التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

الإرادة السياسية شرط ضروري ودور المدرسة محوري

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية
TT

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

التربية المستنيرة في مجتمع الوسائط: تأملات كانطية

كيف يمكن للتربية أن تكون أساسا مؤسسا لمجتمع يسوده التنوير والحداثة؟ ما أرومه من مقالي هو إعادة التفكير في وظيفة المدرسة بوصفها مؤسسة للتربية في مجتمع تتعدد فيه الوسائط التي تشارك، أو لنقل تنافس المدرسة بشكل رسمي أو غير رسمي هذا الدور الذي وجدت له، وهو التربية والتأهيل لأفراد المجتمع حتى يكونوا قادرين على الاندماج مستقبلا في المجتمع الذي يعيشون فيه، والتفكير في نفس الوقت في قضايا هذا المجتمع وراهنه من منظورات يكون أساسها ومنطلقها «الذات الفاعلة»، وهي ذات متحررة من كل الإكراهات الخارجية، سواء كانت تأثيرات إيديولوجية لوسائل الإعلام، أو لقوى سياسية أو دينية، وهكذا تكون الذات الفاعلة غايتها التفكير من خارج منطق الوصاية انطلاقا من ماضيها المدرسي والتكويني والثقافي الذي اكتسبته، والذي تعمل على إعادة تمثله ليس من أجل إعادة إنتاجه، بل من خلاله تعمل على بناء المشترك بعيدا عن كل غاية خاصة.
بطرحنا لهذا الإشكال الذي غايته التساؤل حول وظيفة المدرسة، نكون مجبرين منهجيا على إثارة المضامين التي يجب أن تنفرد بها المدرسة عن غيرها من الوسائط التي تكون في الغالب ذات أهداف آيديولوجية خاصة، بالمقارنة مع المدرسة التي لا ننفي عليها هذا البعد الآيديولوجي، إلا أن هذه الآيديولوجية تكون في الغالب «عمومية» ومتعاقدا عليها بناء على ميثاق تربوي وسياسي، يتفق عليه جميع أفراد المجتمع، عن طريق المؤسسات أو الفاعلين الذين يمثلونهم، وهنا أوظف اصطلاح «العمومية» بالمنظور الكانطي، وأقصد به القدرة على استخدام العقل استخداما خاصا، بحيث تكون كمواطن حينما تكون داخل المدرسة أو الإدارة أو مخفر للشرطة ملزما بالخضوع للقوانين واحترامها، لكن يجب أن يتيح لك القانون الحرية التامة لكي تعبر عن وجهات نظرك من كل المؤسسات أو الخدمات التي لا تبدو لك جيدة في الفضاء العمومي الذي يتكون من الصالونات الثقافية ووسائل الإعلام السمعية والمكتوبة. وهكذا، عوض اللجوء إلى الفوضى والعنف، تكون الذات الفاعلة والحداثية التي يجب أن تعمل مدارسنا على تكوينها وتنميتها محترمة للقانون من جهة حينما تكون داخل كل المؤسسات الرسمية والخاصة، ومعبرة عن موقف نقدي مؤسس وبناء في الفضاءات العمومية الموازية التي تمتص العنف وتتيح لجميع الأفراد التعبير عن مواقفهم استنادا إلى العقل وقدرته التبريرية المبنية على العقل والحجاج.
لا يخفى على أحد اليوم أن المدرسة لم تعد الوسيط الوحيد الذي ينشأ فيه الأفراد أو يطبّعون ويهذبون داخل المجتمع، فإلى جانبها نجد كل من: التلفاز – المذياع - أشرطة الفيديو - البرامج التفاعلية - شبكات التواصل الاجتماعي - المكتبات الرقمية - الرسوم المتحركة...، وحتى إذا ما افترضنا إسهاما لا يمكن معرفة أثره للمدرسة في بناء هذه القيم التي نريد أن يكون المجتمع قائما عليها، فإن الواقع يثبت أنه أحيانا لا تكون هذه القيم التي يتم تهذيب الأطفال وفقها في المدرسة ذات «أثر براغماتي» داخل المجتمع، إذ لا نستطيع التمييز بين تلميذ دخل المدرسة، وبين آخر لم تطأ قدمه فضائها نهائيا، فحينما ننظر لسلوكات المتعلمين وغير المتعلمين داخل الحياة العمومية المشتركة، وفي الحياة العملية بعد سنوات من التعليم، نكتشف أحيانا أن العنف، والوثوقية وعدم الإيمان بالاختلاف ما زالت لم تصبح سلوكا يوميا لديهم، بينما يسيطر منطق القبيلة والأنانية المطلقة والاحتكام إلى العواطف والانفعال في التعبير عن الرأي وهو ما يجعل السؤال مطروحا بحدة: أي قيم؟ وأي مضمون تربوي يتم تربية أبنائنا عليه في المدارس اليوم، وخاصة في عالمنا الممتد من شمال أفريقيا إلى حدود بلاد فارس؟
