ألمانيا تكافح لإيواء جحافل اللاجئين

ثكنات عسكرية قديمة وملاعب وحاويات الشحن تحولت لمساكن

ناشطون في الحزب القومي الديمقراطي اليميني يتظاهرون ضد سياسة اللجوء الألمانية في مدينة أيسناخ أمس (إ.ب.أ)
ناشطون في الحزب القومي الديمقراطي اليميني يتظاهرون ضد سياسة اللجوء الألمانية في مدينة أيسناخ أمس (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا تكافح لإيواء جحافل اللاجئين

ناشطون في الحزب القومي الديمقراطي اليميني يتظاهرون ضد سياسة اللجوء الألمانية في مدينة أيسناخ أمس (إ.ب.أ)
ناشطون في الحزب القومي الديمقراطي اليميني يتظاهرون ضد سياسة اللجوء الألمانية في مدينة أيسناخ أمس (إ.ب.أ)

قضت ليلى البالغة من عمرها 23 عامًا، برفقة زوجها وطفليها الصغيرين أسبوعهما الأول في ألمانيا داخل مأوى مؤقت، وهو ملاذ متواضع للغاية، ولكن الحاجة إليه ملحَّة عقب رحلة موجعة من سوريا بدأت عندما وجهت الأوامر لزوجها بالقتال لصالح القوات الحكومية هناك.
من بين 800 ألف طالب للجوء السياسي يُتوقع مجيؤهم إلى ألمانيا هذا العام، نحو أربعة أضعاف الرقم المسجل العام الماضي، تقاسمت ليلى مع عائلتها غرفة صغيرة مبنية في ملعب للتنس مغطى في وسط مدينة برلين، خلال الأسبوع الأول في البلاد الذي بدأ في أغسطس (آب)، وهي غرفة مؤثثة بثلاثة أسرّة من طابقين، وطاولة صغيرة وخزانة صغيرة. وهم يتلقون ثلاثة وجبات في اليوم في الغرفة المشتركة بالمبنى الذي يضم 300 لاجئ غيرهم، وتوجد به دورات مياه مشتركة.
المكان متواضع جدا، وفقا للمعايير الأوروبية، لكنه يعتبر بداية جديدة بالنسبة إلى ليلى التي لا تستطيع نسيان مشاهد الجثث المتناثرة في شوارع مدينتها السابقة حلب. تقول ليلى، التي فضلت عدم نشر اسم عائلتها خشية الانتقام منهم في سوريا، لوكالة «أسوشييتد برس»: «كنا خائفين للغاية قبل أن نأتي إلى هنا، ولكننا نشعر الآن بالارتياح لحسن المعاملة هنا. كما أننا نشعر بالأمان فعلا».
دفعت الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا من سوريا وأفغانستان والعراق وإريتريا ودول أخرى خلال هذا العام بالدول الأوروبية إلى الهرولة لإيجاد مساكن إيواء (المؤقتة منها لأولئك الذين ينتظرون نتائج طلبات اللجوء، والدائمة لأولئك المسموح لهم بالإقامة. وتقول السلطات الألمانية إنه لديهم 45 ألف مكان شاغر في المساكن المؤقتة الخاصة بطلبات اللجوء السياسي، ويستثنى منها المخيمات التي أقيمت على وجه السرعة، ولكنهم في حاجة إلى إيجاد ما لا يقل عن 150 ألف مكان آخر.
وتواجه الكثير من الدول الأوروبية المشكلة نفسه، ولكن ليس أكبر من ألمانيا بحال، حيث تجتذب الدولة صاحبة أغنى اقتصاد في أوروبا 43 في المائة من إجمالي طلبات اللجوء البالغة 400 ألف طلب خلال النصف الأول من العام الحالي، وهي نسبة أكبر مرتين من الفترة نفسها في عام 2014.
