ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية

غير قابلة للمقارنة مع بساكي التي لا تخوض في التفاصيل

ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية
TT

ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية

ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية

أثار إعلان وزارة الخارجية الروسية عن تعيين ماريا زاخاروفا ناطقا رسميا ومديرا لإدارة الصحافة والإعلام التابعة للوزارة خلفا لالكسندر لوكاشيفيتش المدير السابق الذي تقرر نقله ممثلا لروسيا في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي الكثير من التعليقات بوصفها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ الدبلوماسية السوفياتية والروسية، فضلا عما تردد بشأن مقارنتها مع نظيرتها السابقة جين بساكي في وزارة الخارجية الأميركية.
وكانت ماريا زاخاروفا التحقت بالعمل في وزارة الخارجية الروسية في عام 1998 بعد تخرجها في قسم الصحافة الدولية بمعهد العلاقات الدولية، وبعد دراسة متعمقة للغتين الإنجليزية والصينية، عززتها لاحقا بالحصول على درجة الدكتوراه في التاريخ، وهي المولودة لأبوين دبلوماسيين عاشت معهما طويلا خلال خدمتهما هناك في البعثة الدبلوماسية السوفياتية ثم الروسية في الصين. وتدرجت زاخاروفا في سلك الدبلوماسية الروسية من خلال عملها في وزارة الخارجية الروسية، وحتى تاريخ انتقالها إلى نيويورك كناطقة رسمية باسم ممثلية بلادها بالأمم المتحدة خلال الفترة ما بين 2005 و2008 تحت رئاسة أحد ألمع وأبرز ممثلي الدبلوماسية الروسية فيتالي تشوركين الممثل الدائم لروسيا في الأمم المتحدة، الذي سبق وشغل منصب الناطق الرسمي باسم الخارجية السوفياتية ثم الروسية في مطلع تسعينات القرن الماضي، بينما شغلت أيضا منصب رئيسة تحرير «النشرة الدبلوماسية الشهرية»، وقامت بأعمال رئيس قسم «رصد وسائل الإعلام»، حتى تاريخ تعيينها في منصب نائب مدير إدارة الصحافة والإعلام في عام 2011. وتعتبر زاخاروفا الثانية في سلسلة الاستعانة بالعنصر النسائي في مثل هذه المجالات بعد ناتاليا تيماكوفا المتحدثة الرسمية باسم الحكومة الروسية والتي سبق وشغلت منصب الناطق الرسمي باسم الكرملين إبان سنوات رئاسة ديمتري ميدفيديف 2008 - 2012 لتعود معه ناطقا رسميا باسم الحكومة في عام 2012.
ومن اللافت أن زاخاروفا سجلت حضورا ملموسا في مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف البرامج الحوارية التلفزيونية من خلال تعليقاتها اللاذعة والحادة والمثيرة، في مواجهة محاوريها ولا سيما إبان اشتعال الأزمة الأوكرانية، استنادا إلى معارف موسوعية ولغة متدفقة. وإذا كان هناك من يحاول اليوم مقارنتها مع جين بساكي نظيرتها السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، فإن ما تملكه زاخاروفا من قدرات ومواهب يجعلها غير قابلة للمقارنة أو المنافسة مع بساكي التي طالما تلعثمت لدى الرد على أسئلة الصحافيين، ولا سيما فيما يتعلق بموضوع الأزمة الأوكرانية، والتي يذكر لها الكثيرون إجابتها التقليدية لتفسير عدم إلمامها بالموضوع «أنا لا اذكر التفاصيل» حتى راجت كنيتها في الأوساط الصحافية الروسية بأنها «المرأة التي لا تذكر التفاصيل».
