رئيس الهيئة التونسية العليا للانتخابات لـ {الشرق الأوسط}: حافظنا على الحياد بين الباجي والمرزوقي

شفيق صرصار أكد أن حل اختلافات الآراء لا يكون إلا عبر صناديق الاقتراع

شفيق صرصار
شفيق صرصار
TT

رئيس الهيئة التونسية العليا للانتخابات لـ {الشرق الأوسط}: حافظنا على الحياد بين الباجي والمرزوقي

شفيق صرصار
شفيق صرصار

كشف رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس شفيق صرصار، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الهيئة التي أشرفت على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تونس خلال السنة الماضية دفعت نحو تجاوز الأزمة العميقة التي عرفتها تونس نهاية عام 2013، في إشارة إلى «اعتصام الرحيل» وتشكيل جبهة إنقاذ ومغادرة «الترويكا» الحاكمة بزعامة حركة «النهضة» السلطة بعد مخاض سياسي عسير.
وأشار إلى أن الهيئة وقفت موقف الحياد تجاه كل الأطراف السياسية، وراقبت تطورات الأحداث، وفي مرمى نظرها السيناريو المصري الذي قد يتكرر في تونس. واعتبر صرصار، وهو أستاذ القانون الدستوري، أن الهيئة أسهمت بشكل كبير في ضمان السير العادي للمؤسسات الدستورية، وتمسكت بأن أفضل الحلول لحل اختلافات الآراء لا يكون إلا عبر صناديق الاقتراع.
وبشأن الخلاف الحاد الذي طبع الحملة الانتخابية التي خاضها الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، والرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي، أصر صرصار على أن الهيئة حافظت على مبدأ الحياد، وأقرت النتائج التي أفرزتها عمليات الاقتراع. وقال إن الهيئة نظمت اجتماعا مع كلا المرشحين في محاولة لتهدئة الأوضاع المتشنجة في ما بينهما، ونجحت في ضمان تعهدات من الطرفين بمواصلة العملية الانتخابية في أجواء معقولة والقبول بالنتائج.
واعتبر صرصار أن المسار الانتخابي في تونس نجح بل إنه تميز، على حد تعبيره، لكن عملية ترسيخ الانتقال الديمقراطي لا تزال في حاجة إلى جهود كثيرة ومجهودات شاقة من قبل جميع النشطاء سواء في عالم السياسة أو مجال الحقوق والحريات ومنظمات المجتمع المدني. وجاء الحوار على النحو الآتي:
* كيف تقيم الهيئة المسار الانتخابي الحالي في تونس، وما حكمها على الأوضاع السياسية والاجتماعية التي وصلت لها بعد نحو سنة من إجراء الاستفتاء بشقيه الرئاسي والبرلماني؟
- أعتقد أن المسار الانتخابي نجح وتميز في تونس بشهادة كل الملاحظين الذي أعدوا تقارير حول العملية الانتخابية وما أفضت إليه من نتائج قبلت بها جميع الأطراف السياسية سواء من فاز في الانتخابات أو من فشل في كسب ثقة الناخبين. وقد أجرت كل من جامعتي «سيدني» الأسترالية و«أكسفورد» البريطانية دراستين حول النزاهة الانتخابية خلال الفترة بين عامي 2012 و2014، وأسندت لتونس المرتبة 25 على المستوى العالمي، وهي شهادة مهمة أكدت نجاحنا في الخطوة الأولى، ونحن في حاجة إلى خطوات أخرى ثابتة وناجحة.
* لكن الانتقال الديمقراطي في تونس ما زال بطيئا وثماره لا تزال عالقة، خاصة على مستوى تغيير حياة التونسيين.. فما تفسيركم لأسباب هذا البطء؟
- لا بد من التمييز بين الانتقال الديمقراطي وترسيخ أسس الديمقراطية، إذ من الواضح أن عملية تحقيق مناخ ديمقراطي تتطلب مجهودات أخرى، ومن المنتظر أن تسهم عمليات استكمال المؤسسات على غرار المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء إضافة إلى الانتخابات البلدية في تهيئة المناخ المناسب للمنافسة الديمقراطية.