لا يمكن أن نتسرع في الإجابة عن ذلك، ولكن يمكن أن نطرح تصورا بديلا لأحد المجتمعات التي عاشت نفس مأزقنا في القرن الثامن عشر، وسأعطي مثالا بالمدرسة الألمانية، التي يمكننا أن نلمس أزمة نظامها التربوي الذي كان يعم أوروبا آنذاك في مختلف الأدبيات التربوية والفلسفية التي صيغت في ذاك العصر، ولا شك أن كتاب «إميل» أو في التربية لجان جاك روسو، أو تأملات في التربية لكانط التي أصدرها تلميذه رنكه سنة قبل وفاته، ومنها التمس مفهوم التربية المستنيرة بوصفه بديل ممكن لهذه الهجانة التي نعيشها على مستوى المضامين التربوية في مدرستنا التي يعكسها تضارب «قيم عمومية وقيم خاصة»، والقيم الخاصة هي القيم الماقبل مدرسية وتنبني على العرف والعادة والثقافة الشعبية، وهي غالبا قيم لا يمكنها أن تقدم للفرد ما يمكنه من الانفتاح والقبول بالآخر، لذلك كنا في حاجة إلى المدرسة ليس فقط من أجل نقل مجموعة من الخبرات التقنية للمتعلم كي يستطيع الاندماج بها في سوق المهن، بل من أجل الإشراف على توجيه سلوكاته وتصرفاته وتمثلاته نحو النزوع إلى «الخروج» من العادة والعرف والانفتاح على العالمية والإنسانية دون الانسلاخ من فردانيته وخصوصيتها.
بعودتنا لهذه النصوص التي ألقاها كانط في جامعة كوسنبرج سنة 1776-1787 نجد كانط يصرح في بدايتها بأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته، ويقصد كانط بفعل التربية: الرعاية والتغذية والتعهد والانضباط والتعليم المقترن بالتكوين ومن هذه الزوايا الثلاث يكون الإنسان رضيعا وتلميذا وطالبا، وتنقسم غايات التربية عند كانط إلى:
1 - غايات مادية: يؤهل فيها الطفل جسميا وبدنيا لكي يكون قادرا على الإقبال على الحياة.
2 - غايات معرفية وعقلية: تنصب على صقل الاستعدادات والملكات العقلية للطفل عن طريق التعليم.
التربية ليست خيارا
هكذا مع كانط لم تعد التربية خيارا للآباء أو للمجتمع أو الدولة، وهي ليست نوعا من الصدقة والكرم الذي نجود به على الطفل، بل هي ضرورة وجودية من أجل تفادي حيوانية الأفراد وفي هذا الصدد يتساءل كانط «هل يمكن الحديث عن إنسانية الإنسان لو جرد من التربية»؟ وهو ما يعني أن التربية هي ما يكسب الإنسان إنسانيته، ويظهر ذلك جليا من خلال المقارنات التي يعطيها كانط بين الإنسان والحيوان، فالحيوانات عند ولادتها لا تحتاج للتربية لكي تتعلم ما عليها القيام به، بينما الإنسان يحتاج للتربية وهو ما يؤكده كانط بقوله «الإنسان لا يصير إنسانا إلا بالتربية».
التربية إسهام في التأسيس للمجتمع الإنساني
تكتسي التربية المستنيرة قيمتها وراهنيتها من خلال اعتبارها أساسا متينا لبناء المشروع الأنواري والمجتمع الإنساني الذي دافع عنه كانط في نصه الشهير ما التنوير؟ وفي كتابه تأسيس ميتافزيقا الأخلاق، وفي مقالته حول السلم الدائم. فالتربية المستنيرة ذات وظيفتين أساسيتين: فهي من جهة تعلم الفرد كيف يمكنه أن يمتثل للمجتمع الذي يعيش فيه في لحظة الطفولة، لكنها في نفس الوقت تعلمه وتصقل مواهبه واستعداداته العقلية والوجدانية كي يستطيع التصرف في حريته حينما يصل إلى سن الرشد عن واجب وليس عن طريق الإكراه، مما يجعلنا أمام إنسان لا يخفي النوايا البغيضة بقدر ما يعبر عن جميع تصوراته ومواقفه لأنه يعي تمام الوعي أنه حر ومسؤول عن شخصه الذي يحمل عبء الإنسانية جمعاء ويطمح لسعادتها.
البيداغوجية كوسيط تأسيسي للتربية المستنيرة