وإذا كنا أشرنا إلى أن ماريا البالغة من العمر 39 عاما ابنة لأبوين دبلوماسيين عملا في سفارة روسيا لدى الصين، فإن ذلك لا يمكن أن يعني أنها التحقت بوزارة الخارجية عبر «الواسطة» أو «بالوراثة» كما يقال. وكان سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية تطرق إلى موضوع قبول العاملين في وزارة الخارجية الروسية في فبراير (شباط) الماضي خلال لقاء له مع العاملين في الأكاديمية الدبلوماسية الروسية، حين أشار إلى أنه لا يسمح بمثل هذه العلاقات في مثل هذه المؤسسات. وقال لافروف إن الأساس يقتضي معرفة الدبلوماسي المرشح للالتحاق بالخارجية الروسية بلغتين أجنبيتين على أقل تقدير، فضلا عن إلمام شامل بالأوضاع الدولية والواقع الراهن إلى جانب تاريخ العلاقات الدولية، إلى جانب ما يتحلى به من سمات شخصية ومنها سرعة البديهة وفصاحة اللسان. ولعل ذلك ما يؤهل اليوم ماريا زاخاروفا لتقلد مثل هذا المنصب الرفيع.
لكن ماذا تقول ماريا عن تقلدها لهذا المنصب الرفيع؟
قالت ماريا زاخاروفا في أول خروج لها على الهواء مباشرة على شاشة قناة «دوجد» المعارضة بعد الإعلان عن تعيينها رسميا كناطق رسمي باسم الخارجية الروسية: «إنني لم أكن لأستطيع أن أنطق تعبيرا لست على يقين من مفرداته وأبعاده». ولعل ماريا زاخاروفا تستعيد اليوم كل ما خبرته خلال سنوات عملها في الأمم المتحدة إلى جانب فيتالي تشوركين الدبلوماسي المتمرس، الذي طالما كان سندا وعونا لـ«الشرق الأوسط» منذ تعرفنا عليه في نهاية ثمانينات القرن الماضي كأحد مساعدي ومترجمي وزير الخارجية السوفياتية الأسبق إدوارد شيفارنادزه وحتى شغل منصب الناطق الرسمي باسم الخارجية السوفياتية ثم الروسية بعد انهيار الاتحاد السابق في مطلع تسعينات القرن الماضي. وبهذه المناسبة اعترفت ماريا زاخاروفا أيضا بأنها اكتسبت الكثير من عملها في إدارة الصحافة والإعلام تحت رئاسة ألكسندر لوكاشيفيتش الناطق الرسمي السابق لوزارة الخارجية الروسية، والذي انتقل للعمل بموجب مرسوم أصدره الرئيس فلاديمير بوتين ممثلا لبلاده في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي سبق وعمل بها في مطلع القرن الحالي.
وكانت ماريا مسؤولة في إطار عملها نائبة للوكاشيفيتش عن تنظيم المؤتمرات والإيجازات (البريفنج) الصحافية لوزير الخارجية سيرغي لافروف، وكذلك اللقاءات الأسبوعية للمتحدث الرسمي باسم الوزارة، مما أسهم في إضافة الكثير من الخبرات والمعارف الشخصية وهو ما يمكن اعتباره اليوم من أهم الركائز التي يمكن أن يستند إليها كل من يتصدى للتعامل مع الصحافة وممثلي وسائل الإعلام سواء المحلية أو الأجنبية. ولعل ما اتخذته ماريا من خطوات في الأيام الأولى لتوليها هذا المنصب الرفيع، ومنها الظهور على الهواء مباشرة على شاشة قناة «دوجد» (المطر) المعروفة بمواقفها المناوئة للسلطات الرسمية وسياساتها، تقول بجرأة تُحسد عليها، وإن كانت تعكس في الوقت نفسه ثقة هائلة بالنفس، وقدرة على مواجهة المفاجآت. وكانت اعترفت صراحة في حديثها إلى مشاهدي هذه القناة بالكثير من جوانب عملها كناطقة رسمية باسم الخارجية الروسية.
