العقيدة العسكرية الروسية الجديدة

«الأربعة الكبار» الذين يقفون وراء «معارك» سيّد الكرملين في الخارج

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة
TT

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة

يسلّط التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا الضوء على ما يصفه المراقبون السياسيون والاستراتيجيون في الغرب بـ«العقيدة العسكرية الروسية الجديدة» في عهد الرئيس فلاديمير بوتين. ومعلوم أن آخر تدخل عسكري خارجي مباشر أمرت به موسكو كان التدخل في أفغانستان إبان الحقبة السوفياتية. أما في أوروبا، فطبّقت موسكو «مبدأ بريجنيف» للحفاظ على وحدة منظومة دول «حلف وارسو» وتماسكها ومنعه خروج دول أوروبا الشرقية منها إبان «صراع الشرق والغرب» الذي شكل لبّ الحرب الباردة بين العملاقين الاشتراكي والرأسمالي، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.

متكئًا على ما سبق وأجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تغييرات في «العقيدة العسكرية الروسية» في نهاية العام الماضي، واتصالاً بما حقّقه مما وُصف بـ«مكتسبات» تاريخية أعادت – بالنسبة إليه – إلى الوطن ما استلبه الآخرون في غفلة ممن أوكِلت إليهم مقاليد أموره من أراض استعادها في شبه جزيرة القرم، اتخذ بوتين قراره حول الخروج بقواته الجوية إلى ما وراء الحدود بحجة «حماية بلاده والعالم من أخطار الإرهاب الدولي».
كان قد سبق لبوتين أن كشف عن بعض ما يجنح إليه في الملمّات، وحين يرى أنه مطالب باتخاذ أكثر القرارات خطورة ومصيرية، إذ قال الرئيس الروسي في معرض شريط وثائقي تلفزيوني أذاعه التلفزيون الروسي في مطلع العام الحالي حول ما جرى وراء كواليس اتخاذ قرار استعادة شبه جزيرة القرم، إنه اضطر إلى لقاء كثيرين من كبار رجال الدولة وممثلي أجهزة الأمن والدفاع ليجلس إلى كل منهم على حدة مستفسرًا ومتسائلاً.
كان يومذاك يريد أن يستوضح الرأي تجاه احتمالات اتخاذ قرار ضم القرم، وما إذا كانت بلاده تستطيع أن تواجه أكبر قدر من الضغوط وردود الفعل، بأقل قدر من الخسائر.
وبعد سلسلة من الاجتماعات التي استغرقت بضعة أيام، كان لقاؤه مع أربعة من أقرب مساعديه، الذي طال حتى السابعة من صباح اليوم التالي.

