«العدالة والتنمية» المغربي يتصدر الانتخابات الجهوية.. و«الأصالة والمعاصرة» البلدية

هزيمة مدوية لحميد شباط في فاس.. ونصر باهر لابن عيسى في أصيلة

عبد الإله ابن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية يتحدث للصحافة عقب الإعلان عن النتائج الأولية للاقتراع الليلة قبل الماضية (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الإله ابن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية يتحدث للصحافة عقب الإعلان عن النتائج الأولية للاقتراع الليلة قبل الماضية (تصوير: مصطفى حبيس)
TT

«العدالة والتنمية» المغربي يتصدر الانتخابات الجهوية.. و«الأصالة والمعاصرة» البلدية

عبد الإله ابن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية يتحدث للصحافة عقب الإعلان عن النتائج الأولية للاقتراع الليلة قبل الماضية (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الإله ابن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية يتحدث للصحافة عقب الإعلان عن النتائج الأولية للاقتراع الليلة قبل الماضية (تصوير: مصطفى حبيس)

كشفت نتائج الانتخابات البلدية والجهوية التي جرت أول من أمس في المغرب عن تصدر حزب العدالة والتنمية (مرجعية إسلامية) متزعم الائتلاف الحكومي، النتائج الخاصة بانتخاب أعضاء المجالس الجهوية (المناطق)، فيما فاز غريمه السياسي حزب الأصالة والمعاصرة المعارض بالمرتبة الأولى في انتخابات مجالس البلديات، وحل حزب الاستقلال المعارض في المرتبة الثانية في البلديات، والثالثة في انتخابات الجهات.
وأعلنت وزارة الداخلية أمس أن نسبة المشاركة في التصويت بلغت 53.67 في المائة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع الانتخابات المحلية التي جرت عام 2009، والتي بلغت 52.4 في المائة. وأوضحت في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه أن حزب الأصالة والمعاصرة حصل على 6655 مقعدا بنسبة 21.12 في المائة، يليه حزب الاستقلال بـ5106 مقاعد، بنسبة 16.22 في المائة، متبوعًا بحزب العدالة والتنمية الذي حصل على 5021 مقعدا، أي بنسبة 15.94 في المائة. وحل حزب التجمع الوطني للأحرار المشارك في الحكومة بالمركز الرابع بـ4408 مقاعد، أي 13.99 في المائة، ثم الحركة الشعبية بـ3007 مقاعد، أي بنسبة 9.54 في المائة.
وفيما يتعلق بانتخاب أعضاء المجالس الجهوية، تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج بـ174 مقعدًا، أي بنسبة 25.66 في المائة، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بـ132 مقعدًا، بنسبة 19.47 في المائة، ثم حزب الاستقلال بـ119 مقعدًا بنسبة 17.55 في المائة، ثم حزب التجمع الوطني للأحرار بـ90 مقعدًا بنسبة 13.27 في المائة، فحزب الحركة الشعبية بـ58 مقعدًا بنسبة 8.55 في المائة.
وفي أول تعليق له على النتائج الأولية التي حصل عليها حزبه، والتي اعتبرت اختبارًا لشعبيته، قال عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إن «الشعب المغربي رد لنا التحية بأحسن منها»، مضيفا أن «المغاربة أعجبهم حزب العدالة والتنمية فمنحوه أصواتهم بكل ثقة»، وأن حزبه اشتغل بطرق عادية، غير أنه «بذل مجهودا كبيرا في تسييره للجماعات (البلديات) التي يشرف على رئاستها»، كما أكد التزام حزبه بتقديم خدمة الوطن والمواطن على مصلحة الحزب، مشيرا إلى أن «الانتقال التدريجي التي بات يعرفه الحزب من خلال حصوله على مراتب متقدمة، في عدد من المحطات الانتخابية، مثلما هو عليه الشأن في هذه الاستحقاقات، يؤشر على نجاعة اندماج الحزب وقربه من الشعب».
وتوقف المتتبعون بشكل لافت عند النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى، مثل الرباط وطنجة وأغادير والدار البيضاء، حيث حصل الحزب في العاصمة الرباط على 39 مقعدًا من أصل 86 مقعدًا، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ21 مقعدا، يليهما «التجمع الوطني للأحرار» بـ10 مقاعد، والاتحاد الدستوري بـ6 مقاعد، والحركة الشعبية بخمسة مقاعد.
وشكل فوز العدالة والتنمية في مدينة فاس صفعة مدوية تلقاها حميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال الذي كان يشغل فيها منصب العمدة، على اعتبار أن هذه المدينة العلمية تعد إحدى القلاع التاريخية للاستقلاليين، حيث حصلت لائحة إدريس الأزمي، الوزير المكلف الميزانية، المنتمي لحزب العدالة والتنمية في مقاطعة سايس، على 31 مقعدا، مقابل 7 مقاعد فقط لشباط، إذ فاز «العدالة والتنمية» على مستوى مقاطعة فاس المدينة بـ22 مقعدا من أصل 34 مقعدا، فيما حل حزب الاستقلال في المرتبة الثانية بحصوله على ثمانية مقاعد، متبوعا بحزب الحركة الشعبية بمقعدين اثنين، ثم حزب التجمع الوطني للأحرار بمقعدين. وعلق ابن كيران على فوز حزبه بأكبر عدد من الأصوات في مدينة فاس بقوله إن حزبه «لم ينتزع المدينة من شباط، وإنما المدينة العلمية هي التي حررت فاس من قبضة الفساد والاستبداد».
وحقق «العدالة والتنمية» فوزا كاسحا أيضًا في عمالة طنجة أصيلة (شمال) بحصوله على 98 مقعدا من أصل 169 مقعدا، كما حصل على 24 مقعدا بمقاطعة طنجة المدينة، التي كان يشغل منصب العمدة فيها فؤاد العماري، شقيق إلياس العماري نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، الغريم السياسي للحزب. كما حصل على نتائج إيجابية في مدينة مراكش، بحصوله على 85 مقعدا من أصل 191، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة بـ48 مقعدا، وحزب التجمع الوطني للأحرار بـ24 مقعدا، وحزب الاستقلال بـ13 مقعدا، وحزب الحركة الشعبية بسبعة مقاعد. كما استطاع الحزب أن يزيح «الاتحاد الاشتراكي» المعارض عن قلعته الحصينة أغادير في الجنوب، وذلك بحصوله على 33 مقعدا، من أصل 65.
من جهته، حافظ حزب الاستقلال على موقعه في الأقاليم الجنوبية ((الصحراء)، حيث تصدر نتائج الانتخابات الجماعية في الأقاليم الصحراوية مثل العيون والسمارة، فيما احتل «الأصالة والمعاصرة» المراتب الأولى في نتائج الانتخابات البلدية بمدن الحسيمة، والناظور وبركان ووجدة.
في سياق ذلك، حقق محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب الأسبق وأمين عام مؤسسة منتدى أصيلة المنظمة لمواسم أصيلة الثقافية الدولية، الذي ترشح مستقلا، وفريقه المنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فوزا كاسحا في مدينة أصيلة، إذ حصل بن عيسى وفريقه على 28 مقعدا من مجموع ثلاثين.
وفي الدار البيضاء، ظفر حزب العدالة والتنمية بحصة 50 في المائة من مقاعد مجلس المدينة، أي 74 مقعدا من أصل 147، الشيء الذي سيتيح له تولي كرسي عمدة أكبر مدينة في المغرب دون منازع، بينما جاء حليفه في الغالبية الحكومية، حزب التجمع الوطني للأحرار، في المركز الثاني بـ23 مقعدا، يليه حزب الاتحاد الدستوري (معارض) بـ20 مقعدًا، ثم حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الرابعة بحصة 15 مقعدًا. أما حزب الاستقلال فعرف تراجعا تاريخيا، إذ نزلت حصته إلى 8 مقاعد فقط.
ويتوفر حرب العدالة والتنمية على أغلبية مريحة في مجلس مدينة الدار البيضاء، إذ يتوفر باعتماده على أصوات حلفائه في الغالبية الحكومية على 70 في المائة من الأصوات في مجلس المدينة، مقابل 30 في المائة لأحزاب تحالف المعارضة.
وفي تعليق على هذه النتائج، قال عبد الصمد حيكر الأمين العام الجهوي لحزب العدالة والتنمية في الدار البيضاء وأبرز المرشحين لرئاسة مجلس المدينة، إن «سكان الدار البيضاء عبروا بصراحة من خلال هذه الانتخابات عن رغبتهم في أن يتولى حزب العدالة والتنمية تدبير شؤون المدينة. كما تشير هذه النتائج أيضًا إلى أن المواطنين يتابعون باهتمام تطورات الشأن السياسي، ويقيّمون أداء الأحزاب السياسية، ويدلون بأصواتهم على أساس ذلك. وهذا يضع على عاتقنا مسؤولية كبيرة، لأننا إذا أخفقنا فسيعاقبنا الناخبون بالتصويت لغيرنا في الانتخابات المقبلة».
وعلى مستوى البلديات الـ12، التي تتكون منها الدار البيضاء، احتل حزب العدالة والتنمية موقع الصدارة في كل البلديات، باستثناء بلدية بنمسيك التي جاء فيها في المرتبة الثانية بحصة 9 مقاعد، وراء حزب الاتحاد الدستوري الذي فاز بـ13 مقعدا في هذه البلدية. وتراوحت حصة العدالة والتنمية في مجالس البلديات بين 32 في المائة و64 في المائة من المقاعد، حيث حصل الحزب على أكثر من 50 في المائة من المقاعد في 10 بلديات من بين 12 بلدية، التي تتكون منها مدينة الدار البيضاء.
أما على مستوى جهة الدار البيضاء الكبرى، التي تضم مدن الدار البيضاء وسطات وبرشيد والجديدة والمحمدية، فحصل العدالة والتنمية أيضًا على المرتبة الأولى بنحو 40 في المائة من المقاعد، إذ حصد الحزب 30 مقعدا، مقابل 19 لحزب الأصالة والمعاصرة المعارض، و12 مقعدا لحزب الاستقلال المعارض. وبذلك يكون مجموع مقاعد الحزبين المعارضين المتحالفين 31 مقعدا، مما يجعل مهمة العدالة والتنمية صعبة جدا في سعيه لكرسي رئاسة جهة الدار البيضاء الكبرى. ومن عجائب الصدف أن حزبي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية الحليفين لحزب العدالة والتنمية حصلا معا على 7 مقاعد في مجلس الجهة، فيما حصل حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الاتحاد الدستوري المعارضين بدورهما على 7 مقاعد، أي أن تحالف المعارضة لديه 38 مقعدا، وتحالف الغالبية 37 مقعدا. لكن السؤال الكبير هو مدى استعداد الحزبين المعارضين الكبيرين للاتفاق حول مرشح موحد لرئاسة الجهة، خصوصا أن حزب الأصالة والمعاصرة يدخل هذه المنافسة بأمينه العام مصطفى الباكوري، فيما حزب الاستقلال رشح لها الوزيرة السابقة ياسمينة بادو.
ويقول سعيد خمري، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في كلية المحمدية: «كل شيء وارد، لكن من الصعب الجزم بأن حزب العدالة والتنمية سيترأس الجهة. فمن الوارد جدا أن تحصل تحالفات لا تخضع لمنطق التحالف على المستوى المركزي، والتوزيع بين حكومة ومعارضة، وهذا شائع في تركيب المجالس البلدية. ولا أستبعد أن تعطى الرئاسة في الجهة إلى حزب لا يتوفر على الأغلبية، وذلك على أساس توافقات ومساومات حول تشكيل مجالس جهات ومدن أخرى». ولم يستبعد خمري أن يتحالف حزب العدالة والتنمية في بعض البلديات، أو مجالس المدن والجهات، مع حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب الاستقلال، اللذين يعتبران من ألد أعدائه على المستوى المركزي.
وفي تعليقه على اكتساح حزب العدالة والتنمية في الدار البيضاء، قال خمري إن «حزب العدالة والتنمية استفاد من التصويت العقابي لسكان الدار البيضاء ضد الأحزاب التي كانت تتولى تسيير المدينة في السابق. إضافة إلى أن الحزب يجني الآن ثمار المجهود الذي بذله في تنظيم وتأطير السكان، ونجاحه في إرضائهم داخل البلديات التي كان يسيرها خلال الولاية السابقة».
وفي مراكش، حقق حزب العدالة والتنمية تقدما لافتا مقارنة بانتخابات 2009، حيث فاز بأغلبية مقاعد مقاطعتي مراكش المنارة ومراكش جيليز، كما حصد نحو نصف مقاعد المجلس الجماعي لمدينة مراكش، المكون من خمس مقاطعات، والذي كانت ترأسه خلال الولاية المنتهية فاطمة الزهراء المنصوري، من حزب الأصالة والمعاصرة.
وحسب النتائج شبه النهائية، فقد فاز حزب العدالة والتنمية بمقاطعة مراكش جيليز بـ21 مقعدا من أصل 40، متقدما على الأصالة والمعاصرة، الذي كان يرأس المقاطعة، والذي حصل على 9 مقاعد، فيما حصل التجمع الوطني للأحرار على 6 مقاعد، والحركة الشعبية على 4 مقاعد. كما فاز العدالة والتنمية في مقاطعة مراكش المنارة بـ24 مقعدا، من أصل 42 مقعدا، متبوعا بالأصالة والمعاصرة، الذي كان يرأس المقاطعة، بـ10 مقاعد، ثم التجمع الوطني للأحرار ب 4 مقاعد. وفي مقاطعة مراكش المدينة حصل العدالة والتنمية على 17 مقعدا، متقدما على لائحة رئيسة المجلس الجماعي المنتهية ولايتها فاطمة الزهراء المنصوري، عن الأصالة والمعاصرة، التي حصلت على 11 مقعدا، فيما حصل التجمع الوطني للأحرار على 6 مقاعد، يليه حزب الاستقلال بـ3 مقاعد، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمقعدين.
وبتقدم لوائح العدالة والتنمية في معظم مقاطعات المدينة الحمراء، وأخذا بعين الاعتبار مؤشرات التحالف الذي يمكن أن يتشكل بين مكونات أحزاب التحالف الحكومي، يكون الأصالة والمعاصرة، الذي هيمن على تسيير المقاطعات والمجلس الجماعي للمدينة والمجلس الإقليمي خلال الولاية المنتهية، في طريقه إلى خسارة عمدية المدينة ورئاسة المجلس الإقليمي.
أما على مستوى جهة مراكش - آسفي، فحصل الأصالة والمعاصرة على المرتبة الأولى بـ24 مقعدا، متبوعا بالعدالة والتنمية بـ16 مقعدا، فيما حل حزب الاستقلال ثالثا، بـ11 مقعدا، ثم التجمع الوطني للأحرار رابعا بـ10 مقاعد، والحركة الشعبية بـ5 مقاعد، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ4 مقاعد، والاتحاد الدستوري بـ3 مقاعد، ثم التقدم والاشتراكية بمقعدين.
في غضون ذلك، حملت أحزاب المعارضة الأربعة الحكومة مسؤولية عدم تمكن عدد من الناخبين من التصويت بسبب غياب أسمائهم عن سجلات الناخبين، أو عدم تمكُّنهم من التعرف على مكاتب التصويت التي ينبغي التوجه إليها، كما قررت عدم الانخراط في أي تحالف يقوده حزب العدالة والتنمية، وذلك عقب اجتماع قادتها أمس.
وتعليقا على نتائج الانتخابات، قال إلياس العماري نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إن حزبه حقق تقدما نوعيا في هذه الانتخابات، وأضاف خلال لقاء صحافي عقده أمس أن الحزب لم يفقد أي أصوات مقارنة مع انتخابات 2009، كما لم يفقد مدينتي طنجة ومراكش، مشيرا إلى أن حزبه لم يفقد موقعه رغم الهجوم عليه، بل حسَّنه بشكل كبير في هذه الانتخابات، وذلك بسبب المشروع السياسي الذي يحمله.
وفي معرض رد الفعل الدولي على انتخابات المغرب، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن انتخابات أمس «تشكل خطوة مهمة وإيجابية نحو الأمام»، في إطار جهود المملكة في مجال اللامركزية.
وأكد مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن «الاقتراع المباشر للرابع من سبتمبر (أيلول) لانتخاب المجالس الجهوية والمحلية يشكل خطوة مهمة وإيجابية إلى الأمام، في إطار جهود الحكومة المغربية نحو اللامركزية وتعزيز القرب من المواطنين»، مشددا على أن الولايات المتحدة «تدعم جهود المغرب في مجال التنمية الديمقراطية المتواصلة، من خلال الإصلاحات الدستورية والقضائية والسياسية».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.