وكان من المفترض إغلاق ملعب التنس المغطى الذي تعيش فيه ليلى مع عائلتها الصغيرة في مايو (أيار)، لكن السلطات أبقت عليه مفتوحا للمساعدة في التعامل مع طوفان اللاجئين القادمين. يجري تمويل الملعب المغطى من المدينة، ويدار بواسطة إرسالية مدينة برلين، وهي منظمة مسيحية غير ربحية، ويعمل فيها عدد كبير من المتطوعين.
في أماكن أخرى من برلين، تحولت حاويات الشحن المحمولة إلى أكوام صغيرة من الشقق التي تتسع لعدد 2400 لاجئ موزعين حول المدينة. وفي إحدى قرى الحاويات في جنوب غربي برلين، التي افتتحت أخيرا، توفر الحاويات الملونة بألوان زاهية المساحة المريحة لعدد 300 لاجئ. فهي تضم غرفًا منفردة بمطابخ ودورات مياه مشتركة في كل طابق، فضلا عن شقق صغيرة للعائلات، وأماكن لإقامة ذوي الاحتياجات الخاصة.
في المشروعات الحكومية وغير الحكومية حول البلاد، تتحول الثكنات العسكرية السابقة إلى مساكن للإيواء، ويجري تجديد منازل الممرضات غير المستغلة، ويتم نصب الخيام الصغيرة حتى داخل المدن. ولقد ضاعفت حكومة المستشارة أنجيلا ميركل المساعدات المالية المتاحة للسلطات المحلية إلى مليار يورو (112 مليار دولار)، كما دعت لاجتماع مع قادة الدولة في سبتمبر (أيلول) لمناقشة موقف اللاجئين عن كثب.
بعض المواطنين الألمان تدخلوا في حل المشكلة بجهود شخصية. فخلال العام الماضي، قررت جوناس كاكوشي مع زميلتها في السكن إيواء أحد اللاجئين في منزلها أثناء غيابها عن البلاد لمدة ستة شهور.
ساعدت كاكوشي اللاجئ، وهو رجل من السنغال، في تعلم اللغة الألمانية، واستيفاء أوراقه الخاصة، والعثور على شقة خاصة له في نهاية الأمر. والآن، ومع مشروع «مرحبا باللاجئين» عبر الإنترنت الذي أطلقته كاكوشي مع زميلتها، تمكنتا من العثور على أماكن خاصة للوافدين الجدد من اللاجئين، عن طريق مطابقة الأعمار، والمهارات اللغوية، وغير ذلك من المعايير.
تقول كاكوشي عن ذلك: «يقول العديد من اللاجئين إنهم ليس لديهم اتصالات مباشرة مع السكان المحليين، وإن مشروعنا يساعدهم في تجاوز ذلك». وأضافت أنها تمكنت في شهر يوليو (تموز) من إيجاد أماكن لعدد 64 لاجئًا في مختلف أرجاء ألمانيا و34 لاجئًا في النمسا في شقق خاصة. كما أن هناك تقارير حول أناس في مختلف أنحاء ألمانيا ممن استقبلوا لاجئين في منازلهم، ولكن من غير المعلوم أعدادهم تحديدا.
حتى في ظل مزيج من الجهود الحكومية، والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الشعبية، لا تزال المستشارة ميركل تنظر إلى وضع المهاجرين في ألمانيا بأنه «غير مرضٍ للغاية». وقالت: «كل شخص يأتي إلينا هو إنسان وله الحق في المعاملة الإنسانية الكريمة».
في برلين، التي تتوقع أن تتلقى 35 ألف لاجئ هذا العام - وهو ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في 2014 - يقول العمدة مايكل مويللر إن النظام في حاجة إلى الانسيابية السريعة لفصل أولئك المرجح السماح لهم بالإقامة لمدة طويلة وأولئك غير المسموح لهم بذلك، مضيفا: «نحتاج إلى سرعة عالية في الإجراءات حتى يمكننا معرفة من لديه الفرصة للحصول على الإقامة هنا في أقرب وقت ممكن».