قالت ماريا إن نشاط إدارة الصحافة والإعلام أوسع كثيرا من كل النشاطات المماثلة في المؤسسات المختلفة. فإلى جانب الاتصال مع الصحافة ووسائل الإعلام وممثلي الأوساط الاجتماعية، تقوم الإدارة بتنفيذ بعض المهام المهنية المتخصصة، مثل التعليق على القضايا الدولية والإعلامية، ومنها ما يتعلق بنشاط وعمل مختلف المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والتعاون الأوروبي، ومناقشة وصياغة الوثائق الدولية القانونية التي تنظم عمل الصحافيين وتحافظ على حقوقهم ووضعيتهم خلال عملهم في المناطق الساخنة، إلى جانب الدفاع عن حرية الصحافة في مختلف البلدان.. إلخ.. وأشارت أيضا إلى ما تقوم به إدارة الصحافة والإعلام في إطار اعتماد وخدمة ما يزيد على 1000 من ممثلي الصحافة الأجنبية وعمل المكاتب الصحافية والإعلامية من حيث توفير السبل اللازمة للاضطلاع بمهامهم المهنية في إطار أراضي روسيا الاتحادية.
وأضافت كذلك ما تقوم به إدارة الصحافة والإعلام من نشاط ومساهمات في ذات الإطار خلال إقامة الدورات الأوليمبية والبطولات الرياضية العالمية داخل روسيا الاتحادية. على أن نشاط إدارة الصحافة والإعلام لا يمكن أن يقتصر على المهام الخدمية واللوجيستية فقط، إذ إن المهمة الرئيسية تظل شأنها في السابق وفي كل الأزمنة في إطار إيجاز وجهة النظر الرسمية للدولة ومؤسساتها تجاه كل القضايا الداخلية والخارجية. وفي ذلك تحديدا تبرز قدرات ومواهب المتحدث الرسمي باسم الدولة أو وزاراتها ومؤسساتها وفي صدارتها «الخارجية الروسية». ويكفي أن نشير إلى أن هذا المنصب ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تعاقب عليه تسعة من أبرز الدبلوماسيين ممن ترقى بعضهم إلى منصب نائب وزير الخارجية، شرفنا بالعمل معهم جميعا، ولم يكن بينهم امرأة واحدة، وهو ما يفسر الكثير من الجدل والتعليقات التي انطلقت تعليقا على هذا القرار الفريد النمط، رغم أن أحدا لم يتطرق إلى هذا المسألة يوم اختار الرئيس ديمتري ميدفيديف لدى توليه رئاسة الدولة في عام 2008 ناتاليا تيماكوفا ناطقة رسمية باسم الكرملين. وبهذه المناسبة نشير إلى أن تيماكوفا ولدت في كازاخستان في أبريل (نيسان) 1975.
ورغم صغر سنها نسبيا فقد حققت خلال سنوات معدودات ما لم يحققه غيرها على مدى عقود طويلة حيث استطاعت أن تقفز إلى قطار الصحافة الرسمية الكبرى، ولم تكن قد أنهت بعد دراستها في كلية الفلسفة جامعة موسكو.
بدأت مسيرتها في صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» التي انتقلت منها إلى «كوميرسانت» ومنها إلى وكالة أنباء «إنترفاكس» قبل اختيارها للعمل بالجهاز الصحافي للحكومة الروسية في عام 1999 بعد أن عهد الرئيس الأسبق يلتسين رئاسة الحكومة إلى فلاديمير بوتين. وهناك سرعان ما تدرجت من نائبة رئيس إدارة لم الصحافة إلى رئيسة الجهاز الصحافي، حتى وقع اختيار الرئيس ميدفيديف عليها في عام 2008 لتعيينها متحدثة رسمية باسم الكرملين ولم تكن قد تجاوزت 33 عاما بأكثر من شهرين، فيما عاد واصطحبها معه، ناطقا رسميا باسم الحكومة الروسية بعد تعيينه رئيسا لها في عام 2012.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.