الشخصيات الأربع
لم يفصح بوتين بطبيعة الحال عن أسماء الشخصيات الأربع، وإن كانت كل المؤشرات عند المطلعين على المشهد السياسي في موسكو تقول إن الأربعة لا يخرجون عن التالية أسماؤهم:
الشخصية الأولى هي رئيس ديوان الكرملين سيرغي إيفانوف، الذي سبق له أن ترأس جهاز الأمن والاستخبارات وبعدها وزارة الدفاع في أول حكومة شكلها بوتين في عام 1999، وهو يرتبط مع الرئيس بعلاقة صداقة وثيقة منذ سنوات الدراسة في جامعة لينينغراد (جامعة بطرسبرغ حاليًا) التي تخرّجا فيها والتحقا معًا بجهاز أمن الدولة (كي جي بي) في عام 1975.
أما الشخصية الثانية فهي حتمًا الجنرال نيكولاي باتروشيف، وهو ابن مدينته أيضًا لينينغراد (بطرسبرغ حاليًا) الذي كان خلف بوتين في رئاسة جهاز الأمن والاستخبارات وتولّى هذا المنصب بين عامي 1999 و2008. وهو حاليًا يشغل منصب السكرتير الحالي لمجلس الأمن القومي. وكان باتروشيف قد التحق بجهاز أمن الدولة في عام 1975 بعد تخرّجه في معهد بناء السفن في نفس توقيت التحاق بوتين وإيفانوف بهذا الجهاز.
وتأتي الشخصية الثالثة المدعوّة بحكم منصبها إلى حضور كل ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية وهي الجنرال سيرغي شويغو، وزير الدفاع الحالي، الذي انضم حديثًا إلى الدائرة القريبة من بوتين. وكان شويغو وزيرًا للطوارئ زهاء عشرين سنة، بعدما خَبَرَه بوتين في أكثر من موقع، وفي أكثر من مناسبة أثبت طوال الفترة – وفق المقرّبين من سيد الكرملين – أنه «رجل الأمن الوفي الأمين القدير، الحريص على مصالح الوطن وسلامة أراضيه».
أما الشخصية الرابعة التي طالما عهد بوتين إليها بتأمين خطوطه الأمامية في المجتمع الدولي فهي سيرغي لافروف، «عميد الدبلوماسية الروسية»، الذي وقع عليه خياره ليشغل منصب وزير الخارجية منذ عام 2004، وكان قبلها مندوبًا دائمًا لبلاده في منظمة الأمم المتحدة لما يزيد على عشر سنوات.
أما عن رئيس الحكومة الروسية ديمتري ميدفيديف فهو يعتبر بحكم منصبه الشخصية الثانية في هرم الحكم. وثمة ما يشير إلى احتمالات مشاركته، غير أن المصادر المطلعة تقول إنه حتى عندما يشارك فإن ما يطرحه من آراء لا يلقى اهتمامًا كبيرًا لأنه «يتهم» بالإفراط في الميول الليبرالية التي طالما كشف عنها خلال توليه لمقاليد الرئاسة في الكرملين 2008 - 2012.
هذه هي الصورة التي يعطيها مراقبون جيدو الاطلاع على المشهد السياسي في موسكو عن «الدائرة الضيقة» المحيطة ببوتين والمتّصلة بالقرارات العسكرية والأمنية.

التدخل في سوريا ليس «وليد اللحظة»
المراقبون المشار إليهم أعلاه يؤكدون أن قرار فلاديمير بوتين، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة لروسيا الاتحادية بالدفع بالمقاتلات والقاذفات الروسية إلى ما وراء حدود الدولة الروسية بهدف «ضرب معاقل تنظيم داعش المتطرّف وغيره من التنظيمات الإرهابية»، حسب البيانات الرسمية، لم يكن وليد اللحظة. ولعل التفكير فيه كان يسبق بكثير زمنيًا الموعد الذي بوغت به العالم بعد عودة بوتين من الأمم المتحدة ولقائه هناك نظيره الأميركي باراك أوباما.
ويرجح أيضًا أنه كان في البال قبل أن يعلن الكرملين عن خطة بوتين المشاركة في أعمال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة بما يزيد على الشهر من الموعد المقرّر، وعن أنه يعكف بنفسه على كتابة خطابه الذي قرّر ألقاه هناك. ولعل بوتين، من ناحية أخرى، كان يستعيد أيضًا بعضًا من الماضي القريب الذي كان شهد أعلى درجات التنسيق والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع الإدارة الأميركية، يوم كانت الولايات المتحدة في أمسّ الحاجة إلى مساعدته وتعاونه بعدما ضربها الإرهاب في مقتل يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
يومذاك استيقظ بوتين على وقع رنين الهاتف، وكان المتحدث في الجانب الآخر الرئيس جورج بوش الابن، وإذا ببوش يسأل عن مدى استعداد بوتين لمساعدته وفتح أجواء بلاده لعبور المقاتلات والطائرات الأميركية «لضرب الإرهاب في أفغانستان». وهذا ما سارع بوتين بالموافقة عليه، بل وزاد عليه موافقته على وجود قواعد أميركية مؤقتة في جمهوريتي قرغيزستان وأوزبكستان السوفياتيتين سابقًا، وهو أمر استفاد منه الرئيس الروسي لاحقًا في عمليات الإجهاز على ما تبقى من ذيول الحركة القومية الانفصالية الشيشانية وبعض الجماعات الإرهابية في الداخل الروسي، وبالأخص في مناطق شمال القوقاز.
ووفق المصادر المطلعة في موسكو، كان بوتين قد انطلق في قراره حول «الضربة الجوية» في سوريا من «عجز بيّن» على مدار ما يزيد على العام في نشاط الائتلاف الدولي الذي أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيله وضم زهاء ستين دولة لمحاربة إرهاب تنظيم داعش. ولقد استند بوتين في قراره حول سلسلة «الضربات الجوية» إلى ما سبق وأجراه من تغييرات في العقيدة العسكرية الروسية، نصّت على «حق روسيا في استخدام قواتها المسلحة خارج حدودها لمواجهة أية أخطار تهدد أمنها القومي»، انطلاقًا مما كانت تنص عليه «العقيدة العسكرية الروسية» في صياغتها السابقة التي كان قد أقرّها سلفه ديمتري ميدفيديف في 5 فبراير (شباط) 2010 بخصوص «إمكانية إعادة النظر في أحكام العقيدة العسكرية بالتغيير والتعديل والإضافة بما يتناسب مع الأخطار والتهديدات لأمن ودفاع البلاد، وظروف تطوّرها».
ولعل العالم يذكر ما قاله بوتين في مستهل حملته ضد القوميين الشيشان في أعقاب دخولهم إلى داغستان (ذات الحكم الذاتي ضمن روسيا الاتحادية مثل جمهورية الشيشان) المجاورة سعيًا وراء إقامة «الخلافة الإسلامية»، وكان بوتين داهم مواقعهم هناك وطاردهم حتى لاذوا بالفرار عائدين إلى الشيشان. ومن ثم واصل ملاحقتهم متوعدًا: «سأطاردهم أينما كانوا.. سألاحقهم حتى المراحيض».