لكي يتحقق هذا الهدف، يطالب كانط بتأسيس علم للتربية (البيداغوجية)، وتعني البيداغوجيا: مختلف الطرائق والآليات والوسائط التي نعتمدها في نقل معارف ومعلومات وتصورات من المستوى العالم إلى المستوى القابل للتعلم، مع مراعاة الخصوصيات السيكولوجية والنفسية والعمرية للمتعلمين، وهكذا تكون البيداغوجية قائمة على النظر والتفكير في تطوير الاستعدادات الإنسانية وتوجيهها لترتقي بها نحو وضع أفضل مما هي عليه، لهذه الغاية على البيداغوجية أن تتخذ بعدا كونيا وعالميا وهو ما لا يمكن أن يتأتى حسب كانط إلا عن طريق «العمل على توريث الأجيال القادمة تعليمات تستطيع تحقيقها بالتدريج بغية الوصول نحو الكمال الإنساني».
إذن كيف يمكن أن نجمع بين الحرية والإكراه في التربية؟ وكيف يمكن أن تكون التربية المستنيرة ما يميز المدرسة اليوم في ظل تعدد الوسائط التي تنافس المدرسة في هذه الوظيفة؟ أجيب بأنه يمكن ذلك عن طريق فهمنا لبنية كل من: الوسائط والمدرسة فـ:
1 - الوسائط: غايتها آيديولوجية وتخدم المصالح الخاصة، وذلك واضح من خلال الوسيط الإعلامي الذي يخدم في العمق الدعاية السياسية أو الشركات الكبرى الراعية للإشهارات أو خدمة الاقتصاد والاستهلاك.
2 - المدرسة: مؤسسة عمومية تعمل على نشر القيم العمومية والمدنية ويمكن أن تسمح للطفل بأن يقول كل شيء، وهي ليست حكرا على جهة معينة، بل غايتها إعداد الفرد لكي يخرج من وضع القصور الطبيعي والثقافي الذي يفرض عليه أحيانا من طرف الأجهزة الآيديولوجية المنتشرة اليوم، وتكمن قيمة المدرسة في كونها وسيطا آيديولوجيا، لكنه خاضع ويجب أن يكون خاضعا ومنفذا للتعاقد السياسي الذي اتفقت عليه كل الإرادات الفردية والجماعية داخل الدولة، وهكذا نعتبر أن المدرسة يمكنها أن تكون الوسيط الأكثر قدرة على الإسهام في التربية المستنيرة، إذ من داخلها يكون متاحا للمتعلم والطفل والتلميذ، بأن يفكر في كل القضايا سواء السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية أو الثقافية من منظور مختلف بواسطة موجه وهو البيداغوجي الذي يقود المتعلم نحو استخدام عقله الخاص في التفكير.
الإرادة السياسية شرط ضروري للتربية المستنيرة والمجتمع الإنساني:
إن تكون لدينا وعي تاريخي وحصّلنا بعض الدروس من التاريخ فيمكن أن نصل في نهاية المطاف في عالمنا إلى ما قاله كانط في نصه الشهير «تأملات في التربية»: «لا يستطيع الإنسان أن يصير إنسانا إلا بالتربية. فهو ليس سوى ما تصنعه به التربية. ولا بد بالتأكيد من ملاحظة أن الإنسان لا يربّى إلا من قبل أناس، ومن قبل أناس ربوا هم أيضا. لذا، فإن عدم الانضباط والتعليم الذي يلاحظ عند بعض الناس يجعل منهم مربين سيئين لتلاميذهم، فلو تعهد كائن من طبيعة فائقة بتربيتنا لرأينا إذ ذاك ما يمكن أن يصنع بالإنسان. ولكن بما أن التربية من جهة لا تعلّم البشر إلا أشياء معينة، ومن جهة أخرى لا تفعل سوى أنها تنمي لديهم صفات معينة، فمن المستحيل أن نعرف إلى أين تمضي استعدادات الإنسان الطبيعية. ولو أن تجربة معينة أجريت - في هذا الشأن - بدعم من أولي الأمر وتضافر قوى الكثير من الناس، لمكنّنا ذلك من معارف كثيرة نتبيّن من خلالها إلى أين يمكن للإنسان أن يتقدم، وإنه لشيء محزن بالنسبة إلى شخص يحب الإنسانية، وجدير بالملاحظة على حد سواء بالنسبة إلى ذهن تأملي، أن يرى أغلبية أولي الأمر لا يفكرون أبدا إلا في أنفسهم، ولا يشاركون أبدا في التجربة الخطيرة للتربية حتى تخطو الطبيعة خطوة أكثر نحو الكمال»، مما يؤكد أن مجتمعا إنسانيا تؤسسه التربية المستنيرة وتساهم فيه المدرسة يظل شرطه الأساسي هو الإرادة السياسية الحقيقية.



مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

حمل العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/تموز 2026)، عدداً من الملفات الثقافية، ويقدم العدد بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرز ملفات العدد، ملف «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر أربعة مقالات تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف، أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة تحرير مجلة «الإيسيسكو» الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهي «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

فمنذ أن تولى المالك قيادة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عام 2019، دخلت المنظمة طوراً جديداً من الحضور والتأثير؛ اتسعت فيه دوائر الشراكات، وتعددت المبادرات، وتعزز حضورها الدولي؛ حتى غدت نموذجاً لمنظمة تنبض بالحركة وتستشرف المستقبل بثقة وطموح.

كما حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026؛ احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها في افتتاحية العدد، تزفّ رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، بشرى صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد بثلاث لغات (العربية، والفرنسية، والإنجليزية) لتوسيع رسالتها الحضارية عالمياً.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية.. بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام للرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية، ويناقش الكاتب واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والأخرى ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

قدّم المقال قراءة تحليلية مقارنة لواقع اللغة العربية اليوم على الساحتين الدولية والمحلية.

ويرى الكاتب أن واقع العربية دولياً يمر بمرحلة نمو واعتراف واعدين؛ فهي لغة رسمية معتمدة في الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، وتتبوأ المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الانتشار. كما يشير إلى تزايد حضورها التعليمي في المدارس والمعاهد الغربية والأميركية والآسيوية كلغة ثانية أو ثالثة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص من غير الناطقين بها كعنصر تواصل وإدارة.

لكن، وفي مقابل هذا «الواقع المغني» والاعتراف الخارجي المتصاعد، يطرح الكاتب تساؤلاً نقدياً مؤرقاً حول مدى مواءمة هذا التقدير العالمي مع الوضع الاعتباري الداخلي للعربية في دولها الأصلية، محذراً من وطأة التغريب وتراجع تمكين اللغة معرفياً وإدارياً في أوطانها.

