الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو

وسط تحولات يعيشها ثاني أكبر اقتصاد في العالم

الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو
TT

الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو

الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو

يبدو أن الأيام التي كانت تعتمد فيها الصين على الصناعات التصديرية ومشاريع البنية التحتية كقاطرات للنمو الاقتصادي في البلاد ولت.
لقد أصبح قطاع الخدمات في الصين الآن أكبر من قطاعها الصناعي، كما تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما أحدث تحولات جذرية في الطلب الحالي والآجل على الطاقة في ظل عوامل تنموية وسياسية معقدة.
وبينما بلغت نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي بالصين خلال الربع الثاني من هذا العام 7 في المائة، لم يتجاوز نمو الطلب على الطاقة في نفس الفترة 1.6 في المائة فقط. وينمو استهلاك النفط بواقع نصف المعدل الذي كان عليه قبل سنوات قليلة مضت، كما تراجع استهلاك الفحم في الشهور الأربعة الأولى من 2015 بمعدل سنوي بلغ 8 في المائة. وبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» توحي تلك الأرقام في الظاهر بأن تباطؤ الاقتصاد الصيني أكثر حدة مما تكشف عنه الإحصائيات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي. لكن زو شيزو، مدير ورئيس وحدة «شينا إنرجي» في شركة «آي إتش إس إنرجي»، يقول إن الحقيقة ليست بهذه البساطة.
وقال السيد زو «إذا أمعنت النظر، يمكنك أن ترى نمطًا». ويضيف أن «هيكل الناتج المحلي الإجمالي مختلف تمامًا عن هيكل الطلب على الطاقة. إن هذه الأرقام ترسم صورة واضحة جدًا لتباطؤ استهلاك الطاقة في قطاع الصناعات الثقيلة».
ولأن الصناعات الثقيلة تسهم بنسبة كبيرة في استهلاك الطاقة، يصبح لأي تغيرات صغيرة في الاستهلاك تأثير كبير على البيانات الإجمالية. ويسهم التصنيع الثقيل بـ17 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، بينما يمثل 41 في المائة من الطلب على الطاقة.
وأظهرت بيانات الربع الثاني من هذا العام تراجعًا سنويًا بلغ 0.9 في المائة في استهلاك قطاع الصناعات الثقيلة للطاقة، مقابل نمو الاستهلاك في قطاع الصناعات الخفيفة والقطاع التجاري بواقع 2.4 في المائة و8.7 في المائة على التوالي.
ويقول إدوارد سي تشو، وهو زميل كبير في برنامج الطاقة والأمن القومي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن «مرت الصين بفترة استثنائية من النمو المرتفع في الطاقة، مدفوعة باستثمارات في الصناعات الثقيلة والبنية التحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة.. وكان ذلك محتمًا له أن يتباطأ».
ويقول تشو إن الطلب الصيني على الطاقة ضخّم ومدد الدورات العالمية. وخلال الفترة التي شهدت ارتفاعًا في أسعار النفط، نمت الواردات الصينية بمعدل عال، وسجلت صعودًا بلغ مليون برميل يوميًا في 2010، نتيجة للإجراءات التحفيزية الحكومية التي جاءت ردًا على الأزمة المالية الأخيرة.
وأضاف: «والآن بعدما انخفضت أسعار النفط بأكثر من النصف، وتراجعت أسعار الفحم والغاز عالميًا، يبدو أن طلب الصين على الطاقة ونمو وارداتها يتباطأ بمعدل أقل من الأرقام الرسمية لنمو الناتج المحلي الإجمالي».
لقد مر الاقتصاد الصيني برحلة وعرة هذا العام، بالمقارنة بمعظم فترات السنوات الخمس والعشرين الماضية. ومن شأن ذلك أن يضع الاقتصاد في صدارة الأولويات على المدى القصير.
ويقول تاو وانغ، الباحث المقيم في برنامج الطاقة والمناخ بمركز كارنيغي - تسينغوا للسياسة العالمية في بكين، إن «آفاق الاقتصاد ستكون أقوى العوامل التي تشكل خطة الطاقة في الصين، لا سيما الخطة الخمسية المقبلة بين عامي 2016 و2020». يذكر أن العمل جار على استكمال الخطة التي من المتوقع تبنيها في مارس (آذار) 2016.
ويثير تراجع أسعار النفط مسائل أخرى. على سبيل المثال، تشكل آلية التسعير في شركات النفط الكبرى المملوكة للدولة سؤالاً صعبًا الآن، لكنه ليس بالصعوبة التي يكون عليها في بلد مثل روسيا، حيث تمثل إيرادات النفط أهمية حيوية للحكومة هناك. كما يتم طرح سؤال صعب آخر حول حجم الجهود التي تبذلها بكين لإنشاء احتياطيات استراتيجية وتجارية. ويقول تشو، في هذا الصدد، إنه «يبدو أن الصين تستغل تراجع الأسعار لإنشاء مخزونات نفطية استراتيجية، إلا أنه لا توجد بيانات كثيرة متاحة حول ذلك.. ويمثل توفر البيانات ودقتها وشفافيتها في الصين أمرًا مثيرًا للتحدي في العموم، بما في ذلك للسلطات نفسها».
