سينما شانتال أكرمان التي أخرجت أفلامها بأنفاسها

أفلامها لا تنضوي تحت شروط السرد الروائي ولكنها لا تنتمي إلى التسجيل أيضاً

شانتال أكرمان،  من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
شانتال أكرمان، من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
TT

سينما شانتال أكرمان التي أخرجت أفلامها بأنفاسها

شانتال أكرمان،  من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
شانتال أكرمان، من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى

شانتال أكرمان، المخرجة التي اعتدنا اعتبارها فرنسية، أخرجت 47 فيلما بأطوال مختلفة منذ أن اختارت السينما مجالاً تعبر من خلاله عن همومها الاجتماعية والثقافية سنة 1968 وحتى العام الحالي الذي هو آخر أعوام حياتها إذ ماتت عن 65 سنة في الرابع من الشهر الحالي.
حياتها لا تخلو من مناطق غرابة كما حال اهتماماتها وأشكالها التعبيرية في أفلامها. وُلدت في مدينة بروكسل (بلجيكا) وتعلّقت بالسينما تأثرًا بجان - لوك غودار وبطريقته في صياغة الفيلم المختلف حتى عن أترابه في سينما «الموجة الجديدة» التي وُلدت على صفحات مجلة «كاييه دو سينما» نظريًا وترعرعت عمليًا من عام 1959.
* أداء غير تمثيلي
بعض غرابة حياتها يعود إلى أنها لم تندمج تمامًا مع مجتمعها وبرهنت أفلامها التي أخرجتها عن هذا التباعد. أسلوبها يمكن وصفه بالتجريبي لكنه ليس تجريبيًا فوضويًا وليس تجريبيًا مثاليًا أو نموذجيًا. في الحقيقة، يمكن القول إن سينماها ليست تجريبية على نحو فعّال بالمقارنة مع ما هو متداول من مفهوم هذه السينما: أعمال حرّة التصرّف الشكلي وتستخدم التصوير والموضوع والمونتاج ليس تبعًا للمتوقع بل للمؤلّف ومع نبذ فكرة تقديم حكاية تُروى لأنها في الأساس ترفض الانضواء تحت شروط السرد الروائي ولو أنها، في الوقت ذاته، لا تنتمي إلى الفيلم التسجيلي.
لكن سينما أكرمان تحمل من تلك التجريبية الوجهة الطليعية. هي بدورها ليست محكومة بسرد متسلسل ولا برغبة إيضاح المفارقات عبر نقاط متوالية على نحو يربط بين نقاط الحدث أو الفكرة، بل متحررة في أكثر من جانب وفي مقدّمتها الولاء لسرد متواصل النبرة. بديلها تحبيذ سرد المشهد وليس الفيلم، والإيعاز بالفكرة وليس بالمضمون كله. لذلك فإن أعمالها تنضح بغموض الدوافع وغموض النتائج قدر الإمكان.
في الوقت ذاته نجد أفلامها، مثل «جين ديلمان» و«أخبار من الوطن» و«أنا، أنت، هو، هي» و«طوال الليل» وهي بعض أفلامها من السبعينات والثمانينات، تحتفي بالأداء غير التمثيلي. هناك ممثلون لكن ليس هناك تمثيل. حدث من دون دراما. «جين ديلمان» (1975) نفسه عبارة عن ثلاث ساعات من العرض يحتوي على وضع لأرملة نراها تحضّر الطعام. تتكلم. تتحرك في المطبخ وسواه ثم تستقبل رجلا تمارس معه الحب لقاء المال. في الوقت الذي على المشاهد أن يتمتع بصبر طويل وهو يشاهد عملاً يحتوي على بداية تستمر حتى النهاية من دون تطور درامي أو فني، فإن العمل بذاته تجسيد لمنوالها في باقي أعمالها قبله وبعده.
مثل أعمال أخرى لها من تلك الفترة، فإن بطلتها تعيش بحرية كاملة داخل بيتها والعالم الخارجي غائب. يستطيع المشاهد اعتبار أن حريّة المرأة، سواء أكان هذا الاعتبار مصيبًا أو مخطئًا، الكاملة هي في مكانها المحدود (المطبخ في حالات كثيرة) أما العالم الخارجي فهو عندما تخسر حريّتها. وفي هذا الصدد هناك الكثير مما يُقال لنا انتقادًا للعالم أكثر منه انتقادًا للمرأة.
* داخل البيت
والميزة الفنية الأبرز في أعمالها هي تلك النابعة من المساحة التي تفردها للموضوع، داخل البيت أو خارجه (لديها أفلام تسجيلية عن فنادق نزلت فيها) لكن هذه الميزة هي أكثر بروزًا في الأفلام التي تنص على مشاهد داخلية فقط حيث بطلاتها يتصرّفن ضمن هذه المساحة كونهن يدركن أنه العالم الخالي من المستوطنين الآخرين (إلا ما شاءت اختيارهم لدخوله).
حياة شانتال أكرمان لم تكن أقل غرابة مما يرد في هذا الفيلم الذي جمع لها إعجابًا كبيرًا بين نقاد السينما ومتذوقيها. لقد مارست أعمالاً كثيرة في حياتها لأجل أن تموّل أفلامها. المرأة في هذا الفيلم ليست هي تحديدًا، لكن هي إيحاء محتمل بما اضطرت لتقوم به لأجل إنتاجه. قبل ثلاث سنوات من تحقيقها له عملت بائعة تذاكر لصالة أفلام «بورنو» في نيويورك.
