الموصل في مذكّرات الرّحالة الأجانب

زارها زينفون وابن جبير وابن بطوطة وبنيامين التطيلي وماركوبولو وريكاردو بنيني

مشهد جانبي من مدينة الموصل
مشهد جانبي من مدينة الموصل
TT

الموصل في مذكّرات الرّحالة الأجانب

مشهد جانبي من مدينة الموصل
مشهد جانبي من مدينة الموصل

الأب سهيل قاشا عالم تراث بارع، ومنتج ثري له أكثر من عشرين كتابًا قيمًا، آخرها «المسيحيون في العصر الأموي»، و«التّنوير في العهد الجليلي في الموصل»، وهذا الكتاب «الموصل في مذكرات الرحالة الأجانب خلال الحكم العثماني». وله عشر مخطوطات، ربما سترى النّور قريبًا. وقد ولد الباحث في قراقوش بالقرب من الموصل، واشتغل في التّعليم.
منذ احتلال «2003» وحتى الآن، شغلت الموصل وبضع مدن أخرى في العراق الأخبار إذ تركزت فيها وعليها مؤامرات الميليشيات المنفلتة التي تتلاعب بها إيران، وشقيقتها المتعصّبة الفاشستية التي تحركها القاعدة وما يسمى الدّولة الإسلامية في العراق والشّام. تعرضت المدينة العريقة لاضطهاد الحكام الطّائفيّين مدة تزيد على عشر سنين، وكانت آخر مؤامرة وكارثة أصابتها حينما تركها الحكم المهزوز غنيمة باردة لعصابة «داعش».
موقع الموصل الجغرافي جعلها مركزًا تجاريًا وثقافيًا شديد الأهمية، منذ إنشائها حتى الآن، فهي كبغداد والبصرة وحلب ودمشق تقع على طريق الحرير المشهور، بشقيه البري والبحري، وقد ازدهرت كبغداد في العصور القديمة، ونالها من الخراب ما نالته جميع مدن الشرق الأوسط بعد سقوط الدّولة العباسية.
جذبت الموصل رحالة كثيرون منهم زينفون الذّي وصلها في سنة 409 ق.م، وابن جبير الذّي زارها سنة 580ه - 1184م، وابن بطوطة. ثم بنيامين التطيلي عام 1173م، وماركوبولو عام 1272م، وريكاردو بنيني عام 1290م.. إلخ (ص7)».
ركز الأب المحترم قاشا من خلال هذه الدّراسة على أحوال مدينة الموصل في فترة العصر العثماني الممتدة بين سنة 1534 - 1918. إذ زارها عشرات الرّحالة بدءا من راوولف الهولندي الذّي قصد المدينة سنة 1556م، وتافرنييه 1791، وجاكسون 1797، ونيرزا أبو طالب 1864، وبدج 1889، وويكرام 1898، والميجر سون 1907، وغيرهم.
اختلف الرّحالة في تقدير عدد سكان الموصل فيدعي نيبور أن العدد يتجاوز ثلاثمائة ألف نسمة، إلا أنه يعترف بصعوبة الإحصاء.. (ص28)، بينما ينزل جرانت وآخرين العدد إلى العشر، 30 ألف نسمة في سنة 1840، ويعود ذلك في ظنّي إلى تقديرات شخصيّة، لا إلى إحصاءات دقيقة كالتي تجري الآن.
ويذكر الجميع أن أغلب السّكان عرب سنة، وهناك أكراد، ومسيحيّون، وصابئة، أما اليزيديّة والشّبك فيقطنون خارج الموصل. حسب ما يذكره الميجر سون «يتمتّع النّصارى فيها بحرية وهم بمنجاة من الاضطهاد» ويرجع ذلك إلى كون الجميع عربا في الإحساس والّلغة. وكان لتولّي عائلة الجليلي مقاليد الحكم لأكثر من قرن تأثير في هذه النّاحية لأنّهم كانوا متسامحين مع الجميع، أما نيبور فيؤكد «حالة النّصارى في الموصل أحسن بكثير من النّصارى في بقية بلدان الإمبراطورية العثمانيّة، فإنهم يعيشون سعداء وعلى وئام تام مع المسلمين، ولهم الحقّ في أن يلبسوا كما يلبس المسلمون.. (ص31) ولعل هذا التّآخي ظهر بشكل جلي في حصار نادر شاه للموصل، إذ دافع المسيحيّون واليزيديّة والأكراد عن المدينة إلى جانب المسلمين، فكافأهم حسين باشا (الحاكم) بترميم جميع الكنائس في الموصل وخارجها على حساب الدّولة.