تعريب التعليم الطبي

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها أن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

يستعرض المقال الجذور التاريخية لازدهار الطب العربي إبان الحضارة الإسلامية حين كانت مؤلفات ابن سينا والرازي مراجع رئيسية لأوروبا. ثم يحلل التحديات المعاصرة المتمثلة في الإرث الاستعماري، وهيمنة الإنجليزية في النشر، مستشهداً بتجارب دولية ناجحة تدرس الطب بلغتها الوطنية (اليابان، ألمانيا، فرنسا، الصين، وإسبانيا)، وتجربة سوريا الرائدة منذ عام 1919.

ويرى الكاتب أن اللغة تؤدي دوراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء. وعندما يتلقى المتعلم معارفه بلغته الأم، يصبح أكثر قدرة على الفهم والتفكير والإبداع.

وفي تحليل مقارن، يتساءل الكاتب: هل اللغة عائق أم أداة؟ ويوضح أن المقارنة بين الدول تشير إلى أن الدول المستقلة علمياً وسيادياً تُدرِّس بلغاتها الوطنية، في حين الدول التي خضعت للاستعمار تميل لاستخدام لغات أجنبية. ويرى أن هذا يدعم فكرة أن اللغة ليست عائقاً بل أداة، وأن اختيار لغة التعليم يعكس توجهاً حضارياً وثقافياً.

تعريب العلوم

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، أستاذة مساعدة بجامعة الخرطوم كلية الآداب قسم اللغة العربية.

وفي هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس. وتوضح الكاتبة أن الطفل الذي يُجبَر على دراسة العلوم بلغة أجنبية يخوض معركتين متزامنتين: معركة فهم المفاهيم العلمية، ومعركة فك رموز اللغة الجديدة؛ ما يؤدي إلى تراجع جودة الفهم بنسبة تصل إلى 60 في المائة مقارنة بالمتعلم بلغته الأم.

وتستند الكاتبة إلى دراسات حديثة لـ«يونيسكو» (2026) تؤكد أن التدريس بلغة المنزل يزيد من فرص الفهم والاستيعاب بنسب تتراوح بين 40 في المائة و160 في المائة في بعض الدول. كما تفنّد حجة صعوبة المصطلحات العلمية، موضحة أن المصطلحات لا تشكل سوى 4 في المائة من أي كتاب تخصصي. وتُذّكر بمآثر علماء المسلمين بصفتهم مؤسسين لهذه العلوم (كالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس) والذين تلقوا علومهم بلغة مجتمعهم، محذرة من أن إجبار الأطفال على لغات أجنبية في مراحلهم المبكرة يحدِث قطيعة معرفية واجتماعية داخل الأسرة العربية.

الدبلوماسية اللغوية

وضمن الملف، كتب الدكتور يوسف إسماعيلي، (خبير بمركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها في المغرب)، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

ويقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفتها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية؛ إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.

ويشرح الكاتب مفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفته مجموعة السياسات والمبادرات التي توظف تعليم اللغة ونشرها ضمن الاستراتيجية الثقافية للدول والمؤسسات الدولية. وتمتاز هذه الدبلوماسية بأنها تعمل بهدوء وعلى المدى الطويل، مستهدفة الإنسان قبل الدولة، وبانيةً علاقات تقوم على الفهم المتبادل أكثر من المصالح الآنية.

ويستعرض المقال نماذج تاريخية تؤكد أن أثر اللغة قد يتجاوز أثر القوة العسكرية. ويستشهد بالتجربة الأندلسية، حيث أصبحت العربية لغة الإدارة والطب والفلسفة والعلوم، وتعلمها المسلمون وغير المسلمين؛ لأنها كانت لغة المعرفة والارتقاء الاجتماعي. وحتى بعد زوال الحكم الإسلامي، بقي أثر العربية في الجامعات الأوروبية والمصطلحات العلمية التي انتقلت إلى اللغات الحديثة.

ثم ينتقل الكاتب إلى واقع العربية اليوم، ويبيّن أنها من أكثر لغات العالم انتشاراً، وتحظى بمكانة رسمية في المنظمات الدولية، كما يتزايد الإقبال على تعلمها في الجامعات الغربية، والمعاهد الدبلوماسية، ومراكز الدراسات، وقطاعات الاقتصاد، والطاقة، والإعلام.

ومع ذلك، يرى المقال أن العربية لا تزال تواجه تحديات تتمثل في اختزالها في بُعدها الديني، وربطها بالصراعات السياسية، وتقديمها بوصفها لغة صعبة، إضافة إلى غياب خطاب عالمي موحد يبرز قيمتها الحضارية والمعرفية.

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل العربية عالمياً لا يعتمد على انتشارها العددي، بل على تطوير رؤية ثقافية حديثة لتعليمها، تجعلها أداةً للحوار والتواصل والمعرفة، وتقدمها بصفتها لغة حية قادرة على الإسهام في العالم المعاصر.

قازان: جوهرة تتارستان

وضمن ملفات العدد الجديد، يأتي الاستطلاع عن «قازان» بعنوان: «قازان.. جوهرة تتارستان وعاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2026»، للكاتب العماني الدكتور سالم بن هلال الحبسي، (مدير الأمانة العامة للجان الوطنية والمؤتمرات في الإيسيسكو).

ويحتفي المقال بمدينة قازان التاريخية عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، والتي اختيرت لتكون عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026. ويبرز الكاتب الموقع الاستراتيجي والجغرافي للمدينة على ضفاف نهر الفولغا. ويركز على القيمة الحضارية الكبرى لقازان بوصفها نموذجاً تاريخياً وواقعياً فريداً للتعايش الخلاق، والتفاعل الثقافي الحيوي بين ثقافة الشرق الإسلامية وتراث الغرب الروسي، حيث تلتقي فيها أصالة المعالم التراثية بروح العصر، لتغدو منارة حقيقية للتنوع الثقافي والتسامح الديني والاجتماعي.

يستعرض الكاتب التاريخ الممتد لقازان منذ أكثر من ألف عام، ودورها في انتشار الإسلام في منطقة الفولغا بعد اعتناق بلغار الفولغا الإسلام عام 922م، وهو الحدث الذي يمثل البداية التاريخية للإسلام في الأراضي الواقعة ضمن روسيا الحالية. كما يوضح كيف حافظت المدينة على هويتها الإسلامية رغم التحولات السياسية التي مرت بها، لتصبح لاحقاً مركزاً للإصلاح الفكري والثقافي للمسلمين في روسيا.

ويؤكد المقال أن تجربة قازان تثبت إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والانفتاح الحضاري، وأن المدن تستطيع أن تصبح أدوات للتقارب بين الشعوب عندما تستثمر تاريخها الثقافي بصورة إيجابية.

إسهامات عربية في الكيمياء

من المقالات المهمة في هذا العدد، مقال: «إسهامات العلماء العرب والمسلمين في إرساء أسس الكيمياء الحديثة»، للدكتور عبد الوهاب السعدون، الأمين العام السابق للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات (السعودية).

يعيد هذا المقال قراءة تاريخ علم الكيمياء من منظور علمي، مبيناً أن مساهمة العلماء العرب والمسلمين لم تقتصر على نقل المعارف القديمة، بل تمثلت في تحويل الكيمياء من ممارسات يغلب عليها الطابع الفلسفي والخيميائي إلى علم تجريبي قائم على الملاحظة والقياس والتجربة.

يبدأ الكاتب باستعراض الظروف التي مهدت لازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية، مع اتساع الدولة الإسلامية ونشاط حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي، حيث جرى استيعاب التراث اليوناني والفارسي والهندي، ثم تطويره وإضافة إسهامات أصلية إليه.

ويبرز المقال الدور المحوري لجابر بن حيان الذي يعدّه كثير من المؤرخين المؤسس الحقيقي لعلم الكيمياء الحديثة؛ لما أدخله من منهج تجريبي صارم، واعتماده المختبر والتجربة أساساً للبحث العلمي، إضافة إلى تطوير عمليات التقطير والتنقية والترشيح والأكسدة، وتحضير عدد من الأحماض والمركبات الكيميائية.

