وزير خارجية تونس: نريد علاقات استراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي

منجي حامدي يقول في حوار مع {الشرق الأوسط} إن محاربة الإرهاب مسؤولية إقليمية ودولية.. ونحتاج للمساعدة التقنية والتنسيق مع الجوار

منجي حامدي
منجي حامدي
TT

وزير خارجية تونس: نريد علاقات استراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي

منجي حامدي
منجي حامدي

أجرى وزير خارجية تونس منجي حامدي في باريس خلال اليومين الماضيين سلسلة لقاءات مع المسؤولين الفرنسيين شملت رئيس الحكومة جان مارك أيرولت ووزير الخارجية لوران فابيوس ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان أليزابيت غيغو.
وهذه أول زيارة عمل يقوم بها حامدي إلى أوروبا منذ تشكيل الحكومة التونسية الجديدة. وفي لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» شرح الوزير التونسي هموم وشجون حكومته، مشددا على ضرورة أن يمد لها المجتمع الدولي يد العون للتغلب على أزمتها الاقتصادية والمالية والمشكلات الأمنية وعلى رأسها محاربة الإرهاب والعنف السياسي بكافة أشكاله.
وأعرب الوزير التونسي عن رغبة بلاده في توثيق علاقاتها مع بلدان مجلس التعاون الخليجي واصفا إياها بـ«العلاقات الاستراتيجية وليس العادية»، داعيا مستثمريها إلى المجيء إلى تونس والاستفادة من الفرص التي يوفرها اقتصادها.
وأبدى حامدي الأسف لأن الوعود التي أغدقت على بلاده في إطار «شراكة دوفيل» لمجموعة الثماني «الأكثر تصنيعا» لم تترجم إلى أفعال باستثناء النزر القليل. وفيما يلي نص الحوار.

* التقيتم وزير الخارجية الفرنسي. ما المطالب التي تقدمتم بها، وما الوعود التي حصلتم عليها؟
- الرسالة التي أردت إيصالها إلى الوزير فابيوس هي أن تونس والتونسيين قاموا بما كان يجب أن يقوموا به. لقد أقررنا دستورا يعترف به الجميع، ويعدونه من أفضل الدساتير الموجودة. إذ يصون الحريات ومن ضمنها حرية الأقليات وحرية المرأة، ويوفر الازدهار والمستقبل للشباب. إنه دستور شامل وحديث ويتماشى مع تطلعات العصر. ثم لدينا حكومة منتخبة وصلت إلى السلطة بطريقة حضارية من غير مشكلات ولا قتل ولا عنف. وهي سابقة في تاريخ المنطقة على الأقل. فضلا عن ذلك، أسسنا لحوار وطني أنجز حكومة كفاءات وطنية. كل ذلك وفر لتونس نوعا من المساندة والعطف الدوليين. ولذا، نحن نقول إننا قمنا بالواجب وما نريده أن يهب الأصدقاء والمجتمع الدولي إلى دعمنا اقتصاديا وماليا وأيضا على الصعيد الأمني ومحاربة الإرهاب.
* ما الذي عرضه عليكم نظيركم الفرنسي؟
-- لقد قلت للوزير فابيوس إن تونس قامت بكل ذلك ونطلب من المجتمع الدولي أن يساعدها لأن مصلحة المجتمع الدولي والعالم أن تنجح التجربة التونسية، وأن تكون نموذجا للبلدان الأخرى. إذن نحن ننتظر مساعدة جماعية ضخمة خصوصا من بلدان الاتحاد الأوروبي. وبرأينا أنه ليس من العدل أن الاتحاد الأوروبي يوفر نحو 100 مليار دولار لبلد كاليونان ولا يعطى تونس إلا أقل من واحد في المائة من هذا المبلغ. هذا بنظرنا أمر غير معقول لأن تونس في نظرنا لها نفس أهمية اليونان بل أكثر من ذلك. لأنه إذا لم يتوافر الأمن والاستقرار في تونس فإن ذلك سينعكس على المنطقة وعلى المتوسط وعلى أوروبا.
