذاتي الحاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث.

تضع تلك الأجواء القارئ أمام تساؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة: هل الأمومة يمكن أن تتحول أحياناً إلى سجن أو زنزانة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائماً إلى الأمومة على أنها قدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحدة من الأصوات الأدبية الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المعاصر. تميزت مسيرتها الأكاديمية والعملية بتنوع إبداعي لافت، حيث جمعت بين البحث المتخصص في السرديات السينمائية والإبداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعداً بصرياً متميزاً لأسلوبها السردي.

اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية في أوروبا اليوم، حيث تقدم رؤية فريدة تدمج بين الحساسية الأدبية والتفكيك النقدي للأنماط الاجتماعية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«الأدب هو الخيمياء، معرفة ما قبل معرفة علمية وبربرية وعقلانية وعاطفية وطوباوية وسياسية وباردة وحارقة ومجنونة وجميلة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة.

الأدب لغز لا يحتاج إلى إجابات هنا والآن؛ لأنه لا يطرح عليَّ أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة.

تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعاً لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعاً» وهو يلوّح بكفه الصغيرة. بدا سعيداً مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيضاً. ومن المؤكد أن نيكولاس أيضاً سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلى درجة أنه لم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفوق كل ذلك فأنا أيضاً سعيدة، سعيدة وأنا وحدي في منزل أمي.

أهرب أنا أيضاً خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مثالي: درجة الحرارة والرائحة وصوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. سيعود الجميع إلى الداخل خلال ساعتين أو ثلاث. سيعود إيريك نائماً ومجهداً بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى.

سينتهي هذا الكمال في غضون ستة أيام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمي: «وداعاً» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة.

سأعود لأراقب حسابي الجاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفوق كل هذا سيتعين عليّ قراءة كل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لقاء عنيف وغير سار هناك ينتظرني، الأموات والأحياء، «أليس» والتوأمان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر».


«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات
TT

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات، وتحديداً السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الثورة على نظام الشاه، وإعلان ما سُمِّيت لاحقاً «الجمهورية الإسلامية».

ووصف النقاد الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «من الروايات النادرة التي تبقى في ذاكراتك طويلاً بعد طي صفحتها الأخيرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانباً مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة».

كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والصداقة والحب، كما يظهر دراما فقدان البراءة، ويكشف جانباً مجهولاً عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون.

في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والعنف أيضاً، مؤكداً في الوقت نفسه على المشاعر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً.

تدور الأحداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر سبعة عشر عاماً صيف 1973 على سطح منزله، مع صديقه المقرب «أحمد».

يتمازحان تارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تارة أخرى. يخفي «باشا» حباً سرياً لجارته الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتها لرجل آخر. وسرعان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» معاً، عندما يساعد الأول من غير قصد شرطة الشاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق.

وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام 1956، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة عام 1976 وهو في التاسعة عشرة من عمره. استكمل دراسته في جامعة أيوا؛ حيث نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم.

يتخذ سِراجي حالياً من منطقة خليج سان فرانسيسكو مقراً لإقامته؛ حيث يعمل مستشاراً في مجال الإدارة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سمعتُ صوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي:

لو أن لدي كتاباً، لقرأته.

لو أن لدي نشيداً، لغنيته.

نظرتُ حولي حتى رأيت رجلاً عجوزاً يقف على بعد أمتار قليلة ينشد بنبرة ثابتة جوفاء. لم يبدُ المكان مألوفاً بالنسبة إليَّ، فالرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، وأشعة الشمس التي تتسلل بين الظلال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً:

لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها.

لو أنني أعرف قافية، لرددتها.

لو أن لي حياة، لخاطرتُ.

لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ.

في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقاء. كان هناك شيء غريب في كل واحد منهم؛ حيث بدوا تائهين. فجأة امتلأ صدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة:

ساعدوني هنا، ساعدوني!

هرع رجل يرتدي زياً أبيض وحاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة:

ابقَ في مقعدك يا عزيزي، ابقَ في مقعدك!

وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزتُ على الجلوس بثبات، ونظرتُ نحو الرجل العجوز في الجانب البعيد من الغرفة. أخذ يحدق إليَّ وهو يكرر ترنيمته على نحو محموم:

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً...

اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة:

سأعطيك مهدئاً ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي.

شعرتُ بوخز في ذراعي، وفجأة أصبح رأسي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي».