الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

تتنامى على جانبي المحيط الأطلسي وليس للمرة الأولى

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا
TT

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

«في سماء مشمسة حتى أصغر السُّحُب تترك تأثيرًا».. هكذا وصف ميخائيل باكونين، أحد روّاد الراديكالية الثورية في أوروبا، الحالة السياسية داخل كيانات «القارة العجوز» خلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر.
لفترة ما كانت أوروبا تعيش بسلام، وقد توحّدت نخبها الحاكمة على تفاهمات الضرورة، كي لا نقول الرغبة، بديمومة «الأمر الواقع».
عام 1848، بدا وكأن النخب المحافظة الحاكمة حريصة على منع حدوث أي تغيير ذي شأن. كذلك كانت تلك النخب متخوّفة من نوبات راديكالية من العنف تجسّدت أكثر ما تجسّدت بحركات فوضوية شبحية، كان من أبرز رموزها الروسي ميخائيل باكونين ومواطنه بيتر كروبوتكين. أما «السحابة الصغيرة» التي لمّح إليها باكونين في مقولته المذكورة آنفًا فكان يمكن أن تأتي على شكل قنبلة يرميها فوضوي متطرّف على عربة أحد الأعيان، أو تفجير يستهدف محطة سكك حديدية مزدحمة بالركاب. وكانت آمال النفخ في الجمر المدفون تحت رماد 1848 قد أبقت أعداء صيغة «الأمر الواقع» نشطين في الشارع، بل جعلتهم أكثر راديكالية وتشدّدًا.
ومع الوقت، أدّت ضغوط الراديكاليين على السياسات الأوروبية، التي رسم معالمها «مؤتمر فيينا» ورسوخ أشكال «الدولة - الأمة»، إلى نشوب الحرب الفرنسية – الروسية عام 1870، وبعد سنة واحدة «كومونة باريس» – أو «ثورة باريس الشعبية» – وولادة الحركة الثورية في روسيا القيصرية.
في حينه، حاولت أوروبا مواجهة ضغط الراديكاليين، عبر ثلاثة توجهات:
التوجّه الأول، الذي يمكن تسميته «التوجه الإمبريالي»، اعتمدته بعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا - فرنسا بعد الهزيمة في معركة سيدان – وقام على توجيه زخم طاقة الاضطراب والقلاقل نحو مشاريع «بناء الإمبراطوريات» عالميا. ولقد وفّر «مؤتمر برلين» الذي كان خلفه دهاء الزعيم البريطاني بنجامين دزرائيلي «خارطة طريق» لتقاسم الإمبراطوريات الأوروبية الاستعمارية مناطق العالم بأسره.
التوجّه الثاني، هو الذي اعتمدته قوى جديدة مثل «الرايخ الألماني»، وتصحّ تسميته بـ«التوجّه القومي» إذ إنه تمثّل بدعوة الراديكاليين للمساهمة في بناء نماذج «الدولة - الأمة» الجديدة باسم «القومية».
التوجّه الثالث، هو «التوجّه الديمقراطي الاجتماعي»، ذلك أن التطوّرات المُشار إليها سابقا تزامنت مع ولادة النقابات العمالية في أوروبا، التي كانت قد انطلقت أصلا كأدوات ثورية، غير أنها انتهت كعوامل ضامنة لاستقرار «الأمر الواقع». ومع أنه ظل هناك أشخاص، مثل كارل ماركس، يحلمون بشبح يقض مضاجع أوروبا، فإن هؤلاء عملوا في نهاية المطاف على «مأسسة» الحركات الراديكالية اليسارية عبر الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية. وفي المقابل، اكتشف آخرون مثل فرديناند لاسال وكارل كاوتسكي وغيرهما من آباء «الدولية الأولى» الفوائد الجمة للخروج بنصيب معقول من كعكة السلطة عن طريق الانتخابات ضمن إطار السياسات البرلمانية. وهكذا، لم يبق من دعاة «اللامساومة» و«الثورة الكاملة» سوى «الشعبويين» الذين هم على شاكلة سيرغي نيتشاييف.
وفي الحصيلة النهائية، بفضل توليفة من «الإمبريالية» و«القومية» و«الديمقراطية الاجتماعية»، وعلى الرغم من عقود من الراديكالية العنيفة، تحقّق التفاهم الأوروبي على «الأمر الواقع» الذي صمد على امتداد القارة حتى مستهل ما يوصف بـ«العصر الحديث» اعتبارا من عام 1913.
هذا الوضع سقط مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، والمفارقة أن التوجّهات الثلاثة، أي «الإمبريالية» و«القومية» و«الديمقراطية الاجتماعية»، التي صنعت «الأمر الواقع»، عادت فأسهمت في صنع «النظام الأوروبي».. وكانت قد أسهمت أيضا في اندلاع الحرب.

* صدمة الثورة
«النظام الأوروبي» تعرّض لصدمة كبرى عام 1917 هي الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا التي أعطت القوى المناوئة لـ«الأمر الواقع» أرضية صلبة، على الأقل في ساحة اليسار. ومن ثَم، لمجابهة التهديد البلشفي اضطرت السياسات الأوروبية للتحرّك يسارا. ولقد تجسّد ذلك بدخول الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (أو الاشتراكية المعتدلة) عددا من حكومات القارة، وظهور حزب العمال في بريطانيا، والإصلاحات الراديكالية التي اعتمدتها حكومة تحالف «الجبهة الشعبية» في فرنسا.
بيد أن الضغوط، التي تراكمت وتكثّفت إبان الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ثم بعد «معاهدة فرساي»، أنتجت شكلا جديدا من أشكال الراديكالية.. ولكن في ساحة اليمين هذه المرة. ففي إيطاليا، أسّس بينيتو موسوليني «الحركة الفاشية» وفق خطاب جوهره أن إيطاليا وإن كانت وقفت في صف «الحلفاء» إبان الحرب العالمية الأولى (مع بريطانيا وفرنسا وباقي الحلفاء) فإنها لم تخرج بنصيب موازٍ لنصيبي البريطانيين والفرنسيين بعد تقاسم كعكة المستعمرات.
أما بالنسبة لألمانيا التي هُزِمت في تلك الحرب، فقد نهضت فيها الراديكالية الجديدة من ركام اليسار الراديكالي الذي سحقته السلطات وصفّت قادته بعد اتهامهم بالتآمر مع «العدو البلشفي». وحقا، خلال وقت قصير، ظهرت حركة راديكالية يمينية جديدة تجسّدت بالحزب النازي تحت زعامة أدولف هتلر. بل حتى في فرنسا وبريطانيا، حيث بدا لفترة ما أن وهج الراديكالية خبا، وجدت الفاشية والنازية مناصرين.

* الحرب العالمية الثانية
جاء التحدي الراديكالي الثاني لـ«النظام الأوروبي» مع نشوب الحرب العالمية الثانية التي انتهت بهزيمة ساحقة للراديكالية اليمينية (النازية والفاشية)، واستيعاب الراديكالية اليسارية (الشيوعية السوفياتية) في صيغة «الأمر الواقع» عبر الاتحاد السوفياتي، حليف «الحلفاء» بين عامي 1941 و1945. ومع سقوط نصف اليابسة الأوروبية تحت هيمنة الاتحاد السوفياتي، وبروز الأحزاب الشيوعية كقوى فاعلة ونشطة في عدة دول غربية مثل فرنسا ولإيطاليا، بدا وكأن راديكالية اليسار صارت حقًا جزءًا من «الأمر الواقع»، وهو ما حفّز على إعداد قوة محافظة يمينية مقابلة لحفظ توازن.. وهكذا أبصر النور «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، في مواجهة «حلف وارسو».
غير أن قوى جديدة أخذت تتحدّى الوضع العام، مختزنة في ذواتها طاقات راديكالية، وترفع شعارات ودعوات قومية وأحيانا تقسيمية انفصالية صريحة، منها حركات القوميين الباسك والكتالونيين في إسبانيا، والحركة الاستقلالية الكورسيكية – ولبعض الوقت الحركة البريتونية – في فرنسا، والتنظيمات الجمهورية الآيرلندية بإقليم آيرلندا الشمالية. ولقد لجأت بعض هذه الحركات والتنظيمات في تحدّيها الجديد إلى الإرهاب والعنف، الذي بلغ أقصاه في ممارسات «الألوية الحمراء» الإيطالية و«فصيل الجيش الأحمر» في ألمانيا الغربية، و«العمل المباشر» (آكسيون ديريكت) في فرنسا وبلجيكا.
وفي هذه الأثناء، عانت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية من إشكالية الإصلاح في خضمّ سعيها الدؤوب للتميّز عن كل من الشيوعية السوفياتية والرأسمالية المحافظة. وكان أول حزب يبادر بشجاعة لحسم مواقفه ومرئياته الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا الغربي، الذي اعتمد خلال المؤتمر الذي عقده عام 1959 في منتجع باد غودسبرغ، قرب العاصمة بون، برنامجا يهدف إلى نظام يقوم على فكرة «السوق الاجتماعية».

* وداعًا للماركسية!
كانت فكرة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان التخلّي عن الهدف الماركسي القاضي بإنشاء نظام اقتصادي مخطط مركزيا، ولكن مع مفهوم «السوق» الرأسمالية بنكهة اجتماعية. وحقًا، لم يلبث عدد من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأصغر حجما أولا في السويد، ثم هولندا، أن لحق بالتجربة الألمانية.
في بريطانيا حاول حزب العمال، بزعامة هيو غايتسكيل، اقتباس تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان غير أنه فشل، وكان وراء فشل التجربة وفاة غايتسكيل عام 1963 وكتلة أدعياء اليسار بقيادة هارولد ويلسون.
أما في فرنسا، فلم تناقش الحركة الاشتراكية - التي تبلورت أصلا من القسم الفرنسي من «الدولية الأولى للعمال» لكي تشكل الحزب الاشتراكي - هذا الموضوع بجدية، ولم تطوّر قاعدتها الآيديولوجية، أما أولئك الذين أغرتهم تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان، فاختاروا بكل بساطة ترك الحزب لتأسيس تجمعات أخرى. ولكن خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، قاد فرنسوا ميتران الاشتراكيين الفرنسيين إلى الحكم لأول مرة خلال عقدين من الزمن، وبدأ عهده ببعض المناورات ذات النكهة الماركسية كتأميم بعض الصناعات، بل وتأسيس وزارة للتخطيط. كذلك ضم إلى وزارته وزراء شيوعيين مع «برنامج مشترك». إلا أن ميتران عاد، ليكشف «واقعيته» الخفية، ويبيّن للملأ أنه أقرب إلى الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان منه إلى الفضاء الشيوعي. وكانت فكرته تقوم على الزعم بأنه من اليسار لكن مع ممارسة الحكم من مواقع يمين الوسط. هذه الفكرة وجدت لها أصداء إيجابية في عدة دول أوروبية، منها اليونان حيث حكم الديمقراطيون الاجتماعيون (اشتراكيو «باسوك») لعقود، وكذلك في «إسبانيا ما بعد حقبة فرانكو» حيث كان فيليبي غونزاليس تلميذا نجيبا لميتران.
عودة إلى بريطانيا، مني حزب العمال تحت قيادته اليسارية الرافضة للإصلاح بثلاث هزائم انتخابية، بينما كانت جماعة ماركسية متصلبة عرفت بـ«النزعة الصارمة» (ميليتنت تندنسي) تسيطر على مفاصل عديدة في جهاز الحزب، لا سيما على مستوى التنظيمات المحلية والنقابات. ولم تنته سطوة هذا التيار اليساري إلا مع توني بلير، الذي استغل التداعيات الانتخابية الكارثية للحزب تحت هيمنة اليسار للسير به نحو تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان في باد غودسبرغ. ومثل ميتران، حكم بلير بريطانيا من يمين الوسط، بل أحيانا من قلب اليمين، وأثمر خياره هذا فوز حزب العمال لأول مرة في تاريخه بثلاث انتخابات عامة متتالية، كما أثمر اقتصادا مزدهرا وسلاما اجتماعيا واستقرارا داخليا غير مسبوقين بعد اضطرابات عقد السبعينات، وفترة حكم مارغريت ثاتشر.
طوال ركون «النظام الأوروبي» إلى التفاهم المُستكين كان يشهد تحدّيات راديكالية.. إما من اليسار أو من اليمين، وأحيانا من الاتجاهين في آن معا. فهل علينا إذن أن نستغرب التحدي الراهن لصيغة «الأمر الواقع»؟ الإجابة عند كثرة من المحللين هي: لا.

* المشروع الأوروبي
«المشروع الأوروبي» بشكله الراهن يرمز إليه مباشرة كيان «الاتحاد الأوروبي» (بدوله الـ28)، والعملة الموحّدة (اليورو)، واتفاقيات شينغن التي تتيح حرية الحركة بين 25 دولة أوروبية. غير أن كثيرين ممّن هم في معسكر اليسار يرون هذا «الاتحاد»، بصورة متزايدة، مجرّد آلة تتحكّم بها القوى الاقتصادية العالمية، والمصارف والمؤسسات والشخصيات المالية، الحريصة على مصالحها وأرباحها القصيرة الأجل. ويتضايق اليساريون جدًا من أن «الرأسماليين العالميين»، الذين تسبّبوا بالأزمة المالية العالمية عام 2008 بسياساتهم الإقراضية الجشعة والمتهورة، يضعون اللوم، بوقاحة فظيعة، على «الشعوب» بحجة أنها «تتمتع بضمانات مبالغ فيها».
والحقيقة أن ممارسات النخب الجديدة وفلسفتها قامت على عصر النفقات، وخفض المديونيات العامة، والاقتطاع من الخدمات العامة. وعلى امتداد نحو سبع سنوات كانت كل الحكومات الأوروبية تقول الشيء نفسه، وتنتهج عمليا السياسة نفسها من دون مردود إيجابي ملحوظ.
ثم إن الزعم أن بمقدور «السوق» أن تضبط أوضاعها من تلقاء نفسها، ما عاد يحظى بالاحترام كما في الماضي. وكانت النتيجة توافر مجال واسع جديد للراديكالية، حتى إن حزب «سيريزا» اليساري الحديث التأسيس فاز بالانتخابات اليونانية، قبل أن يزجّه تواضع خبرته في الشؤون الدولية في مواجهة مع «الاتحاد الأوروبي» بقيادة ألمانيا.. الحريصة على المحافظة على «الأمر الواقع». وها هو «سيريزا» (يعني اسمه «الجذور») يعاني من انقسام داخلي يهدّد بتهميشه.
اليسار الراديكالي في فرنسا، الرافض أيضًا للنهج الحالي في «الاتحاد الأوروبي»، منقسم إلى أربعة أجنحة، وليست لديه فرصة لكسب انتخابات في وقت قريب، مع أنه كفيل بتدمير فرص الاشتراكيين بالفوز في الانتخابات الرئاسية والعامة المقبلة.

* جيريمي كوربن
أما انتخاب جيريمي كوربن، قبل أيام زعيما لحزب العمال البريطاني، فيعني أن الاشتراكية المشذّبة المعتدلة التي تبنّاها ميتران وبلير، ويمارسها حاليا فرنسوا هولاند، ما عادت قادرة على اجتذاب الجماهير وتجييشها. وهذا، مع أن كوربن ليس ماركسيا ولا يصح اعتباره من جماعة «ميليتنت تندنسي» الراديكالية. وهو لن يلعب ورقة «الصراع الطبقي» لأن قاعدته الانتخابية والسياسية في لندن ومحيطها تضم مثقفين وتكنوقراطيين من الطبقة الوسطى وما فوقها. لكن كوربن بدأ من موقع قوة لأنه تحدّى التفاهم العريض حول «الأمر الواقع» المأزوم.
تاريخيا، كوربن يشكل نقيضا مباشرا لمفهوم باد غودسبرغ، لكنه على المدى القصير قد ينشّط الحياة السياسية البريطانية، ويفرض تغييرات منتظرة على نهج التقشّف والاستسلام لفكرة «قداسة» السوق.
وليس كوربن وحده في الميدان اليوم. ذلك أن له أتباعا ونظراء على امتداد أوروبا، بما في ذلك ألمانيا نفسها حيث يفكر اشتراكيون بالتنكّر لأفكار باد غودسبرغ والشيوعية معًا، وفي اسكوتلندا، حيث حقق الحزب القومي الاسكوتلندي انتصاره الكبير الأخير على العمال بصفته القوة الرئيسة لليسار. أيضًا، في إسبانيا برز حزب «بوديموس» (ومعنى اسمه «نستطيع»)، الذي ولد من رحم «حركة 15 مايو» الشعبية كأحد أقوى أحزاب البلاد، ونجح في كسب بلديات بعض أكبر مدن البلاد، على رأسها العاصمة مدريد وثاني كبرى المدن برشلونة. بل تشير استطلاعات الرأي إلى أن «بوديموس» قد يفوز بالانتخابات العامة المقبلة، ومن ثم يشكل حكومة إئتلافية بفضل شعبويته الاشتراكية.
«بوديموس»، الذي يقوده الزعيم الجذاب بابلو إيغليسياس تورون، تأثر كثيرا بالحركة التي أطلقها شتيفان هيسل، العالم والدبلوماسي والكاتب الألماني - الفرنسي الراحل، عام 2011. ويومذاك أدان هيسل في مؤلفه الصغير «إينديي فو» (وترجمته بالعربية «ثُر» أو «اغضب») نظام «الرأسمالية الجديدة» المتفلّت من كل ضوابط الذي أفرز إجحافا وفسادا وكوارث بيئية وموجات لجوء وحروبا. ومع أن «غاضبي» هيسل أو «ثائريه أخفقوا في بناء هياكل حزبية فإنهم ألهموا عددا من الجماعات اليسارية لرفع لواء الراديكالية ضد «الأمر الواقع».
إلا أن التهديد الذي يواجه «النظام الأوروبي» لا يأتي من اليسار فحسب. فثمة قوى يمينية راديكالية تشكل تهديدًا مساويًا إن لم يكن أخطر، وبخاصة بعدما أثبتت قدرتها على كسب انتخابات. في الدنمارك والسويد وهولندا والنمسا غدت أحزاب اليمين الراديكالي المتطرّف جزءا من المشهد السياسي، وبعضها شريك في حكومات ائتلافية. وفي فرنسا نجح حزب «الجبهة الوطنية» في أن يصبح أكبر الأحزاب في البلاد من حيث عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات المحلية، وتتمتّع زعيمته مارين لوبن بفرصة طيبة للمنافسة بقوة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 1917. بل، حتى في بريطانيا، تمكن حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) في أن يغدو ثالث أكبر الأحزاب من حيث عدد الأصوات التي نالها مرشحوه في الانتخابات العامة الأخيرة. وأخيرا وليس آخرا، في دول أوروبا الشرقية، وبالأخص، المجر وبولندا وسلوفاكيا وبلغاريا، نجد أحزاب اليمين الراديكالي إما مشاركة في الحكومات أو تتمتع بنفوذ مؤثر من خارجها.

* راديكاليون.. في أميركا!
«الأمر الواقع» يواجه تحدّيا جدّيا اليوم ليس فقط في أوروبا، بل حتى في الولايات المتحدة، التي يعدّها كثيرون الدولة الديمقراطية الأكثر يمينية في العالم.
في أميركا نرى حاليا بروزا لافتا للراديكاليين اليساريين واليمينيين بعد عقود عديدة من الغياب شبه الكامل عن الساحة.
على اليسار يطلّ السيناتور بيرني ساندرز، السياسي الأميركي الوحيد على المستوى الوطني الذي يصف نفسه بأنه «اشتراكي»، وهو يتصدّر استطلاعات الرأي بين ناخبي الحزب الديمقراطي متقدما على هيلاري كلينتون في التنافس على ترشيح الحزب لمعركة دخول البيت الأبيض. ومثل كوربن في بريطانيا، الذي يتقاسم معه الكثير من المبادئ والشعارات، يجتذب ساندرز جموعا ضخمة غير مسبوقة في السياسة الأميركية. كذلك على يسار الديمقراطيين هناك نجمة متألقة هي السيناتورة الديناميكية الشقراء إليزابيث وارين (تمثل ولاية ماساتشوستس)، التي تطرح نفسها مناضلة من أجل المساواة وإعادة توزيع الثروات، وثمة في واشنطن من يقول إن وارين مرشحة جدية لمنصب نائب الرئيس إذا ترشح نائب الرئيس الحالي جو بايدن بهدف مواصلة برامج باراك أوباما وسياساته.
اللافت، هذه المرة، أن الحزب الاشتراكي الأميركي، الذي تأسس عام 1973، يدعم بقوة ترشيح ساندرز، لكنه قد يساند وارين إذا دخلت الحلبة. لكن هناك قوى يسارية راديكالية ناشطة الآن بجانب الاشتراكيين، مثل «التحالف الأخضر»، وإن كانت الجماعات الراديكالية التي اعتمدت العنف اختفت وطويت صفحتها.
وعلى اليمين، يسبّب رجل الأعمال الملياردير اليميني دونالد ترامب، هذه الأيام، ضيقا بالغا في أوساط المرشحين الرئاسيين الجمهوريين بخطابه اللاذع المتطرّف، لا سيما أن ما يقول دفعه إلى صدارة استطلاعات الرأي عند ناخبي الحزب الجمهوري.
بطبيعة الحال، لا يعتبر ترامب زعيم الجناح اليميني في الحزب الجمهوري. بل يتنافس على «الزعامة» هنا عدة مرشحين طموحين بينهم السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس)، المحسوب من نجوم جماعة «حفلة الشاي» اليمينية المتشددة. ويذكر أن هذا الجماعة عبارة عن تحالف شعبوي يميني عريض القاعدة يطالب بتقليص دور الحكومة وخفض الضرائب ووقف الهجرة وإنهاض ما تصفه بـ«القيم العائلية الأميركية الأصيلة والتدين الإنجيلي» ضمن إطار «الحلم الأميركي». لكن مناوئي جماعة «حفلة الشاي» يتهمونها بأنها تنظيم فاشي يهدف إلى الحفاظ على نفوذ الجماعات العنصرية المتطرفة مثل الـ«كو كلوكس كلان» و«جمعية جون بيرتش»، التي ظلت ناشطة على الأقل حتى عقد السبعينات من القرن الماضي في ولايات الجنوب الأميركي المحافظة.
الحقيقة أن الراديكالية الجديدة، يمينية كانت أم يسارية، تقوم الآن على ثلاثة مبادئ:
1) الطبقة الحاكمة باتت تعبة وفاسدة ومغرورة، مما يحتّم تغييرها.
2) التفاهم السياسي العريض الراهن لا يؤدّي إلا لمزيد من الإجحاف (الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا) والنزاع الاجتماعي.
3) المؤسسات الحالية غير ديمقراطية وما عادت تتجاوب مع رغبات الناس وحاجاتهم.
وفي حين يلوم الشارع الأوروبي مؤسسة «الاتحاد الأوروبي»، يلوم المواطن الأميركي «الحكومة الفيدرالية» والنخبة الطبقية المرتبطة بها. لكن هناك، في المقابل، فارقًا مهمًا هو أن الأحزاب الراديكالية الأوروبية، اليسارية واليمينية، تتشارك في نوع من «العداء للأمركة» وفقا لمقتضيات الموضة. وهذا، بالذات، هو الاختلاف الأساسي بين موجة الراديكالية الحالية والموجات السابقة.
الموجة الحالية لا تسعى إلى تغيير المجتمع بأساليب عُنفية، بل تأمل في تحقيق مُبتغاها عبر صناديق الاقتراع ومن خلال المؤسسات الديمقراطية.
هل سيعزّز التحدّي الراديكالي الجديد قوة الديمقراطيات الغربية في نهاية المطاف؟
لقد فعل ذلك في الماضي، أما عن المستقبل فعلينا الانتظار.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».