الأمر الثاني، قمت بلفت نظر الوزير الفرنسي إلى ما يحصل في أوكرانيا، واحتمال أن تنصب أنظار العالم على أوكرانيا وتنسى تونس. كذلك ذكرته بأن مجموعة الثماني التي أطلقت «مبادرة دوفيل» في عام 2011 وعدت تونس بمساعدات ذات معنى «خمسة مليارات دولار» ولكننا لم نحصل منها على شيء. وأود أن أخبرك أنني كنت بالغ الصراحة مع الوزير فابيوس وقلت له إن دولا كثيرة ساعدتنا منها قطر وتركيا والجزائر لكن الاتحاد الأوروبي لم يمد لنا يد المساعدة، وحتى فرنسا لم تقم بالكثير.
* لكن المصادر الفرنسية تقول إن هناك 500 مليون يورو مخصصة لتونس ومقسمة لتمويل مشاريع بنية تحتية وتنمية ونقل وتحويل ديون مستحقة إلى استثمارات. أليس كذلك؟
- هذا صحيح، ونحن نرحب بذلك. لكن ليس هناك وضوح بالنسبة لطريقة استخدامها ويبدو لنا أنها مربوطة بتوافر مجموعة من الشروط. وفي أي حال، فإن تونس تطلب دعما إضافيا.
* ما هي اليوم تحديات الدبلوماسية التونسية؟
- التحدي الأول بالنسبة لنا هو دعم النمو الاقتصادي، وذلك بالتركيز على الدبلوماسية الاقتصادية وهو يعني تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتشجيع السياحة إلى تونس.
التحدي الثاني في نظرنا هو التحدي الأمني. تونس ترى أنه يتعين التنسيق مع دول الجوار كالجزائر وليبيا والدول الأخرى لتبادل المعلومات والخبرات للعمل على الحد من مخاطر الإرهاب الذي نرى فيه مشكلة لا تتعلق بتونس فقط بل هي مشكلة إقليمية وشاملة. ولذا يتعين التركيز على إقامة تعاون وتنسيق على المستويين الإقليمي والدولي. وفي هذا الحقل، نحن نحتاج للمساعدة في مجال التجهيزات التقنية وتوفير الخبرات. نحن في تونس نفتقر للتجهيزات الضرورية للوقوف بوجه الإرهاب بشكل فعال.
* هل بينت فرنسا استعدادها لتجاوب مع ما تحتاجون إليه؟
- نعم هناك استعداد فرنسي ولديها مجموعة من الأفكار حول ذلك.
* علمنا أن وفدا فرنسيا سيتوجه إلى تونس قريبا جدا؟
- نعم هناك وفد من كبار الموظفين سيزور تونس الأسبوع المقبل. كذلك سيقوم وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا بزيارة لعاصمتنا قريبا. نحن اقترحنا أن تجري الزيارة في 24 و25 أبريل (نيسان) المقبل، وربما تجري الزيارة قبل ذلك لأن حكومتنا مستعجلة في العمل.
* كيف تتعامل تونس مع الحالة الليبية في ظل شكاوى أكثر من عاصمة بسبب الانفلات الأمني في الحدود مع ليبيا؟
- بداية أود أن أنوه بالتعاون الأمني والتنسيق النموذجي القائم بيننا وبين الجزائر. هذا ساعدنا على التعامل بشكل أكثر فعالية مع المشكلات الأمنية التي عرفناها في منطقة الشنعبي «القريبة من الحدود الجزائرية». ثمة تنسيق يومي وكامل بين القيادات الأمنية في البلدين.
* هل يمكن اعتبار أن المشكلات الأمنية غرب تونس دخلت مرحلة بداية النهاية؟
- نحن مطمئنون تماما للعلاقات القائمة بيننا وبين الجزائر.
* ولكن ماذا عن الملف الليبي؟
- معلوم للجميع أن هناك تدهورا للأوضاع الأمنية في ليبيا وهذا له انعكاساته السلبية على تونس.
* عمليا، مم تشكون منه؟ هل هناك تهريب سلاح لتونس، دخول أشخاص غير مرغوب فيهم؟
- عانينا من مشكلة تهريب السلاح في مرحلة تميزت بالتسيب «في تونس». لكن اليوم، نحن متيقظون تماما لهذه الظاهرة. والقوى الأمنية تعمل على إخضاع كافة السيارات التي تدخل إلى تونس «من ليبيا» للمراقبة. والشيء نفسه ينطبق على الممرات. لكنني لا أذهب إلى حد القول إن الأمور مضمونة مائة في المائة.
* هل أفهم من كلامك أنه ليس هناك أي نوع من أنواع التنسيق مع الجانب الليبي؟
- التنسيق بسيط للغاية. الحكومة الليبية نفسها في حيرة مما هو جار في ليبيا.
* يوم الأربعاء المقبل، ستستضيف روما مؤتمرا عن ليبيا سيتناول موضوع الأمن والحدود. هل تونس مدعوة للمشاركة فيه بصفتها دولة جارة؟
- نعم. نحن مدعوون لهذا الاجتماع وسأشارك فيه شخصيا.
* ما الذي ستطرحونه؟ بماذا ستطالبون؟
- نحن ننطلق من مبدأ أن الحرب على الإرهاب يجب أن تكون على المستوى الإقليمي والدولي. ولهذا الوضع موجبات والتزامات. أما الأمر الآخر، فهو أن تونس تستضيف 1.9 مليون ليبي. هناك نحو 1.2 مليون يقيمون في تونس وما بين 700 ألف و800 ألف يتنقلون بين ليبيا وتونس.
* هل هؤلاء يمثلون مشكلة لكم؟ ومن أي نوع؟
- يتعين علينا أن نلتزم جانب الحذر. أنت تعلم أن تونس هي البلد الوحيد الذي يدخله الليبيون من غير تأشيرات بعكس الجزائر والمغرب ومصر على سبيل المثال. وبالطبع هذا الوضع يرتب علينا أعباء إضافية.
* الطرف الليبي يقول «لماذا لا يقوم الجيران بمراقبة الحدود من جانبهم؟ ولماذا يلقون المسؤولية علينا وهم يعرفون أوضاعنا؟».
- التقيت نظيري الليبي أخيرا. هل تريد ليبيا أن تتخلى عن واجباتها وترمي مسؤولياتها كدولة علينا؟ نعرف أن ليبيا تعاني من صعوبات كبيرة لفرض السيطرة على أراضيها وعلى حدودها. الحكومة الليبية ضعيفة والميليشيات الموجودة تجعل الأوضاع أكثر صعوبة. لذا نحن ندعم الحكومة الليبية حتى تتمكن من الإمساك بالملف الأمني لأن أمن تونس من أمن ليبيا.
* رئيس الحكومة الإيطالية أعلن أول من أمس أن أول زيارة سيقوم بها إلى الخارج ستكون إلى تونس. هل لهذه البادرة علاقة بموضوع الهجرة غير الشرعية؟
- لا أعتقد ذلك. برأيي أنه يريد إيصال رسالة دعم وصداقة لتونس. أستبعد أن يكون موضوع الهجرة وراء ذلك إذ إنه لم يعد مطروحا بالنسبة لنا بل إن الهجرة إلى الشواطئ الإيطالية لا تنطلق من تونس. حصل ذلك في عام 2011. لكن تراجعت هذه الظاهرة كثيرا انطلاقا من تونس. والمعلوم اليوم أن مراكب المهاجرين غير الشرعيين تنطلق من ليبيا. اليوم الأمن في تونس أفضل مما كان عليه في أي وقت مضى. وبالطبع هناك رقابة على المرافئ.
* المشكلة قد لا تكون مع التونسيين بل مع الأفارقة الذين ينشدون الوصول إلى أوروبا بأي طريقة متوافرة. أليس كذلك؟
- الأمن التونسي أوقف عمليات الهجرة غير الشرعية سواء كان ذلك بالنسبة للتونسيين أو بالنسبة للأفارقة أو على الأقل أوقف أكثريتها.