وفيما يخص الزراعة، يشيد لانزا بخصوبة أرض الموصل، ويذكر أن غلتها تفيض عن حاجة الولاية، وأن المدينة تتعرّض بين آونة وأخرى لغزو الجراد. يقول: «إن المواد الغذائيّة أرخص قيمة من سائر الولايات وبخاصة الخبز، والعنب، والخوخ والقطن.. إلخ». ويؤكد فنشنسو: «استمتعنا كثيرًا بأكل البطيخ وخاصة الرّقي، ولم أشاهد في حياتي نظير الرّقي الموصلي فهو كبير الحجم يتجاوز طول بعضه أكثر من ذراع».. (ص46). ويذكر أولفييه: «تعطي بساتين الموصل الليمون الحلو والنّارنج والفستق والتين والرّمان والخوخ والمشمش والأجاص وثمار أخرى».. «وعنبهم فاخر، ويعمل الموصليّون من الزّبيب الشّربت، ويعملون منه بالتخمير والاستقطار عرقًا فاخرًا.. (ص47).
أما بالنسبة للصناعة، فيشيد كثير من الرّحالة أوليفيه، ودوبريه، وبكنغهام، وباجر بالصّناعة في الموصل. فحسب ما نقله جاكسون فإنّ سكان الموصل أكثر اهتماما بالصّناعة من أي قوم آخرين مرّ بهم منذ مغادرته الهند: «هناك عدة مصانع لها مصنوعات تتفوق على نظيرتها الأوروبيّة، فسروج الخيل، وأحزمتها تظهر جدًا أنيقة بوجه خاص، وهم يصنعون سجاد الحرير، ويطرّزونه بالأزهار فيظهر أحسن وأمتن من السّجاد الذّي نصنعه نحن، وهم مبرزون في صنع المطرزات الثّمينة المدهشة للرجال والنّساء معا، ولديهم الكثير من مصانع النّحاس والحديد، وكميات كبيرة من مختلف المواد التي تصنع من هذه المعادن يتم إرسالها عبر نهر دجلة نحو الجنوب حتى البصرة». ويضيف نيبور: «مصنع كثير للنسيج والحياكة والصّباغة وصياغة النّقوش على المنسوجات، والمهنتان الأخيرتان بيد النّصارى».
ويعزو أوليفيه ازدهار الموصل إلى سيطرة السّلطة على الأسواق، وإرسال الجند لحمايتها، من قطاع الطّرق، واللصوص، فقد «كان الباشا لا يتوانى في جعل كل التجار يقصدون مدينته، بحاصلات أراضيهم، ومصانعهم، وكان يمنع أن يصيبهم عسف من أحد، أو يمسّهم، ظلم، ويخفض رسوم الوارد عن المأكولات».
* الطّرق والبيوت والحمامات
ويصف الأب دومنيكو البيوت بأنّها قويّة، مبنيّة بالحجارة، والنّاس ينامون صيفًا بالأسطح، وفي كلّ بيت سرداب لحفظ الحنطة، خوفًا من سني الجدب أو قطع الطّرق، ويصف ويكرام البيوت بأنّ لديها باحات لطيفة وطرازها أثريّ، يطابق ما وجد في المنازل الأشوريّة، ومداخلها تمنع المار من رؤية ما في الدّاخل، وقد توجد حديقة صغيرة في الباحة. ويصف بنديه غرفة يدعونها الدّيوان (وفي الدّارجة العراقيّة الدّيوانيّة)، ويقول إنها «موجودة في كل البيوت المريحة في الموصل. رفة كبيرة مربعة، له سقف على شكل العقدة (القبّة) وتقع في الطّابق الأرضيّ، وهي عالية بعلوّ طابقين، يجتمعون فيها لتدخين الغليون أو النّرجيلة وللحديث والاستقبال».
في القسم الثّاني من الكتاب مقتطفات شيّقة من رحلة بنديه الفرنسي عام مع جيروم الإيطالي ورجلي دين آخرين. وفيه يصف الكنائس في الموصل، ومسكني قنصلي فرنسا وبريطانيا، ومحاولة قنصل الأخيرة التجسّس عليهم بطريقة ذكيّة، ويصف أسواق الموصل: «الصّفارون، حي الخفافين، وتجار الأقمشة، والخزّافون الفخاريون، والقصّابون، والأخير فظيع بسبب كثرة الذّباب ورائحة الّلحم المتفسّخ، إذ يتعفّن بسرعة بسبب الحرارة». لكن الرحالة ورفاقه يستمتعون بالحلوى المعروفة «بمنّ السّما» وتصنع من تجميع مادّة المنّ التي تفرزها بعض الحشرات على أوراق الأشجار، ثم تغلى وتقصر لتبيضّ، ويضاف إليها السّكر، وبياض البيض، مع الفستق، والجوز والّلوز.
سدّ هذا الكتاب ثغرة مهمّة في تاريخ المنطقة، لكنّ تأثيره الأكبر الآن يتجاوز التّراث والتّاريخ لأنه يصفع المتشدّدين الذّين يعيثون في الموصل تخريبًا، وتدميرًا، ووحشيّة، ويفضح بعدهم النّاشز عن طبيعة وحياة وتاريخ الموصل التي كانت تعيش في تسامح وإخاء ومودّة طيلة تاريخها العريق لأنّها محيط تتعايش فيه أقوام وأديان ومذاهب شتى.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.