ومما يضيف إلى التحديات ارتفاع وتيرة أعمال العنف ضد الأجانب، وخصوصا في مدن ألمانيا الشرقية السابقة. فقبل أسبوع في هايدناو، وهي بلدة بالقرب من دريسدن عاصمة إقليم ساكسونيا في ألمانيا الشرقية، قام حشد من المتطرفين القوميين اليمينيين بإلقاء الزجاجات والألعاب النارية على الشرطة التي كانت تحمي ملجأً مؤقتًا أقيم لصالح 600 لاجئ. ولقد وصفت السيدة ميركل التي زارت البلدة يوم الأربعاء الماضي بأنها «شائنة ومثيرة للاشمئزاز».
وفي بلدة ميسين القريبة، تعرض منزل لاجئين للحريق منذ شهرين، قبل أيام من افتتاحه لاستقبال 32 من طالبي اللجوء السياسي. وفي مدينة رايخرتشوفن في إقليم بافاريا، تعرض منزل يضم 67 لاجئا للحرق الشهر الماضي، قبل انتقال اللاجئين السياسيين إليه.
بوجه عام، وخلال النصف الأول من هذا العام، تم الإبلاغ عن 202 حالة اعتداء ضد الأجانب في ألمانيا، أكثر مما كان عليه الوضع في عام 2014. واضطرت السلطات إثر ذلك لاتخاذ تدابير إضافية، حتى في أماكن مثل برلين، التي لم تشهد أي حوادث كبيرة من هذا النوع.
ويقول ديتليف كاودجيدسكي، المسؤول عن إدارة تشييد أحد المباني السكنية للاجئين في جنوب غربي برلين: «لم تشهد قرية الحاويات لدينا أي هجمات، ورغم ذلك فنحن قلقون للغاية. وذلك هو السبب وراء وجود الخدمات الأمنية في الموقع منذ أن بدأنا العمل في المشروع».
بدورها، انتقدت نورا بريغر، الخبيرة لدى مجلس برلين للاجئين، وهي جمعية غير ربحية لدعم اللاجئين، حلول الإسكان المؤقت، واعتبرتها قصيرة النظر، وقالت إنها تكلف المدينة ما يقرب من 25 يورو (28 دولارًا) في اليوم لإسكان اللاجئين في قرى الحاويات أو الملاجئ. ودافعت أن تلك الأموال يمكن استخدامها في سداد ثمن الشقق التي قد تساعد الناس على الاندماج في المجتمع بصورة أفضل، فضلا عن أن يشعروا بمزيد من الارتياح.
في الملجأ الذي تعيش فيه ليلى، يبذل المتطوعون قصارى جهدهم ليشعروا اللاجئين وكأنهم في بيتهم. ويبدو المبنى وكأنه بيت للشباب مع مكتب للاستقبال، ومقصف، وصالة للطعام. وتتاح هناك الفعاليات الثقافية، وورش العمل، وحتى دور الحضانة للأطفال بالنسبة لأولئك الباقين لفترات طويلة. هناك أكثر من 950 شخصًا يعملون متطوعين في ذلك المبنى منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني)، ويقدمون المشورة النفسية، والرعاية الطبية، والمساعدات العامة.
ويقول يواكيم لينز، مدير إرسالية مدينة برلين «إننا لا نفتح لهم الأبواب فحسب، بل نوفر لهم الإقامة والإعاشة الكريمة كذلك».
أما ليلى فتقر بأن عائلتها في سوريا ليس لديهم غاز أو كهرباء والقليل من الطعام الذي يكفي بالكاد للبقاء على قيد الحياة لطفلها البالغ من العمر عامين ونصف العام، وابنتها التي لم تبلغ نصف عامها الأول. وهي الآن تشغل نفسها بالتفكير في المستقبل، حول إدخال أطفالها في الحضانة، ثم التعليم الجيد، والوظائف المجزية في نهاية المطاف. وتضيف: «ليس هناك مكان أفضل من الوطن، ولكن ألمانيا أكثر أمنا بالنسبة لنا الآن. نريد لأطفالنا أن يعيشوا حياة طبيعية، وأن يتمتعوا بطفولتهم مثل أطفال أي شخص آخر».



السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
TT

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

أعلن خفر السواحل السويدي أنه صعد على متن ناقلة النفط «جين هوي» واحتجزها يوم الأحد للاشتباه في رفعها علماً مزيفاً أثناء عبورها المياه السويدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضح خفر السواحل في بيان له، أن السفينة كانت تبحر في بحر البلطيق رافعة العلم السوري. كما تُثار مخاوف بشأن صلاحية السفينة للإبحار.

وكتب وزير الدفاع المدني السويدي، كارل أوسكار بولين، على منصة «إكس» أن «جين هوي» مدرجة حالياً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا.

وأفاد المدعون العامون السويديون يوم الاثنين أنه تم القبض على قبطان السفينة، وهو مواطن صيني، للاشتباه في استخدامه وثيقة مزورة وارتكابه جرائم أخرى.

وهذه هي خامس عملية احتجاز سفينة يقوم بها خفر السواحل السويدي في الأسابيع الأخيرة.

قال دانيال ستينلينغ، نائب رئيس العمليات في خفر السواحل: «لا تزال السفن التي يُشتبه في وجود خلل في صلاحيتها للإبحار تبحر في المياه السويدية. هذا أمر غير مقبول. لقد تدخلنا سابقاً، وها نحن نتدخل مجدداً».

ولم ترد السفارة الروسية في السويد على طلب للتعليق يوم الأربعاء.

وكانت السويد قد أعلنت العام الماضي أنها ستكثف عمليات فحص التأمين على السفن الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على السفن الروسية المشتبه في نقلها النفط والغاز أو الحبوب الأوكرانية المسروقة.


«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
TT

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر الكثير من وصول المستشار الألماني فريدريتش ميرتس إلى منصب المستشارية في برلين يوم 6 مايو (أيار) من العام الماضي لإعادة إطلاق العربة الفرنسية - الألمانية التي تُعدّ، منذ عقود عدة، بمثابة القاطرة الأوروبية التي من دونها سيراوح الاتحاد الأوروبي مكانه. وجاء حجم الآمال المعلقة على ميرتس مساوياً لحجم الخيبة الفرنسية من سلفه المستشار الاشتراكي أولاف شولتس الذي كان يشبه بـ«مكعب الجليد».

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

وطيلة ثلاث سنوات من حكمه، لم ينجح ماكرون في نسج علاقة خاصة مع شخصية منطوية وكتومة. وأمل الرئيس الفرنسي أن يكون ميرتس، القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي، أكثر تجاوباً من سلفه لجهة التجاوب مع رغبة باريس في تعزيز العلاقات الفرنسية - الألمانية من أجل حراك دبلوماسي متسق والسير بالمشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، ومنها تصنيع الطائرة القتالية المشتركة من الجيل السادس ودبابة المستقبل.

كذلك، كان ماكرون يمنّي النفس بالعثور على شريك ألماني يرافقه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا التي يدعو إليها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017 بما تعنيه من تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي. وأخيراً، كان ماكرون يراهن على خبرته في مجال السياسة الدولية بعد السنوات الثماني التي أمضاها في القصر الرئاسي لإقناع المستشار الجديد بخططه حيث إن الأخير لم يسبق له مطلقاً أن شغل منصباً وزارياً أو حكومياً آخر.

خيبة فرنسية من أداء ميرتس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال الاستقبال الرسمي 5 مايو بمناسبة زيارة ماكرون لأرمينيا (رويترز)

بعد مرور عام كامل، لا تبدو محصلة التعاون بين المسؤولين بمستوى الآمال التي كانت معقودة عليه رغم وعود البداية. فالمستشار ميرتس قال، بمناسبة زيارته الأولى لفرنسا، في اليوم التالي لتسلمه السلطة ما حرفيته: «لن نستطيع مواجهة التحديات (المفروضة علينا) إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً».

ويفهم مما سبق أن الطرفين يعيان أهمية قيام علاقات ثقة وتعاون بينهما لمصلحتهما ومصلحة أوروبا. ومن جانبه، استغل ماكرون كل مناسبة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين. ففي زيارة له لبرلين، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس، يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «واجبنا أن ننجح معاً» في مهمتنا وأن «مصلحتنا المشتركة تكمن في تحقيق ما نصبو إليه من مشاريع؛ لأن ذلك يعد معيار مصداقيتنا».

قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عقب اختتام قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق له أن أكد، بمناسبة الاجتماع الوزاري المشترك الفرنسي - الألماني في قصر الإليزيه، أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. وفي أوقات سابقة، نجحت قيادة الثنائي الفرنسي - الألماني في إقامة علاقات شخصية وسياسة استثنائية كالتي قامت بين الجنرال شارل ديغول والمستشار كونراد أديناور، وبين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، وأيضاً بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول.

جانب من جلسات قمة «المجموعة الأوروبية السياسية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

لم يبق لماكرون سوى عام واحد يمضيه في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن ميرتس أمضى عامه الأول في قصر المستشارية. وما يجمع بين المغادر والوافد أن كليهما يعاني تراجع شعبيته، كل في بلده. ففي فرنسا، اظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» لشهر أبريل (نيسان) أن 25 في المائة من العينة المستطلعة أجابوا بـ«نعم» على السؤال التالي: «هل ترى أن إيمانويل ماكرون رئيس جيد؟». أما بالنسبة لميرتس، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 10 في المائة فقط من العيّنة المستطلعة ترى أن حكومته «تؤدي عملها بشكل جيد» في حين 69 في المائة ترى أن أداءها «سيئ أو سيئ جداً».

وما يجمع الاثنين فشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف: «التجمع الوطني» في فرنسا وحزب «البديل» في ألمانيا. ومرة أخرى تبين استطلاعات الرأي أن مرشح أو مرشحة «التجمع الوطني» (جوردان بارديلا ومارين لوبن) يتمتعان بحظوظ جدية بالفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. أما في ألمانيا، فإن حزب «البديل» في طريقه لأن يتحول للحزب الأكثر شعبية في البلاد، متقدماً على حزب المحافظين أي الديموقراطي المسيحي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء أرمينيا عقب محادثاتهما في يريفان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الملفات الخلافية بين باريس وبرلين

خلال العام الماضي، تواجه ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين: الأول، قرض الـ90 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً. الأول مارس ضغوطاً قوية على بلجيكا لاستخدام الأموال الروسية المودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل والبالغة 125 مليار دولار. والآخر لم يبدِ حماسة للسير في خطة كان من شأنها أن تنسف الثقة بالسوق المالية الأوروبية أو أن تهدد الأموال الروسية المودعة في البنوك الفرنسية. وكانت النتيجة أن جهود ميرتس فشلت واضطر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على استدانة الـ90 مليار يورو من الأسواق المالية بكفالة المفوضية الأوروبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وتواجه الاثنان لاحقاً بشأن التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور» (البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، باراغواي وأورغواي) التي وُقّعت في الأول من العام الحالي ودخلت حيز التنفيذ في بداية مايو. وسبب الخلاف بين المسؤولين أن كلاً منهما تمسك بالدفاع عن مصالح بلاده: ماكرون عارضه سعياً منه لحماية المزارعين الفرنسيين من منافسة «غير متكافئة» بينما ميرتس دفع باتجاه إبرامه سعياً منه لتغليب مصالح صناعة السيارات الألمانية. أما المفوضية الأوروبية، فقد عدَّته، بلسان رئيستها الألمانية أورسولا فون دير لاين «رافعة اقتصادية وجيوسياسية» في حين العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز مرحلة من المطبات الهوائية الخطيرة.

دول قمة قبرص (أ.ف.ب)

لا يتوقف افتراق الآراء عند هذين الملفين. ذلك أن برلين تأخذ على فرنسا سياستها الاقتصادية المتساهلة في مسألة مديونية الدولة التي تتخطى بأشواط المسموح به على المستوى الأوروبي. وتبين الأرقام الرسمية أن ديون فرنسا بلغت نهاية العام الماضي 3500 مليار يورو؛ ما يشكل 116 في المائة من الناتج المحلي العام. وهذه النسبة من بين الأسوأ في أوروبا بينما نسبة المديونية الألمانية تتراوح ما بين 60 و65 في المائة من الناتج المحلي الألماني. وترى برلين أن ضعف الاقتصاد الفرنسي يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي وموقعه على الصعيد العالمي، فضلاً عن انعكاسه على قيمة العملة الأوروبية.

طائرة القتال المستقبلية

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة مطلية بألوان العَلم الفرنسي بمناسبة معرض الطيران في قاعدة نانسي - أوشي 4 مايو (أ.ف.ب)

بيد أن الخلاف الجدي والملموس بين البلدين يدور حول مشروع تصنيع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس الذي أطلق في عام 2017، وحتى اليوم ما زال يراوح مكانه. وباختصار شديد، ثمة خلافات تتناول تحديد الحاجات العسكرية (المهمات المطلوبة من الطائرة) والصناعية (توزيع العمل بين شركة «داسو للطيران» التي تصنع طائرة «رافال» والتي تريد أن تكون رائدة المشروع وشركة «إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية» التي تتمسك بها ألمانيا والتي تتشارك فيها مع فرنسا وإسبانيا).