وفيما يتعلق بالاستراتيجية النفطية والغازية لبكين في المدى القصير والمتوسط، يضيف تشو قائلا: «هناك ارتباك سياسي عام في هذه المرحلة، رغم أنه من المستبعد أن تتغير الأهداف طويلة الأجل المتمثلة في تنويع مصادر الطاقة ومساراتها».
وفي ظل أن المشاريع الكبرى لمد خطوط الأنابيب، التي تنفذها الصين بالتعاون مع روسيا وبلدان أخرى، دخلت بالفعل حيز التشغيل أو في طريقها إلى ذلك، بدأ أمن الطاقة، الذي كان في الماضي همًا أساسيا للصين، يتراجع أمام مشاكل أخرى أكثر إلحاحًا.
وقال وانغ «على المدى القصير، ستضاءل المخاوف بشأن تأمين إمدادات النفط والغاز». ويضيف أن اقتصاديات الصفقات والاستثمارات الحالية وسبل إصلاح قطاع النفط والغاز في البلاد في ضوء انخفاض أسعارهما - وأرباحهما - تتصدر المشهد في الوقت الحالي.
ونظرًا لقاعدة الاستهلاك الضخمة في الصين، تظل أحجام الطلب على النفط كبيرة. وتتوقع «آي إتش إس» أن تستمر الصين في لعب دور بارز في النمو العالمي لاستهلاك النفط، حيث ستسهم بما يتراوح بين 30 إلى 40 في المائة من النمو الجديد في الطلب على النفط حتى عام 2020.
وسجل العام الماضي نقطة تحول في استهلاك الفحم في المنطقة الساحلية بالصين، التي شهدت المرحلة الأولى من التنمية الاقتصادية المكثفة في أواخر سبعينات القرن الماضي. وقال زو من «آي إتش إس» إن استهلاك الفحم في منطقة الساحل بلغ ذروته في عام 2014، مع ارتفاع الاستهلاك في مناطق وسط وغرب البلاد.
وقال: «لقد بلغ الساحل الذروة لعدة أسباب، من بينها تباطؤ النمو وأيضًا الضغوط البيئية، التي كان من الصعب معها نشر محطات كهرباء تعمل بالفحم ومراجل صناعية جديدة». وأضاف أن استهلاك الفحم سيواصل، رغم ذلك، النمو ليبلغ أوجه عام 2020.
ويجري الآن إنشاء محطات جديدة في الداخل، لنقل الكهرباء إلى الساحل وخدمة احتياجات النمو للسكان المحليين أيضًا.
وبحسب تقرير «نيويورك تايمز» فإن الأيام التي كانت تعتمد فيها الصين على الفحم لإنتاج 75 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء أوشكت على الانتهاء لسببين. الأول هو تحول اعتماد الاقتصاد على الصناعة، والتي تسهم حاليًا بـ80 في المائة من استهلاك الصين من الفحم. أما السبب الثاني فهو سياسي بحت، حيث اتفقت الصين والولايات المتحدة الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، مع تعهد الصين بأن تحقق ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030.
لقد ضخت الصين خلال السنوات الثلاثة الماضية استثمارات كبيرة وأولت اهتمامًا واسعًا بمصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية وطاقة المد والجزر. وتعد الصين أكبر مستثمر في هذه المصادر، إلا أنها شأنها شأن البلدان الأخرى، تكافح من أجل التعامل مع تحديات كثيرة من قبيل تمكين الشبكة الكهربائية من استيعاب التقطع في طاقة الرياح والشمس.
وقال السيد وانغ «قطاع الطاقة المتجددة ينمو بسرعة في الصين، رغم تباطؤ الاقتصاد.. الحكومة مصممة على جعله قطاعًا استراتيجيًا من أجل المستقبل، وسوف تزداد أهمية الدور الذي سيلعبه في نظام الطاقة الصيني خلال العقد المقبل».
لقد نالت الصين الاستحسان والثناء على الجهود التي تبذلها لدفع تقنيات الطاقة المتجددة قدمًا، لكنها تظل محدودة في ضوء الآثار الفورية على البيئة. وتسهم المصادر المتجددة بأقل من 1 في المائة من خليط الطاقة الحالي في الصين.
ويقول ريتشارد بروبيكر، مؤسس شركة الاستشارات «كوليكتيف ريسبونسبيلتي» ومقرها شنغهاي، إن تقليص الطلب عبر تحسين كفاءة استخدام الطاقة بالمباني في المدن الصينية، التي سيزداد عدد سكانها بواقع 300 مليون نسمة خلال العقد المقبل، لا بد أن يكون أحد الركائز التنموية.
ويضيف بروبيكر أن «المدن تحتاج بالفعل إلى البدء في تنفيذ برامج لتحسين كفاءة استخدام الطاقة، سواء كان ذلك من خلال الستائر الزجاجية أو نظم التكييف أو العزل أو وسائل أخرى.. هذه الاستثمارات يكاد يكون من المستحيل جمعها من خلال الاعتماد على المطورين أو المستثمرين وحدهم، لأن الدافع للاستثمار في هذه التقنيات يناسب المستثمرين المهتمين بالمكاسب قصيرة الأجل فقط».
وبخلاف الاستثمارات الكثيفة في مصادر الطاقة المتجددة، يحقق ضخ الأموال في تحسين كفاءة المباني عوائد أكبر، حسبما يؤكد بروبيكر.
ويعلق قائلا: «قلص حملها بواقع 40 في المائة، وستكون قد حققت إنجازًا في مجال تحسين استدامة الطاقة يفوق أي استثمارات في الطاقة الشمسية.. وساعتها يتم ضخ الاستثمارات في الطاقة المتجددة لتنظيف الإمدادات الباقية».



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.