* ماذا حصلتم عليه من دوفيل حتى الآن؟
- ما حصلنا عليه قليل للغاية إلى درجة أننا نخجل من ذكره. كانت هناك الكثير من الوعود ولكن ما تحقق منها قليل للغاية.
* إلى ماذا يمكن أن نعزو ذلك؟ هل للمشكلات والخلافات السياسية التي عرفتها تونس؟ وهل يمكن اعتبار أنه بعد إقرار الدستور الجديد وقيام حكومة تكنوقراط محايدة، ستسرع الأمور؟
- ربما يكون الأمر كما وصفته. لذا، فإنني شددت في لقائي مع الوزير فابيوس على أن حكومتنا مستقلة وهي حكومة كفاءات وطلبت منه التدخل لدى شركاء مبادرة دوفيل لتفعيل الوعود التي أغدقت علينا قبل ثلاث سنوات. ولدينا اليوم أمل في الحصول على مساعدات إضافية من فرنسا وألمانيا. وكنت ذكرت لك سابقا بعضا من الدول التي وقفت إلى جانبنا. الولايات المتحدة ساعدتنا فيما يخص ضمانات القروض بمليار دولار.
* الجميع يحث دول المغرب العربي على الاندماج خصوصا الاتحاد الأوروبي. هل تعتقدون أن هناك فرصة لإحياء الاتحاد المغاربي أم أنه قد مات ودفن نهائيا باعتبار أنه بنية فارغة؟
- الأمل موجود. وأنا شاركت في الاحتفال الذي حصل في ليبيا قبل أسبوعين للاحتفال بمرور 25 سنة على قيام الاتحاد المغاربي. ولكن للأسف كلامك التوصيفي صحيح. لا شيء فعلي يقوم به الاتحاد وإعادة إطلاقه تنتظر التقارب بين الإخوة الجزائريين والمغاربة. ونحن قمنا دائما بلعب دور الموفق بين الجميع ولذا الأمل غير مفقود.
* شهدت علاقاتكم مع عدد من بلدان مجلس التعاون الخليجي بعض الفتور. هل أخذت الأمور بالتغير إيجابيا مع مجيء الحكومة الجديدة؟
- في برنامج رئيس الحكومة مهدي جمعة، خصص زيارته الأولى للجزائر. وهذا أمر طبيعي. كذلك زرنا المغرب. لكن وجهتنا للمرحلة الثانية هي دول الخليج. ومنذ وصولي إلى رأس الوزارة، سعيت إلى إصلاح ذات البين مع دولة الإمارات العربية المتحدة التي كانت استدعت سفيرها من عاصمتنا. ولذا بذلنا مع رئيس الحكومة الجهد ونجحنا في إعادة السفير الإماراتي إلى تونس. ونحن عازمون على تحسين علاقاتنا مع أبوظبي وسنقوم بجولة تشمل كل بلدان الخليج ابتداء من الإمارات في شهر مارس (آذار) المقبل، ثم السعودية وقطر وعمان والكويت والبحرين.
إن هدفنا هو تنمية العلاقات مع بلدان مجلس التعاون التي ننظر إليها على أنها استراتيجية وليست علاقات عادية. ونريد تشجيع المستثمرين الخليجيين على المجيء إلى تونس. كذلك نرى أنه ليس من الطبيعي ألا تكون علاقاتنا ممتازة ومميزة مع الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات. هذا بنظرنا أمر ضروري. ولا أخفيك أننا بحاجة إلى الاستثمار الخليجي في تونس وإذا ما تخلى الأوروبيون عنا ولم يستثمروا في اقتصادنا، فإننا نعول على البلدان الخليجية ومستثمريهم المرحب بهم في تونس. ولذا نحن ندعوهم ونلح عليهم من أجل المجيء إلى تونس، والاستفادة من الفرص الاستثمارية التي يوفرها اقتصادنا. وأود أن أشير إلى أن سعادتنا كانت كبيرة بعودة سفير الإمارات الذي زارنا كما زارنا سفير السعودية، واتفقنا على تطوير العلاقات على أعلى مستوى.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.