كذلك، ثمة خلافات على كيفية إدارة المشروع. كذلك، تختلف مقاربة البلدين حول بناء دبابة المستقبل، والخلاف قائم حول دور الذي تريده شركة «رينميتال» الألمانية التي تصنع دبابة «ليوبارد» المعروفة وشركة «نيكستر» الفرنسية التي تنتج دبابة «لوكلير». وكانت المقاربة الفرنسية تقوم على إبراز دور «داسو» في القطاع الجوي مقابل تفضيل «رينميتال» أرضياً. وما زالت المساومات قائمة؛ ما سيعني تأخر الإنتاج العسكري الموعود والمشترك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه الرئاسي في باريس 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كثيرة الملفات الخلافية بين الطرفين، ومنها ما يرتبط بالعلاقة مع الحلف الأطلسي. فألمانيا تُعدّ، بسبب الإرث التاريخي، أكثر التصاقاً به بينما باريس تسعى للحفاظ على نوع من الاستقلالية داخله وهي تدفع الأوروبيين باتجاه تعزيز دفاعهم المشترك. إلا أن التباعد المستجد بين ميرتس والرئيس ترمب يدفع باتجاه التقارب بين باريس وبرلين بشأن «الأطلسي». وتجدر الإشارة إلى انطلاق حوار بينهما، بعيداً عن الأضواء، بشأن إفادة ألمانيا من المظلة النووية الفرنسية في إطار «البعد الأوروبي للمصالح القومية الفرنسية». لكن باريس لم تستسغ سابقاً قرار برلين إطلاق «مبادرة الدرع الأوروبي»، الذي انضمت إليه ما بين 2022 و2024 ما لا يقل عن 20 دولة أوروبية في حين فرنسا وإيطاليا وبولندا بقيت خارجه.

زعيم اليسار الراديكالي في فرنسا جان - لوك ميلانشون (أ.ب)

وما أغاظ باريس أن برلين قررت التوجه إلى الصناعات الجوية الأميركية والإسرائيلية بدل اللجوء إلى الصناعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص. وفي مجال التباعد، تمكن الإشارة إلى تضارب الرؤى بين العاصمتين بالنسبة لمستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية في حين تريد برلين تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. كذلك، تنظر باريس بنوع من الشك إلى نزوع ميرتس نحو تعزيز التعاون مع روما على حساب باريس؛ ما من شأنه إضعاف القاطرة الثنائية. إلا أن ما سبق، لا يعني الطلاق بين البلدين المتفقين بشأن الحرب في أوكرانيا والتمسك بدعم كييف والعلاقة مع روسيا وتعزيز البناء الأوروبي وتعظيم حضوره في العالم.


فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعت فرنسا الولايات المتحدة وإيران إلى «معالجة مسألة هرمز بشكل منفصل» عن باقي ملفات النزاع، مشددةً على أنها ذات «اهتمام مشترك»، وعرضت «مطالبها» من أجل تنفيذ مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في الممر المائي الحيوي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «يمكننا أن نعرض على إيران العبور مجدداً من مضيق هرمز، يمكننا السماح بمرور ناقلاتها من مضيق هرمز بشرط، وهو أن تقبل إيران بالانخراط في المفاوضات التي يدعوها الأميركيون إليها حول المسائل الجوهرية».

وأضافت: «ما نقوله للأميركيين هو أن عليهم فك الحصار عن (هرمز) واغتنام استعداد إيران للتفاوض حول القضايا الجوهرية».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قد تنتهي ويعاد فتح مضيق ‌هرمز ‌إذا ​التزمت ‌طهران ⁠بما ​تم الاتفاق ⁠عليه، مهدداً: «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من ​قبل».

وأكدت باكستان، الأربعاء، وجود «زخم» قد يُفضي إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في وقت نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، غداة إعلان الرئيس دونالد ترمب تعليق عملية عسكرية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وحديثه عن «إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي» مع طهران.

وأفاد موقع «أكسيوس» ومصدر باكستاني بأن الولايات المتحدة وإيران «تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب». ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم وموافقة أميركا على رفع عقوباتها والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين القيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز.