أزمة اللاجئين تسمم العلاقات الأوروبية.. وتكتسح شبكات قطاراتها

المجر ترفض الانتقادات الفرنسية.. وبرلين تحذر من الفشل في معالجة المشكلة

مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
TT

أزمة اللاجئين تسمم العلاقات الأوروبية.. وتكتسح شبكات قطاراتها

مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)
مهاجرة مقعدة ترفع على كرسي إلى قطار متجه من النمسا إلى ميونيخ الألمانية أمس (إ.ب.أ)

شهدت الحدود بين المجر والنمسا أمس ازدحاما خانقا، حيث عززت عمليات التفتيش بحثا عن المهربين، لكن المهاجرين نجحوا في الصعود بالمئات إلى القطارات في بودابست أملا منهم في الوصول إلى ألمانيا. في الوقت نفسه أظهرت الدول الأوروبية التي دعتها بروكسل إلى احترام «قيمها الإنسانية» انقساماتها بشأن إدارة أزمة المهاجرين واللاجئين الذين يتدفقون إلى القارة الأوروبية.
واضطر الأشخاص الذين كانوا يتوجهون بالسيارة من المجر إلى النمسا إلى الانتظار أمس في طوابير طويلة امتدت إلى 50 كيلومترا قرب الحدود بعد أن شددت النمسا المراقبة على الحدود بحثا عن مهربي المهاجرين، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. واتخذت هذه التدابير مساء أول من أمس بعد العثور الأسبوع الماضي على شاحنة مركونة بجانب الطريق في ولاية برغنلاند قرب الحدود مع النمسا وبداخلها جثث 71 مهاجرا.
وفي إطار عمليات المراقبة التي أجريت بالتعاون الوثيق مع السلطات المجرية والسلوفاكية والألمانية، فتشت الشرطة كل شاحنة أو سيارة بحثا عن مهربين. وعثرت الشرطة على 12 مهاجرا بينهم ثلاثة أطفال مكدسين في شاحنة صغيرة تحمل لوحة تسجيل فرنسية.
من جهتها، سمحت السلطات المجرية لمئات المهاجرين بالصعود إلى قطارات متجهة إلى النمسا وألمانيا بعد أن أمضوا أياما في محطات بودابست التي تحولت إلى مخيمات عشوائية للاجئين. وكانت الشرطة المجرية منعت حتى الآن المهاجرين من الرحيل لأنهم لم يكونوا يحملون وثائق رسمية. ولم تكن قوات الأمن موجودة أمس عندما اندفع مهاجرون، بينهم كثير من السوريين، للصعود إلى قطارات متجهة إلى فيينا وميونيخ وبرلين. وصرح شرطي نمساوي كان في محطة القطارات أنه سيتم توقيف المهاجرين لدى دخولهم النمسا وسيمنعون من مواصلة رحلتهم لعدم حيازتهم الوثائق اللازمة.
وأكد نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرنس تيمرمانس خلال زيارته لمرفأ كاليه شمال فرنسا أمس: «إنها أزمة عالمية تستلزم معالجة أوروبية مشتركة (...) علينا أولا أن نكون مخلصين لقيمنا؛ القيم الإنسانية». وأضاف أن أوروبا «لن تعيد من يحتاجون للحماية إلى بلدانهم (...) عدد الوافدين هائل. إنها أزمة عالمية، لكن يمكن استيعاب هذه الأرقام وسط مجموع سكاني يقدر بـ500 مليون نسمة».
إلى جانبه، قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إنه «تحد تواجهه كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي يضع مجتمعاتها أمام اختبار».
وفي أحد أبرز المواقع لأزمة المهاجرين من حيث يحاول آلاف الأجانب الوصول إلى بريطانيا، التقى المسؤولان مهاجرين ولاجئين مع المفوض المكلف قضايا الهجرة ديمتريس أفراموبولوس.
وتسمم الأزمة العلاقات بين الأوروبيين؛ فقد دعت وزيرة الداخلية النمساوية يوهانا ميكل ليتنر أمس إلى «خفض» أو حتى «إلغاء» المساعدات المالية التي تخصصها بروكسل لدول الاتحاد الأوروبي التي ترفض استقبال مزيد من اللاجئين.
بدوره، قال رئيس الوزراء الفرنسي: «يرفض كثير من الدول أن تأخذ حصصها. كل أوروبا معنية بهذه الأزمة الخطيرة جدا، وبالتالي عليها التحرك».
من جهتها، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال مؤتمر صحافي إن «الحقوق المدنية العالمية كانت حتى الآن مرتبطة بشكل وثيق بأوروبا وتاريخها، بوصفها مبدأ مؤسسا للاتحاد الأوروبي. وإذا فشلت أوروبا في معالجة أزمة اللاجئين، فإن هذا الرابط مع الحقوق المدنية العالمية سينقطع». ودعت المستشارة الألمانية مرة جديدة إلى وضع حصص تتضمن عدد اللاجئين الواجب على كل دولة أوروبية أن تستقبلهم، الأمر الذي رفضه كثير من الدول الأوروبية.
وفي إشارة إلى المجر أمس، عدّ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس موقف بعض الدول الأوروبية «معيبا»، ودعا إلى إزالة الحواجز التي يتم بناؤها بين الدول الأعضاء في الاتحاد. ورد وزير الخارجية المجري بيتر سيجارتو بالقول إن هذه الانتقادات «تثير صدمة»، واستدعى أمس السفير الفرنسي في بودابست.
وفي براغ، أعلن رئيس وزراء تشيكيا، أمس، بوهوميل سوبوتكا، أن رؤساء حكومات «مجموعة فيسغراد»، وهي المجر وبولندا وسلوفاكيا وجمهورية تشيكيا، سيعقدون في براغ خلال الأيام المقبلة «قمة استثنائية» حول الهجرة يتوقع أن يؤكدوا خلالها رفضهم مبدأ الحصص في توزيع المهاجرين على دول الاتحاد الأوروبي. وقال للصحافيين: «آمل أن نؤكد موقفنا المشترك الرافض للحصص». وكان قال في وقت سابق إنه لا يتوقع «قرب انتهاء أزمة المهاجرين» وإن «أيا من أعضاء الاتحاد الأوروبي لا يمكنه حل المشكلة بمفرده، وينبغي البحث عن حل على المستوى الأوروبي».
بدوره، أكد رئيس حكومة سلوفاكيا روبرت فيكو، في لوبليانا، أمس، أن بلاده «لن توافق بتاتا» على مبدأ الحصص، وأنه لا يقبل «الانتقادات من دول ترفض ضم بلغاريا ورومانيا إلى فضاء (شينغن)» في إشارة إلى فرنسا وألمانيا اللتين بررتا موقفهما في 2010 بالفساد والجريمة المنظمة في البلدين.
إلى ذلك، أكدت رئيسة وزراء بولندا أيوا كوباش، أنه سيتعين على المفوضية الأوروبية الاتفاق على حصص جديدة لاستقبال اللاجئين بين الدول الأعضاء مع تخطي أرقام الوافدين منهم إلى أوروبا التوقعات.
ووافقت بولندا في يوليو (تموز) الماضي على استقبال ألفي لاجئ من سوريا وشمال أفريقيا بحلول عام 2017 في إطار خطة أوروبية لإعادة توزيع اللاجئين في أرجاء الاتحاد وتخفيف حدة الأزمة التي تواجه دولها الجنوبية. وقالت كوباش في مؤتمر صحافي أمس: «أنا أتفهم أننا اليوم لا نتكلم عن نحو 2200 لاجئ وسط توافد عدد أكبر من اللاجئين، وأن هذا التوزيع سيعاد النظر فيه. سيكون على بولندا أن تعلن موقفها الجديد بهذا الشأن». ولم توضح رقم اللاجئين الأكبر من ذلك الذي اتفق عليه في يوليو. وأضافت: «سنقيم إمكاناتنا، لكننا سنتعامل مع المسألة بشعور بالمسؤولية».
وجلس اللاجئون الذين فر كثير منهم من الحروب في الشرق الأوسط، في الشمس الحارقة في الممرات المكتظة للقطارات، أو راحوا يتابعون في حيرة إعلانات القطارات المتوقع وصولها بالمحطة الرئيسة في فيينا. وتلقي محنتهم الضوء على التحديات الإنسانية والدبلوماسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي الذي ألغى قيود الرقابة على الحدود بين 26 دولة في «منطقة شينغن»، لكنه يلزم طالبي اللجوء بالتقدم بطلبات اللجوء في أول دولة عضو يدخلونها، وهي في هذه الحالة المجر.
وأطلع سامي، وهو سوري عمره 35 عاما، مراسلا لوكالة «رويترز» على تذكرة بقيمة 120 يورو (134 دولارا) اشتريت حديثا لركوب قطار الساعة 1.10 بعد الظهر إلى ميونيخ. وقال: «كنت أنام هنا على الأرض مثل الكلب مع ولدي الاثنين منذ ستة أيام. واليوم نترك هذا البلد وراء ظهرنا ونلحق بأخواتي في ميونيخ إن شاء الله». وكان نحو ألف لاجئ آخر ينتظرون على بطاطين خارج محطة السكة الحديد يحدوهم الأمل في أن يلحقوا بهم في وقت لاحق.
ويحاول مئات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى الاتحاد الأوروبي هربا من العنف والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا. وضبطت الشرطة المجرية أكثر من 140 ألف شخص على الجانب الصربي حتى الآن هذا العام. وخلال الأيام الثلاثة الماضية قالت الشرطة المجرية إنها ضبطت 8792 مهاجرا يعبرون الحدود إلى البلاد معظمهم من صربيا. وقال رجل من أفغانستان يدعى سعيد وعمره 22 عاما، إنه كان في المجر منذ أسبوعين ولم يستطع الانتظار حتى يركب قطار ريلجت إلى ميونيخ. وكان قد اشترى تذكرة لركوب القطار.. لكنه أضاف أنه تساوره شكوك في أنه سيستطيع القيام بالرحلة إلى هناك. وقال: «الشرطة المجرية خدعتنا مرات كثيرة ولن أصدق هذا إلا في النمسا».
وفي برلين، نفت الحكومة الألمانية أنه توجد «قطارات خاصة» تحمل المهاجرين إلى ألمانيا من المجر. وقالت إنه بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، يجب على طالبي اللجوء الذين يصلون إلى المجر أن يتم تسجيلهم هناك أولا. وتتوقع ألمانيا استقبال نحو 800 ألف مهاجر هذا العام، وهو عدد أكبر مما يتوقعه أي بلد في الاتحاد الأوروبي.
وفي وقت لاحق أمس، أعلنت الشرطة السلوفاكية أنها اعتقلت عند الحدود مع المجر سائقين صربيين كانا يحاولان نقل 26 مهاجرا سوريا أو عراقيا في شاحنتيهما. وقال مارتن والدل، المتحدث باسم الشرطة، إنه تم العثور على المهاجرين عند مركز حدودي قرب براتيسلافا. وذكرت قناة «تي إيه 3» التلفزيونية أن المهاجرين، وبينهم امرأة وطفل في الرابعة، كانوا يأملون في بلوغ ألمانيا، وقد دفع كل منهم للمهربين 400 يورو. وأضافت أن إحدى الشاحنتين تحمل لوحة صربية، فيما الأخرى لوحتها سويسرية.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.