* أوشكت تونس خلال نهاية سنة 2013 على إعادة السيناريو المصري في تونس مع خروج حركة «النهضة» من الحكم.. كيف عاشت الهيئة تلك الأحداث وهي تنادي بضرورة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في وقت وجيز؟
- كانت المسألة بمثابة التحدي الحقيقي لكل الأطراف، فالبلاد دخلت في أزمة سياسية غير مسبوقة، وكل التونسيين يتذكرون «اعتصام الرحيل» وتشكيل جبهة الإنقاذ والضغط الرهيب الذي سلطته المعارضة من أجل إخراج «الترويكا» بزعامة حركة «النهضة» من الحكم بعد تسجيل اغتيالين سياسيين سنة 2013، لكن الهيئة باعتبارها طرفا محايدا يسهر على إرساء المناخ الديمقراطي سعت إلى ضمان السير العادي للمؤسسات الدستورية، واحترام المواعيد الانتخابية، وتمسكت عبر محاورتها لأطراف الصراع السياسي بأن أفضل الحلول لحل اختلاف الرؤى والآراء لا يكون إلا عبر صناديق الاقتراع.
وكانت أمام الهيئة عدة إشكالات من بينها تخطيط المسار الانتخابي والضغط من أجل تحديد موعد نهائي للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، غير أن ظهور مسألة الفصل بين الموعدين الانتخابيين أو الجمع بينهما قد عقد المسائل بعض الشيء. وكنا نسابق الزمن من أجل احترام الآجال وتهيئة الأرضية المناسبة لإجراء الانتخابات، خاصة أن القانون التونسي لم ينظم بشكل دقيق عملية تمويل الانتخابات. ومن المعروف أن تمويل الحياة السياسية لا يتم خلال الفترة الانتخابية فحسب، وهو ما جعلنا نعجل بتحديد مواعيد الاستفتاء احتراما لمبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين. ومن الضروري الإشارة إلى أن تمويل العملية الانتخابية تتدخل فيه عدة أطراف من بينها البنك المركزي التونسي ودائرة المحاسبات والجمارك، لذلك لا يمكن للهيئة وحدها أن تراقب تمويل العملية الانتخابية.
* لكن حرص الهيئة على نزاهة الانتخابات لم يمنع من اتهام مرشحين للانتخابات الرئاسية بتلقي تمويلات خارجية، وذلك حسب تقارير دائرة المحاسبات، فما هو رأيكم في تلك الاتهامات، وهل كانت على حق ومبنية على حجج قانونية؟
- يمكن تلخيص مهمة الهيئة في هذا المجال في مراقبة تمويل الحملات الانتخابية ومختلف الأنشطة المبرمجة وسير عمليات الاقتراع وضرورة تنزيل كل العمليات المالية في حساب بنكي واحد، لكن المسؤولية كما ذكرت ملقاة على عاتق أكثر من طرف. وبشأن اتهامات دائرة الحسابات، فهي لا تعدو أن تكون في خانة الاتهامات التي لا بد من إثباتها بالحجة والدليل، لذلك لم تذكر دائرة المحاسبات أسماء المتهمين بتلقي تمويلات من الخارج، وأبقت على إمكانية تبرئتهم في انتظار استكمال التحريات، فقد تكون تلك الأموال قد دخلت إلى حساباتهم لغايات أخرى غير تمويل الانتخابات.
* وأنت تنظر الآن إلى العملية الانتخابية التي عرفتها تونس خلال السنة الماضية.. ما تقييمك لها وما هي أوجه التقصير التي وقفتم عليها؟
- كانت تجربة صعبة للغاية، وكانت بمثابة التحدي بالنسبة لنا، إذ إن فشل العملية الانتخابية يعني رجوع البلاد إلى منطق المزايدة السياسية والاحتكام إلى الشارع لفض الخلافات السياسية، وهو ما سعينا إلى إيقافه بشكل قانوني، ومن خلال الضغط على جميع الأطراف بوجوب خضوعها للانتخابات.
* وكيف قبلتم هذا التحدي في ظرف سياسي حساس، وهل انتابكم شعور في فترة ما بأن الانتخابات قد تفشل خاصة بعد احتدام الحملات الانتخابية واصطفاف التونسيين إلى مخيمين أساسيين، في ما يعرف بالاستقطاب الثنائي؟
- لا أخفي عليكم أنني كنت مترددا للغاية في دخول مغامرة الإشراف على العملية الانتخابية، لكن نداء الواجب كان أقوى من كل مشاعر التخوف، وسعينا داخل الهيئة إلى تقديم خارطة طريق واضحة المعالم، ودفعنا نحو احترام الآجال الدستورية التي حددت موعد إجراء الانتخابات قبل نهاية سنة 2014.
