حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

طرد معارضيه من المدن الكبرى.. وأرغم «الاستقلال» على الانقلاب ضد نفسه

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية
TT

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

يقرأ المراقبون في المغرب ملامح كثيرة في نتائج الانتخابات الجهوية والبلدية، ولا سيما أداء حزب العدالة والتنمية، ذي التوجهات الإسلامية، الذي يقوده رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، والانعكاسات المحتملة لهذا الأداء على الانتخابات العامة المقبلة. وكان لافتًا بالنسبة للمراقبين أن أداء العدالة والتنمية كان أفضل بكثير من أداء الأحزاب والقوى الإسلامية في دول «الربيع العربي»، وإن كان ثمة من يشير إلى أن جزءًا من نجاحات الحزب جاء نتيجة أخطاء منافسيه وانشقاقاتهم.

{فاس تتنفس الصعداء} بهذه العبارة علق عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، على اكتساح حزبه ذي المرجعية الإسلامية، للعاصمة العلمية للمغرب، حيث ظل غريمه السياسي حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال المعارض عمدة لولايتين متتاليتين. وجدير بالذكر، أن مدينة فاس تعدّ المعقل التاريخي للاستقلاليين وزعمائهم السابقين المنتمين للعائلات الفاسية.
عبارة ابن كيران التي قالها خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء اليوم الموالي للاقتراع الخاص بانتخابات مجالس الجهات (المناطق) والبلديات يوم 4 سبتمبر (أيلول) الحالي، حملت في طياتها تشفيًا ممزوجًا بنشوة النصر الذي حققه الحزب ليس فقط في مدينته فاس التي حصل فيها حزبه على 74 مقعدًا، بل في خمس مدن كبرى أخرى بشكل فاق التوقعات وفاجأ الحزب نفسه، تمامًا كما فاجأته نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 وحصل فيها العدالة والتنمية على 107 مقاعد. ويومذاك جاء الفوز عقب موجة احتجاجات عرفتها البلاد، وقادتها حركة 20 فبراير (شباط) الشبابية، قبل أن تنقذ الإصلاحات السياسية التي أعلن عنها الملك محمد السادس الموقف، وتسمح بوصول أول حزب إسلامي مغربي إلى السلطة.

مفاجأة «الاستقلال»
لكن إذا كان تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج الخاصة بانتخاب أعضاء المجالس البلدية واكتساحه المدن الكبرى مفاجئًا، فإن مفاجأة أخرى ظهرت الاثنين عشية انتخاب رؤساء الجهات وخلطت كل الأوراق، ولقد تمثلت في «الانقلاب» الذي نفذه ضد نفسه، وضد أحد حلفائه في المعارضة وهو حزب الأصالة والمعاصرة.
حزب الاستقلال أعلن، من دون سابق إنذار، فك تحالفه مع أحزاب المعارضة، وإعلان مساندته النقدية لحكومة خصمه السياسي اللدود ابن كيران، وجاء هذا القرار بعد 10 أيام من ظهور نتائج الانتخابات البلدية والجهوية. ولقد اتخذ الحزب هذا القرار خلال اجتماع للجنته التنفيذية، ترأسه، عقد ليلة الأحد الماضي واستمر حتى ساعة مبكرة من يوم الاثنين. وسيرفع القرار إلى المجلس الوطني (برلمان الحزب) لإقراره. كذلك أعلن الحزب أنه بصدد إعداد وثيقة ستصدر خلال الأيام القليلة المقبلة، تتضمن تقييمًا موضوعيًا ونقدًا ذاتيًا للوضع الحالي للحزب.
وبادر إلى تنفيذ هذا القرار في اليوم الذي أجريت فيه انتخابات رؤساء مجالس الجهات، فانسحب من سباق رئاسة جهة فاس - مكناس، ليفسح الطريق أمام مرشح الأغلبية الحكومية محند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الذي ظفر بالمنصب. كذلك دعا قياديي حزبه إلى التصويت ضد مرشحي الأصالة والمعاصرة لرئاسة الجهات ومنح أصواتهم لفائدة مرشحي حزب العدالة والتنمية، بيد أن كثيرين منهم لم يلتزموا بالقرار وصوّتوا لفائدة مصطفى بكوري الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي انتخب رئيسًا لجهة الدار البيضاء - سطات، ولفائدة إلياس العمري نائب الأمين العام للحزب ذاته، الذي انتخب رئيسًا لجهة طنجة - تطوان - الحسيمة. وهكذا فاز حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة خمس جهات من مجموع 12 مقابل جهتين فقط لحزب العدالة والتنمية. وحصل حزب الاستقلال على رئاسة جهتين (العيون - الساقية الحمراء والداخلة - وادي الذهب)، والتجمع الوطني للأحرار أيضًا على رئاسة جهتين (سوس - ماسة وكلميم - واد نون)، بينما انتزعت الحركة الشعبية رئاسة جهة واحدة (فاس - مكناس)، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الخاسر الأكبر في الانتخابات الجهوية، ذلك أنه لم يفز بأي جهة.
في سياق ذلك، يبقى السؤال المطروح هو..كيف سينعكس قرار حزب الاستقلال على انتخابات رؤساء البلديات الذي انطلق أمس الثلاثاء ويتواصل اليوم الأربعاء، وما إذا كان سينتج عن ذلك مفاجآت جديدة؟».