هاجس توسّع «ناتو»
ويذكر المراقبون الروس أن موسكو كانت عادت إلى طرح رؤيتها الاستراتيجية انطلاقًا ممّا نصّت عليه العقيدة العسكرية «لمواجهة الأخطار التي صارت تهدد أمن الدولة في أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانية»، وكذلك ما أعلنه حلف شمال الأطلسي «ناتو» من خطط لتعزيز قواته وقواعده على مقربة من الحدود الروسية، فضلا عمّا عاشته روسيا من مخاوف إزاء احتمالات تأثير انتفاضات «الربيع العربي» على الداخل الروسي.
وكان هؤلاء توقفوا طويلاً أمام ما تنصّ عليه هذه الوثيقة العسكرية حول أن «العدو الأول الخارجي لروسيا هو توسّع حلف شمال الأطلسي شرقا باتجاه الحدود الروسية»، وعند اعتبارها أن «خطة الولايات المتحدة حول نشر الدرع الصاروخية في أوروبا على مقربة من الحدود الروسية مصدر قلق للأمن القومي الروسي، فضلاً عن الأخطار الداخلية، ومنها محاولات تغيير النظام الدستوري والتطاول على وحدة أراضي الدولة من خلال الحركات الانفصالية والإرهاب بكل أشكاله»، ما سبق أن عانت منه روسيا في تسعينات القرن الماضي في منطقة شمال القوقاز، وهو ما عكسته العقيدة العسكرية السابقة التي صدرت في 2010.
وفي السياق ذاته أشار الرئيس الروسي إلى أن الأزمة الأوكرانية تضع الولايات المتحدة نفسها في صدارة قائمة الأخطار المباشرة التي تهدّد أمن بلاده، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في العقيدة العسكرية الروسية التي كان أقرها ميدفيديف في فبراير 2010. وهو ما يفسر ما أدخله الكرملين من إضافات وتعديلات على النص السابق لهذه العقيدة العسكرية التي أقرّها بوتين نفسه قبل نهاية العام الماضي، وليس في عام 2020 كما كان مقررًا في السابق.

رد فعل من موسكو
وحسب المراقبين السياسيين في موسكو، وراصدي منظور الساحة السياسية المحلية إلى الشؤون الدولية، فإن ما يتخذه الرئيس الروسي من قرارات وخطوات «رد فعل طبيعي على ما أقرته واشنطن وحلفاؤها من بلدان الاتحاد الأوروبي من عقوبات اقتصادية في إجراء عقابي لما وصفته بأنه تدخل روسيا في الأزمة الأوكرانية». وكان بوتين قد اضطر إلى اتخاذ بعض الإجراءات الجوابية، ومنها حظر صادرات هذه البلدان من المنتجات الزراعية والغذائية إلى روسيا.
ولم يتوقف الرئيس الروسي عند هذا الحد، بل سرعان ما كشف أيضًا عن أن بلاده «صارت مدعوة إلى تغيير عقيدتها العسكرية، ولا سيما بعد إصرار الولايات المتحدة على نشر عناصر درعها الصاروخية في أوروبا وآلاسكا (المجاورة للشرق الروسي في شرق سيبيريا)، وتعزيز قوات «ناتو»، ونشر قواعد عسكرية جديدة في بلدان شرق أوروبا، على تخوم الأراضي الروسية، إلى جانب الاستمرار في خطط «عسكرة» الفضاء الكوني، ومحاولات استخدام الأسلحة الاستراتيجية بوصفها أسلحة غير نووية».
كذلك اتهم بوتين الولايات المتحدة، صراحة ومباشرة، بمواصلة محاولات استغلال الأزمة الأوكرانية لخدمة مآربها العسكرية الذاتية وتعزيز حلف «ناتو».

خطر «داعش» على روسيا
هذا، وكانت الأجهزة الروسية، بما فيها وزارة الدفاع، قد شددت على ضرورة إدراج أخطار انتشار التنظيمات الإرهابية، ومنها «داعش»، وبالأخصّ بما أعلن عنه من تهديدات بنقل نشاطه إلى جنوب روسيا والقوقاز، بل والتهديد بتصفية بوتين شخصيًا، ضمن سلسلة الأخطار التي تستوجب اتخاذ إجراءات خاصة ومنها البدء بتوجيه الضربات الوقائية والاستباقية.
ومن اللافت أن العقيدة العسكرية الروسية في صياغتها السابقة لم تكن تدرج ما يقوم به «ناتو» من مهام عسكرية في مناطق من العالم من دون تكليف مباشر من مجلس الأمن. ولذا أكدت العقيدة العسكرية الروسية في صياغتها الأخيرة على أن بين «الأخطار العسكرية التي تهدّد الوطن» نشر وزيادة القوات الأجنبية في الدول والمياه المجاورة، «بما في ذلك بهدف الضغط السياسي والعسكري على روسيا»، إلى جانب «استخدام القوة العسكرية في أراضي دول الجوار في انتهاك لقواعد القانون الدولي، وظهور بؤر للنزاعات العسكرية هناك وتصعيدها، وأيضًا إقامة أنظمة في الدول المجاورة تكون سياستها مهدّدة للمصالح الروسية».

تهديد النظام ووحدة الأرض
والأسس الروحية
أيضًا تضمّنت النسخة الجديدة للعقيدة العسكرية الروسية من بين الأخطار الخارجية أيضًا «المطالبة بأراضٍ من روسيا ومن حلفائها، والتدخل في شؤونهم الداخلية». وإضافة إلى كل ذلك تضمنت العقيدة عنصرًا آخر جديدًا، وهو «الخطر الداخلي الأساسي الذي يتمثل في النشاط الإرهابي، والأعمال التي من شأنها زعزعة استقرار البلاد». وهذا إلى جانب الأخطار التي تقضي بمواجهتها «النشاطات التي تهدف إلى الإطاحة بالنظام الدستوري في روسيا، ومحاولات زعزعة استقرار الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد، والإخلال بعمل السلطات العامة، والمراكز الحكومية المهمة والمنشآت العسكرية والبنية التحتية المعلوماتية لروسيا»، فضلاً عن أنها أدرجت أيضًا ولأول مرة بين مهام القوات المسلحة في زمن السلم «تأمين المصالح الوطنية في القطب الشمالي». وأخيرًا، يبقى أن العنصر الأهم والأخطر هو ما نصّت عليه ضمن 14 خطرًا عسكريًا خارجيًا أساسيًا على روسيا، وهو يتمثّل بـ«نشاطات أجهزة الاستخبارات والمنظمات التخريبية الأجنبية، والتهديدات المتصاعدة للتطرّف والإرهاب، بما فيها أعمال المنظمات الإرهابية والأفراد التي تهدف إلى تقويض سيادة الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها وانتشار أسلحة الدمار الشامل والصواريخ وتقنياتها».
وأخيرا، فإن المراقبين والراصدين يلفتون إلى أن «قائمة الأخطار» لا تقف عند هذا الحد، بل تجاوزت ما سبقت الإشارة إليه، لتشمل أيضًا الأنشطة التي «تستهدف تغيير النظام الدستوري في الاتحاد الروسي بشكل قسري وزعزعة استقرار الوضع السياسي الداخلي والاجتماعي وإثارة الخلل في آلية السلطة والمنشآت الدولية والعسكرية والبنية التحتية للمعلومات التابعة للاتحاد الروسي»، بالإضافة إلى «الأنشطة التي تشمل التأثير الإعلامي على المواطنين وبالدرجة الأولى على الشباب، والتي تهدف إلى تقويض الأسس التاريخية والروحية والوطنية في ما يخص حماية البلد الأم، وكذلك الأعمال التي تستهدف إثارة التوتر العرقي والاجتماعي والتمييز العنصري وإشعال نار الكراهية الدينية والإثنية».

وزراء الدفاع في روسيا والاتحاد السوفياتي

* (بعد إنشاء المنصب عام 1953)
الاتحاد السوفياتي
نيكولاي بولغانين: مارس (آذار) 1953 - فبراير (شباط) 1955
جورجي جوكوف: فبراير 1955 - أكتوبر (تشرين الأول) 1957
روديون مالينوفسكي: أكتوبر 1957 - مارس 1967 (توفي إبان توليه المنصب)
آندريه غريتشكو: أبريل (نيسان) 1967 - أبريل 1976 (توفي إبان توليه المنصب)
دميتري أوستينوف: يوليو (تموز) 1976 - ديسمبر (كانون الأول) 1984 (توفي إبان توليه المنصب)
سيرغي سوكولوف: ديسمبر 1984 - مايو (أيار) 1987 (عزله الرئيس ميخائيل غورباتشوف بعد حادثة الطيار الألماني الهاوي ماثياس روست، الذي هبط بطائرته الصغيرة في الساحة الحمراء بوسط موسكو من دون إذن رسمي متجاوزًا منظومة الدفاعات الجوية للبلاد)
دميتري يازوف: مايو 1987 - أغسطس (آب) 1991 (عزله غورباتشوف لمشاركته في محاولة الانقلاب الهادفة إلى تثبيت الحكم الشيوعي بعد سياسات «الانفتاح» التي اعتمدها الكرملين)
يفغيني شابوشنيكوف: أغسطس 1991 - ديسمبر 1991
روسيا (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)
بوريس يلتسين (بالوكالة): ديسمبر 1991 - مايو 1992
بافيل غراتشيف: مايو 1992 - يوليو 1996
ميخائيل كوليسنيكوف (بالوكالة): 1996
إيغور روديونوف: يوليو 1996 - مايو 1997
إيغور سيرغييف: مايو 1997 - مارس 2001
سيرغي إيفانوف: مارس 2001 - فبراير 2007
أناتولي سيرديوكوف: فبراير 2007 - نوفمبر (تشرين الثاني) 2012
سيرغي شويغو: نوفمبر 2012 - حتى الآن



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».