لقد عرفنا فترات صعبة، ولكن أمل النجاح كان يراودنا خاصة بعد التوفق في حسم مسألة الجمع أو الفصل بين المحطتين الانتخابيتين. وعلى الرغم من طابع الحياد الذي يميز كل تدخلاتنا فقد وجهنا دعوة إلى الباجي قائد السبسي مرشح حركة «نداء تونس» للانتخابات الرئاسية ومنافسه الأول المنصف المرزوقي المرشح المستقل بعد نجاحهما في المرور إلى الدور الثاني من المنافسات، وذلك بهدف تهدئة مناخ الانتخابات والتقليل من التجاذب الحاد الذي عرفته الحملات الانتخابية.
* وماذا تناولتم من مواضيع في ذلك الاجتماع؟
- كان هدفنا نزع فتيل الاتهامات وحث المرشحين على عدم تجاوز حدود الحملة الانتخابية التي ستنتهي بفوز أحد الطرفين. وكان الاجتماع بالسبسي والمرزوقي بشكل فردي، إذ لم يكن من المنطقي الجمع بينهما حول طاولة واحدة في مثل تلك الظروف، وقد تقبل الطرفان نصائح الهيئة العليا للانتخابات وتوصياتها، ووعدا بتخفيض حالة التوتر السياسي، وهو ما وقفنا عليه خلال الأيام الأخيرة من الحملة. والمريح في تلك العملية الانتخابية الشاقة أن طرفي المنافسة قبلا بالنتائج وسلما بنزاهة العملية الانتخابية، على الرغم من محاولات تشكيك لم تكن مبنية على حجج وأدلة ترقى إلى مستوى الطعن في الانتخابات.
* وكيف عاش شفيق صرصار لحظة تسليم المرزوقي قصر قرطاج لخليفته السبسي؟
- كانت لحظة تاريخية لا تنسى بالنسبة لكل أعضاء هيئة الانتخابات وللتونسيين جميعا، فهي ستبقى عنوان نجاح تونس في المرور من وضعية التمسك بكرسي الحكم إلى حالة التداول السلمي على السلطة.
* من المنتظر أن تعرف تونس انتخابات محلية (بلدية) خلال السنة المقبلة، وقد حددتم تاريخ 30 أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 2016 موعدا لإجرائها.. فهل الأرضية مهيأة لتنظيم تلك الانتخابات، خاصة أنكم صرحتم بأنها ستكون صعبة ومعقدة؟
- نص الدستور التونسي الجديد على ضرورة أن يقع إلحاق كامل تونس بمناطق بلدية، وألا تبقى أي منطقة خارج دائرة المناطق البلدية، وهو ما خلق إشكالا لدى الحكومة التي باتت مطالبة ببعث بلديات جديدة من المنتظر أن يتجاوز عددها 17 بلدية حتى يتمكن سكان تلك البلديات من المشاركة في الانتخابات المقبلة.
وتعيش السلطات التونسية على ما يصلها من تقارير في تحدٍ حقيقي للاستجابة لهذا الشرط الدستوري، غير أن موعد الانتخابات الذي قدمته الهيئة قد لا يكون نهائيا، وهو مرتبط بتوافر شروط عدة من بينها تعميم النظام البلدي، كما ذكرنا، وإصدار قانون انتخابي ينظم العملية الانتخابية برمتها، وهذا يتطلب الكثير من الجهد والعمل.
* هل استكملت هيئة الانتخابات تركيز شبكة مقراتها بالكامل للإشراف على هذه المحطة الانتخابية الجديدة؟
- ما زالت لدينا مشاكل عقارية عدة بالنسبة لمقرات الهيئة في مراكز الولايات (المحافظات)، مثل الكاف وتوزر والمنستير وباجة، ونحن ساعون إلى تسويتنا.
* في انتظار المحطات الانتخابية المقبلة، ما هي الخطوة المقبلة التي ستخطوها الهيئة؟
- من المنتظر أن تشرف الهيئة على انتخابات المجلس الأعلى للقضاء قبل إجراء الانتخابات المحلية، وطلبت منها الأطراف جميعها، من حكومة وهياكل نقابية قضائية وأطراف سياسية ممثلة في هذا الهيكل الدستوري، الإشراف على العملية الانتخابية، وفي ذلك تعزيز لرصيد الثقة الذي باتت الهيئة تتمتع به لدى جميع الأطراف.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.