كما يتناول إسهامات الرازي، الذي ربط الكيمياء بالطب، وأسهم في تطوير المعرفة بالمواد الكيميائية واستخداماتها العلاجية، إلى جانب الكندي وغيره من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للمنهج العلمي الذي تبنّته أوروبا لاحقاً.

ويشير الكاتب إلى أن الكتب العربية في الكيمياء تُرجمت إلى اللاتينية، وظلت مراجع رئيسية في الجامعات الأوروبية لقرون، وأن كثيراً من المصطلحات والممارسات المخبرية الحديثة تعود جذورها إلى أعمال العلماء المسلمين.

المعرفة والتحولات الاجتماعية

وكتبت الدكتورة شادن دياب، «خبيرة دولية في علم المناخ والبيئة – فرنسا»، مقالاً بعنوان: «نظرية المعرفة والتحولات الاجتماعية والبيئية في العالم العربي».

ويطرح هذا المقال سؤالاً فلسفياً معاصراً حول العلاقة بين المعرفة والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التغير المناخي والأزمات البيئية والتكنولوجية. وترى الكاتبة أن هذه التحديات لا تفرض حلولاً تقنية فحسب، بل تستدعي إعادة التفكير في مفهوم المعرفة نفسه.

تنطلق الدراسة من أفكار الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي ربط المعرفة بالتجربة الإنسانية والوجود العملي، ثم تقارنها برؤية ابن خلدون التي تجعل المعرفة نتاجاً للتعلم والخبرة والممارسة الاجتماعية، لتؤكد أن المعرفة ليست معطى ثابتاً، وإنما عملية متجددة تتشكل داخل السياق التاريخي والاجتماعي.

وتنتقل الكاتبة إلى مناقشة التغير المناخي بوصفه أزمة معرفية بقدر ما هو أزمة بيئية؛ لأن مواجهة آثاره تتطلب تطوير أنماط جديدة من التفكير، وإعادة بناء السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية على أسس أكثر استدامة.

وتخلص الدراسة إلى أن المجتمعات العربية تحتاج إلى بناء منظومة معرفية قادرة على التفاعل مع هذه التحولات، تجمع بين التراث الفكري والعلوم الحديثة، وتربط البحث العلمي بصنع القرار، حتى تصبح المعرفة أداة لإدارة المستقبل لا مجرد وسيلة لفهم الماضي.

عارف الساعدي: الشعر مفتاحي للعالم

وضمن باقة من المواد الأدبية، تنوعت بين الشعر والنثر، جاء الحوار مع الشاعر العراقي الدكتور عارف الساعدي، بعنوان: «الشعر مفتاحي للعالم!»، وأجراه الناقد المغربي الدكتور نصر الدين شردال.

يتحدث الحوار عن الساعدي الشاعر الذي «ظل وفياً لخصائص القصيدة العربية الأصيلة في جزالة لغتها، وإحكام إيقاعاتها وبراعة صورها، وحداثة رؤيتها، وتخلق أنساقها، وتعدد دلالاتها وتناسل تأويلاتها، واستمر في بلورة هذه الإمكانيات الجمالية في أعماله الشعرية».

وفي هذا الحوار قال الساعدي عن الشعر إنه «ذلك الكائن الغامض الذي يتسلل إلى أرواحنا، فنغوص فيه دون أن نعرف متى وإلى أین ننتهي، لكنه يبقى أشبه بالحلم الذي حلمناه. ولم نصح منه».

وقال إن أول التماساته مع الشعر «هي حكايات جدتي لأمي وأنا ابن السنة العاشرة: حين كانت تغوص بنا ما بين الأساطير والجنّي والطنطل، مجموعة خرافات أشبه بأفلام الكرتون، ولكنها حكايات مخصبة لبذرة الشعرية، منذ تلك اللحظات وأنا بلا وعي أخزن هذه الحكايا لتخرج فيما بعد كلمات موزونة بلا معنى».


الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم


شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.