قراءة ابن كيران
ثم، إذا كان حزب العدالة والتنمية قد تصدر نتائج انتخابات الجهات، وحل ثالثًا في الانتخابات البلدية، بعد غريميه حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال المعارضين، بعدما كان كثيرون من المراقبين يتوقعون تراجعه أسوة بما حدث للتيارات الإسلامية في دول «الربيع العربي»، فقد كانت لابن كيران قراءة ثانية لتلك النتائج. رئيس الوزراء قال في قراءته إنه إذا ما جرى احتساب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الثلاثة الأولى، فإن حزبه يظل هو الأول من حيث عدد الأصوات إذ حصل على مليون و500 ألف صوت، مقابل حصول الأصالة والمعاصرة المعارض على مليون و300 ألف صوت، والاستقلال المعارض على مليون و70 ألف صوت. ورأى ابن كيران أن حزبه لم يكن قد حصل إلا على 600 ألف صوت في الانتخابات البلدية لعام 2009، وبالتالي، يكون الحزب قد نجح في كسب نصف مليون صوت جديد مقارنة مع انتخابات 2011 التي صوت لصالحه فيها مليون صوت.
من ناحية ثانية، أرجع المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلى كونه «ما زال يستثمر رصيده الانتخابي في الانتخابات التشريعية لـ2011، بالإضافة إلى كونه يوظف خصوصيته المتمثلة في مرجعيته الدينية». وأوضح بوخبزة أن الحزب لم يعتمد في الاقتراع الأخير على من يطلق عليهم اسم «الكائنات الانتخابية» التي تستميل الناخبين بطرق أخرى غير الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية.
وقال بوخبزة لـ«الشرق الأوسط» إن منافسي حزب العدالة والتنمية كان لهم دور أيضًا في هذا الفوز «فهم ارتكبوا أخطاء كبيرة جدًا في التعامل مع هذه الانتخابات، وبالتالي، كمنت قوة العدالة والتنمية في ضعف خصومه السياسيين». وشرح أن غالبية الأحزاب المعارضة «دخلت الانتخابات بمعنويات مهزوزة بعد عقد مؤتمراتها العامة التي وصلت إلى حد حدوث انشقاقات كبرى داخلها مثل ما حدث في حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي».
هذا، ولفتت النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية، بالذات، في المدن الكبرى مثل الرباط وطنجة وأغادير والدار البيضاء والقنيطرة وفاس ومكناس ومراكش الانتباه بشكل كبير. وهو ما حدا بابن كيران للقول: «هذه النتائج وحدها كافية لإبراز شعبية الحزب ومكانته» ومن ثم وصف الانتخابات بأنها كانت «حماسية وكان الناس مرتاحين لنتائجها ولم تعرف تدخل الإدارة».

واشنطن مرتاحة
تجدر الإشارة إلى أن الرضا الذي عبر عنه الرئيس ابن كيران بشأن الانتخابات، دعمته وزارة الخارجية الأميركية التي عدتها «خطوة مهمة وإيجابية نحو الأمام في إطار جهود الحكومة المغربية نحو اللامركزية وتعزيز القرب من المواطنين». ومن ثم، أعلنت الولايات المتحدة «دعمها لجهود المغرب في مجال التنمية الديمقراطية المتواصلة، من خلال الإصلاحات الدستورية والقضائية والسياسية».
ومن جانبه، أقرّ خالد الطرابلسي، رئيس المركز المغربي لحقوق الناخب وعضو اللجنة المركزية لحزب الاستقلال، باكتساح حزب العدالة والتنمية المدن الكبرى، بيد أنه قلّل من أهمية هذا النجاح. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المغرب ليس المدن الكبرى فقط.. والعدالة والتنمية أقام ضجة مدعيًا أنه اكتسح المغرب، لكن هذا غير صحيح فهم لا يتحكمون في المغرب كله، بدليل أن حزب الأصالة والمعاصرة احتل المرتبة الأولى وحزب الاستقلال الثانية بينما جاءوا هم في المرتبة الثالثة».
لكن المفارقة تبقى أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي يطرح مشروعًا سياسيًا حداثيًا اكتسح البوادي والقرى، بينما سيطر حزب العدالة والتنمية المحافظ على المدن التي تعج بالحداثيين والمثقفين.

الحملة الانتخابية
ثم إن حماس الانتخابات الذي تحدث عنه ابن كيران لم يكن خافيًا. فخلال الحملة الانتخابية تنقل زعيم العدالة والتنمية بالطائرة لترؤس المهرجانات الخطابية التي نظمها حزبه في عدة مدن كبرى، وكلّف هذا التنقل الحزب نحو 300 ألف درهم (35 ألف دولار). ويبدو أن حضور رئيس الحكومة في هذه المهرجانات كان له وقع السحر على الناخبين في تلك المدن نفسها، ورد ابن كيران ساخرا من معارضيه الذين انتقدوا تكلفة تنقله بالطائرة قائلا «وكأنني بنظرهم لا أستحق ركوب الطائرة». كذلك، خصص ابن كيران حيزًا كبيرًا من مهرجاناته الخطابية لمهاجمة خصومه السياسيين، خاصة، أمين عام حزب الاستقلال، وإلياس العمري نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يعده ابن كيران الرئيس الفعلي للحزب.
أيضًا، لم يفوّت ابن كيران أجواء الحماس الانتخابي، بل استعمل كل ما لديه من أفضليات لمهاجمة خصومه بشكل لاذع وساخر، وهي المهمة التي يتقنها بامتياز، ولم يتوان في توجيه تهم ثقيلة لخصومه من قبيل تلقي الأموال من تجار المخدرات لصرفها في الحملات الانتخابية، وهي التهمة التي وجهها تحديدًا للعمري في عز الحملة الانتخابية، وقرّر على أثرها حزب الأصالة والمعاصرة مقاضاة رئيس الحكومة على الرغم من أن هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ سبق لابن كيران إثارتها غير مرة خلال الأشهر التي سبقت موعد الانتخابات. ولكن بدهائه السياسي نفى ابن كيران أن يكون هو من وجّه للعمري تهمة تلقي الأموال من تجار المخدرات، بل كان هو من اتهم العمري بذلك عبر شريط فيديو يعود تاريخه إلى عام 2011، اطلع عليه ابن كيران في أحد المواقع الإلكترونية. وبالتالي، فإن كل ما يطالب به العمري هو «أن يقول للمغاربة بأنه يكذب، أو أن يعترف بأنه كذب على العمري»، مؤكدًا أنه سيتابع هذه القضية حتى النهاية.
أما الذي سبق أن وجه لابن كيران تهمًا غريبة وعجيبة مثل علاقته بجهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وأيضًا علاقته بتنظيمي «داعش» و«النصرة»، فكان له نصيب وافر من السخرية خلال مختلف المهرجانات الخطابية، حيث سخر منه ابن كيران لأنه وعد سكان مدينة فاس (البعيدة عن البحار) بتوفير بحر صناعي لهم. واستهزأ بإقدامه على نصب برج يشبه برج إيفل الباريسي في المدينة قبل أن يتراجع عن نصبه. وأشار رئيس الوزراء في جل خطاباته إلى المظاهرة التي نظمها ضد الحكومة مستعينًا بالحمير، وهي المظاهرة التي «جلبت السخرية للمغرب عبر العالم»، كما قال. فهل كان لهذا الخطاب المغرق في السخرية ضد الخصوم تأثير على الناخبين؟
يجيب المحلل السياسي العمراني بوخبزة أن «خطاب ابن كيران ضد خصومه لم يكن خطابًا خاصا بالمرحلة الانتخابية بل امتداد لما سوقه ضدهم منذ توليه رئاسة الحكومة». وأردف أن «التنابذ الذي حدث بين ابن كيران وخصومه السياسيين ليس مرحليًا بل مسترسلاً، وكان له تأثير كبير جدا على الناخبين لأنه وافق القناعات العامة السائدة في المجتمع بضرورة محاربة رموز الفساد». ولفت بوخبزة إلى أن حزب العدالة والتنمية، حتى قبل مرحلة ابن كيران، «ركز دائمًا على تسفيه الخصوم وتزكية النفس وهذا الأمر يتلاءم أيضًا مع عقلية الجماهير المغربية»، حسب رأيه.

تعليقات ومساجلات
على صعيد آخر، عقب ظهور نتائج الانتخابات ظهرت قراءة أخرى تقول إن فوز حزب العدالة والتنمية يمثل مشكلة للمؤسسة الملكية في المغرب وإن كانت لا تصل حد تهديدها. بيد أن مصطفى الخلفي وزير الاتصال (الإعلام)، والناطق الرسمي باسم الحكومة المنتمي لحزب العدالة والتنمية، نفى ذلك بشكل مطلق. ووصف الخلفي تلك القراءة بأنها «غير سليمة وخاطئة وغير مسنودة. بل على النقيض منها، أثبتت الممارسة السياسية للحزب والمنطلقة من مرجعيته وفكره السياسي أنه كان دائمًا ولا يزال يعمل في إطار الشرعية ومعها، ويشتغل تحت قيادة الملك، وشكل دائمًا دعمًا وسندًا للإصلاحات الكبرى الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية مع باقي القوى الحية».
وانتقد الخلفي أيضًا في مقال نشره على الموقع الإلكتروني للحزب «القراءة الاختزالية التي تربط تقدم الحزب بنزاهته فقط، لتنكر عن قصد أو غير قصد الدور الحاسم والأساسي لأداء الحزب ومناضليه سواء على مستوى العمل الحكومي أو حصيلته في تدبير الشأن الجماعي المحلي، وحصيلته الإيجابية الأولية مقابل الأداء الضعيف للمعارضة». ورفض الخلفي أيضًا إلصاق الرؤية المحافظة إزاء الحريات الفردية بالحزب، قائلاً إن حصيلة الحزب في رئاسة الحكومة طيلة أربع سنوات كانت خلاف ذلك «وكذبت كل ما كان يروج منذ سنوات حول التضييق الذي قد يطال الحريات الفردية في حال وصول الحزب إلى الحكومة».
في هذه الأثناء، انتقد العمري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، في مؤتمر صحافي عقده عقب ظهور نتائج الانتخابات ما وصفه بجزئية بسيطة تتمثل في عدم تمكن عدد من الناخبين من التصويت بسبب غياب أسمائهم من السجلات من دون مبرر. معلنًا أيضًا أن أحزاب المعارضة الأربعة اتفقت على أن التحالف مع العدالة والتنمية «خط أحمر»، على الرغم من استحالة تطبيق هذا القرار على أرض الواقع عند تشكيل مجالس الجهات والبلديات.
ومن جهته، دافع الطرابلسي عن النتائج التي حققها حزبه (الاستقلال)، وقال إنه على الرغم من كونه في المعارضة فإنه حافظ على مكانته وحل في المرتبة الثانية بعد حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما حدث في الانتخابات البلدية لعام 2009. أضاف أن ما يروج عن انهزام حزب الاستقلال «غير صحيح». وردًا على ما تردد بشأن مطالبة بعض أعضاء حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي بعقد مؤتمرات استثنائية لتغيير القيادات الحالية للحزب جراء النتائج السلبية التي حصلا عليها في الانتخابات، قال الطرابلسي إن ما راج بشأن ذلك هو «مجرد حرب نفسية». ثم تساءل: هل محافظة حزب الاستقلال على موقعه في الانتخابات تدعو إلى عقد مؤتمر استثنائي؟ ورد على سؤاله بأن «ما يقال غير منطقي بل يدخل ضمن التهويل والتضليل الإعلامي الذي يمارسه حزب العدالة والتنمية مدعومًا من قبل عدد من المنابر الإعلامية.
هذا الرأي أيده أيضًا بوخبزة، الذي قال إن المطالبة بإجراء مؤتمرات استثنائية ليست سوى ردود فعل على محطة انتخابية، «إذ لا ينبغي للأحزاب السياسية أن تكون خاضعة لردود الفعل، لأن من شأن ذلك أن يكون له انعكاسات وخيمة على مسارها، وقد يكلفها الخضوع لردود الأفعال غاليًا، خاصة، أن الأجواء والنفوس لم تستقر بعد» حسب تعبيره. لكن المراقبين يتذكرون أنه صرح قبيل اقتراع 4 سبتمبر أنه سيستقيل من قيادة الحزب إذا لم يحصل حزبه على المرتبة الأولى.

جيش ابن كيران {الإلكتروني}
ثم ثمة سؤال يطرح نفسه حول حقيقة الجيش الإلكتروني الذي يقال إن حزب العدالة والتنمية يملكه ويديره على مدار الساعة، حيث تكتسح مقاطع فيديو تتضمن تصريحات ابن كيران، مختارة بذكاء، مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب عشرات التعليقات المصورة المواكبة لكل حدث التي تدافع عن حصيلة الحكومة أو تنتقد بسخرية مواقف المعارضة. ومنها مقطع فيديو لا يتعدى ثواني معدودات يطلق فيه ابن كيران ضحكة مدوّية. وقد نشر المقطع مذيلا بتعليق يقول «أول تعليق لابن كيران». ويحقق هذا النوع من الفيديوهات نسبة مشاهدة عالية على موقع «اليوتيوب».
ولكن صحافيًا يعمل في الموقع الإلكتروني للحزب قال لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «لسنا كتيبة ولا جيشًا إلكترونيًا، فعدد الذين يعملون بالموقع لا يتعدى 18 شخصًا، بينهم إداريون وتقنيون و6 صحافيين»، مضيفًا: «إن ما ينشر ويبث على مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوهات وتعليقات مصورة ينجزها شباب متطوعون ينتمون إلى منظمة الشباب التابعة للحزب».
تبقى الإشارة إلى أن حكومة ابن كيران عرفت فضائح أدت إلى إقالة عدد من وزرائها أو استقالتهم، بدءا من فضيحة الشوكولاته التي تورط فيها عبد العظيم الكروج الوزير السابق في الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، الذي شغل أيضًا منصب الوزير المنتدب في التكوين المهني، وينتمي إلى حزب الحركة الشعبية. ثم فضيحة الملعب التي أقيل على أثرها محمد أوزين وزير الشباب والرياضة المنتمي للحزب نفسه. أخيرا قصة الحب والزواج التي جمعت بين سمية بن خلدون الوزيرة في وزارة التعليم العالي والحبيب الشوباني الوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني (متزوج)، التي أحدثت ضجة غير مسبوقة وصل صداها إلى خارج البلاد، وأجبرت الوزيرين المنتميين لحزب العدالة والتنمية على الاستقالة.
وكانت المعارضة تراهن على هذه «الفضائح» لتشويه صورة الحكومة أمام الرأي العام، بيد أنها وإن كانت أثرت نوعا ما على حزب الحركة الشعبية الذي خسر وزيرها السابق أوزين في الانتخابات، فإن قصة حب الوزيرين لم تؤثر على حظوظ العدالة والتنمية مطلقًا، بل استغلها ابن كيران لصالح الحزب. ففي أول مهرجان خطابي عقده في مدينة سلا المجاورة للرباط لإعلان انطلاق الحملة الانتخابية لحزبه، اختصر ابن كيران الضجة التي أحدثتها هذه القضية بشأن تعدد الزوجات ولخصها في عبارة واحدة «ماذا سيقولون عنا.. وزير أحب وزيرة وتزوجها.. مبروك لهما».
فلماذا أخفقت خطة المعارضة التي طالما حاولت تأليب الرأي العام ضد الحكومة بسبب «قراراتها غير الشعبية التي تستهدف جيوب المواطنين»، واستغلت «فضائح وزرائها»، يجيب بوخبزة على ذلك بالقول إن «ما حدث هو العكس تمامًا، أي أن (العدالة والتنمية) استثمر بشكل كبير إنجازات الحكومة لصالحه خلال الحملة الانتخابية وسوقها بشكل جيد»، مضيفًا أن «رئيس الحكومة لم يفوت أي فرصة في إبراز ما حققته حكومته إلى درجة أنه بخس مساهمة باقي مكونات الأغلبية ودورها في هذه الإنجازات».



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.