المنتجون الفرنسيون اكتشفوا مبكرين أن أفلامها لا تبيع. ومع أنها أفلام شبه بيتية الصنع وبالتالي قليلة التكاليف، إلا أن قلة التكلفة ليست كافية لكي يقف المنتجون صفًا طويلاً لعرض تمويلهم.
كونها ابنة ناجَين بولنديين من الهولوكوست طبع رؤيتها إلى حد بعيد ولو أن الفيلم الذي قررت على أثره أن تصبح مخرجة كان فيلم غودار الرائع «بييرو المجنون» (1965)، عبّرت عن شعورها كونها وليدة تاريخ عنيف من دون أن تتناول التجربة ذاتها بأعمال مباشرة. ما ساد أعمالها (الأولى على الأخص) تعاملها مع رؤية ذاتية لعالم خارج حدود البيت أو المكان لا تستحق أن تعيش فيه. تاريخ كابوسي يجهز على الحب بين الشخصيات التي تتناول المخرجة ملامح من سالف سنواتهم. هذا يتبدّى منذ فيلمها الأول «فجّر مدينتي» (1968) المصوّر بالأبيض والأسود. الكاميرا تصوّرها ترقص في مطبخها وتغني وتبدو لنا سعيدة كما لو أنها تبتهج لحدث سيقع. الحدث يأتي في نهاية الدقائق الثلاث عشر من الفيلم عندما تضع رأسها فوق موقد الغاز المشتعل. قطع لشاشة سوداء وانفجار كبير. ينتهي الفيلم.
ربما أكثر أفلامها اقترابًا من تجربة الهولوكوست كان فيلمها الأخير «هذا ليس فيلما بيتيًا» (No Home Movie) الذي أنجزته سنة 2014 (يعرض حاليًا في نيويورك) حيث جلست وأمها العجوز لتتحدث وإياها عن تجربتها الخاصّة.
هذا الفيلم لم يستقبل جيّدًا عندما عرضه مهرجان لوكارنو. المشكلة التي احتواها هي المشكلة الدائمة في معظم ما أنجبته من أفلام: عرض طويل الأمد بلا اعتراف بضرورة حياكة فنية تتجاوز الوضع الماثل في الصورة.
وفي الواقع أفلام أكرمان التي تم تقديرها من قِبل النقاد الأوروبيين ومن الذين يوافقونهم في الرأي والاتجاهات الفنية، ليست كلها مثيرة للاهتمام من زاوية سينمائية بحتة. هناك بالتأكيد ما يتابعه المشاهد لكن ليس ما يثيره بالضرورة. تأليف أهمية الفيلم تبعًا للنتيجة الكلية وليس لأن مشاهد الفيلم المتوالية مهمّة بحد ذاتها هو أكثر من مجرد وجهة نظر في الأسلوب. هي، بالتأكيد، تأخير الحكم للربع ساعة الأخيرة أو نحوها من بعد استيفاء التفاصيل المملّة بالكامل مع محطات قليلة من المستجدات طوال الوقت. هذا يتضح في «أخبار من الوطن» (1977) و«لقاء آنا» (1978) و«كل الليل» (1982) و«أمضت ساعات طويلة تحت أضواء الشمس» (1985) و«ليلة ويوم» (1991) من بين أخرى.
* سياقات
على ذلك، فإن أفلامها تؤلّف معًا سياقات مهمّة لهواة السينما بشكل عام. من بين هذه السياقات اهتمامها بالمرأة دون سواها إذ قدّمتها في معظم أفلامها كانعكاس للإنسان المتأزم وللمجتمع الذي يفرض على حياة «بطلتها» نوع ونوعية حياتها حيث هناك شعور بشيء مفقود وآخر بشيء لا يمكن أن يتبلور لأكثر مما يتيحه الفيلم وهو قليل.
ومن بينها أيضًا، أن أفلامها، على نحو عام، هي كناية عن جسم واحد من الأعمال تعددت تحت عناوين مختلفة وبقيت مضامينها واحدة. في هذا الشأن شانتال أكرمان ليست استثناء على الإطلاق فأجسام معظم أفلام ألفرد هيتشكوك وجان - لوك غودار وفرنسوا تروفو ومايكل أنجلو أنطونيوني وسواهم من الكبار واحدة، لكنها وردت تحت عناوين مختلفة.
السياق الثالث هو أن أعمالها دائمًا ما كانت، وبقيت، فردية ليس من حيث الاهتمام الذي دفع بالمخرجة لاختيار الموضوع واختيار كيفية التعبير عنه فقط، بل من حيث مجمل مكوّناته واهتماماته أيضًا. حتى أعمالها الأحدث، مثل «حماقة ألماير» (رواية جوزف كونراد الأولى) و«الحبيسة» عن نص لمارسل بروست، تحوّلت تبعًا لرؤيتها إلى أفلام ذات بؤرة فردية تخصها هي ولا تخص - بالضرورة - مؤلّفيها.
عندما سئلت ذات مرّة عن كيف أخرجت أحد أفلامها الأميركية (وهي صوّرت في نيويورك أكثر من فيلم) قالت: «صوّرت تبعًا لأنفاسي. حين اكتشفت أنني توقفت عن التنفس أدركت أن علي أن أغير المشهد». هذا بحد ذاته دليل على أنها ناوأت السينما في اتجاهاتها وأفردت لذاتها فيما حققته مساحة أكبر مما يمكن أن يهضمه كل متذوق أو أن يعتبره الجميع فنّا كبيرًا.



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز