ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية

غير قابلة للمقارنة مع بساكي التي لا تخوض في التفاصيل

ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية
TT

ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية

ماريا زاخاروفا أول امرأة متحدثة رسمية للخارجية الروسية

أثار إعلان وزارة الخارجية الروسية عن تعيين ماريا زاخاروفا ناطقا رسميا ومديرا لإدارة الصحافة والإعلام التابعة للوزارة خلفا لالكسندر لوكاشيفيتش المدير السابق الذي تقرر نقله ممثلا لروسيا في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي الكثير من التعليقات بوصفها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ الدبلوماسية السوفياتية والروسية، فضلا عما تردد بشأن مقارنتها مع نظيرتها السابقة جين بساكي في وزارة الخارجية الأميركية.
وكانت ماريا زاخاروفا التحقت بالعمل في وزارة الخارجية الروسية في عام 1998 بعد تخرجها في قسم الصحافة الدولية بمعهد العلاقات الدولية، وبعد دراسة متعمقة للغتين الإنجليزية والصينية، عززتها لاحقا بالحصول على درجة الدكتوراه في التاريخ، وهي المولودة لأبوين دبلوماسيين عاشت معهما طويلا خلال خدمتهما هناك في البعثة الدبلوماسية السوفياتية ثم الروسية في الصين. وتدرجت زاخاروفا في سلك الدبلوماسية الروسية من خلال عملها في وزارة الخارجية الروسية، وحتى تاريخ انتقالها إلى نيويورك كناطقة رسمية باسم ممثلية بلادها بالأمم المتحدة خلال الفترة ما بين 2005 و2008 تحت رئاسة أحد ألمع وأبرز ممثلي الدبلوماسية الروسية فيتالي تشوركين الممثل الدائم لروسيا في الأمم المتحدة، الذي سبق وشغل منصب الناطق الرسمي باسم الخارجية السوفياتية ثم الروسية في مطلع تسعينات القرن الماضي، بينما شغلت أيضا منصب رئيسة تحرير «النشرة الدبلوماسية الشهرية»، وقامت بأعمال رئيس قسم «رصد وسائل الإعلام»، حتى تاريخ تعيينها في منصب نائب مدير إدارة الصحافة والإعلام في عام 2011. وتعتبر زاخاروفا الثانية في سلسلة الاستعانة بالعنصر النسائي في مثل هذه المجالات بعد ناتاليا تيماكوفا المتحدثة الرسمية باسم الحكومة الروسية والتي سبق وشغلت منصب الناطق الرسمي باسم الكرملين إبان سنوات رئاسة ديمتري ميدفيديف 2008 - 2012 لتعود معه ناطقا رسميا باسم الحكومة في عام 2012.
ومن اللافت أن زاخاروفا سجلت حضورا ملموسا في مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف البرامج الحوارية التلفزيونية من خلال تعليقاتها اللاذعة والحادة والمثيرة، في مواجهة محاوريها ولا سيما إبان اشتعال الأزمة الأوكرانية، استنادا إلى معارف موسوعية ولغة متدفقة. وإذا كان هناك من يحاول اليوم مقارنتها مع جين بساكي نظيرتها السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، فإن ما تملكه زاخاروفا من قدرات ومواهب يجعلها غير قابلة للمقارنة أو المنافسة مع بساكي التي طالما تلعثمت لدى الرد على أسئلة الصحافيين، ولا سيما فيما يتعلق بموضوع الأزمة الأوكرانية، والتي يذكر لها الكثيرون إجابتها التقليدية لتفسير عدم إلمامها بالموضوع «أنا لا اذكر التفاصيل» حتى راجت كنيتها في الأوساط الصحافية الروسية بأنها «المرأة التي لا تذكر التفاصيل».
وإذا كنا أشرنا إلى أن ماريا البالغة من العمر 39 عاما ابنة لأبوين دبلوماسيين عملا في سفارة روسيا لدى الصين، فإن ذلك لا يمكن أن يعني أنها التحقت بوزارة الخارجية عبر «الواسطة» أو «بالوراثة» كما يقال. وكان سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية تطرق إلى موضوع قبول العاملين في وزارة الخارجية الروسية في فبراير (شباط) الماضي خلال لقاء له مع العاملين في الأكاديمية الدبلوماسية الروسية، حين أشار إلى أنه لا يسمح بمثل هذه العلاقات في مثل هذه المؤسسات. وقال لافروف إن الأساس يقتضي معرفة الدبلوماسي المرشح للالتحاق بالخارجية الروسية بلغتين أجنبيتين على أقل تقدير، فضلا عن إلمام شامل بالأوضاع الدولية والواقع الراهن إلى جانب تاريخ العلاقات الدولية، إلى جانب ما يتحلى به من سمات شخصية ومنها سرعة البديهة وفصاحة اللسان. ولعل ذلك ما يؤهل اليوم ماريا زاخاروفا لتقلد مثل هذا المنصب الرفيع.
لكن ماذا تقول ماريا عن تقلدها لهذا المنصب الرفيع؟
قالت ماريا زاخاروفا في أول خروج لها على الهواء مباشرة على شاشة قناة «دوجد» المعارضة بعد الإعلان عن تعيينها رسميا كناطق رسمي باسم الخارجية الروسية: «إنني لم أكن لأستطيع أن أنطق تعبيرا لست على يقين من مفرداته وأبعاده». ولعل ماريا زاخاروفا تستعيد اليوم كل ما خبرته خلال سنوات عملها في الأمم المتحدة إلى جانب فيتالي تشوركين الدبلوماسي المتمرس، الذي طالما كان سندا وعونا لـ«الشرق الأوسط» منذ تعرفنا عليه في نهاية ثمانينات القرن الماضي كأحد مساعدي ومترجمي وزير الخارجية السوفياتية الأسبق إدوارد شيفارنادزه وحتى شغل منصب الناطق الرسمي باسم الخارجية السوفياتية ثم الروسية بعد انهيار الاتحاد السابق في مطلع تسعينات القرن الماضي. وبهذه المناسبة اعترفت ماريا زاخاروفا أيضا بأنها اكتسبت الكثير من عملها في إدارة الصحافة والإعلام تحت رئاسة ألكسندر لوكاشيفيتش الناطق الرسمي السابق لوزارة الخارجية الروسية، والذي انتقل للعمل بموجب مرسوم أصدره الرئيس فلاديمير بوتين ممثلا لبلاده في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي سبق وعمل بها في مطلع القرن الحالي.
وكانت ماريا مسؤولة في إطار عملها نائبة للوكاشيفيتش عن تنظيم المؤتمرات والإيجازات (البريفنج) الصحافية لوزير الخارجية سيرغي لافروف، وكذلك اللقاءات الأسبوعية للمتحدث الرسمي باسم الوزارة، مما أسهم في إضافة الكثير من الخبرات والمعارف الشخصية وهو ما يمكن اعتباره اليوم من أهم الركائز التي يمكن أن يستند إليها كل من يتصدى للتعامل مع الصحافة وممثلي وسائل الإعلام سواء المحلية أو الأجنبية. ولعل ما اتخذته ماريا من خطوات في الأيام الأولى لتوليها هذا المنصب الرفيع، ومنها الظهور على الهواء مباشرة على شاشة قناة «دوجد» (المطر) المعروفة بمواقفها المناوئة للسلطات الرسمية وسياساتها، تقول بجرأة تُحسد عليها، وإن كانت تعكس في الوقت نفسه ثقة هائلة بالنفس، وقدرة على مواجهة المفاجآت. وكانت اعترفت صراحة في حديثها إلى مشاهدي هذه القناة بالكثير من جوانب عملها كناطقة رسمية باسم الخارجية الروسية.
قالت ماريا إن نشاط إدارة الصحافة والإعلام أوسع كثيرا من كل النشاطات المماثلة في المؤسسات المختلفة. فإلى جانب الاتصال مع الصحافة ووسائل الإعلام وممثلي الأوساط الاجتماعية، تقوم الإدارة بتنفيذ بعض المهام المهنية المتخصصة، مثل التعليق على القضايا الدولية والإعلامية، ومنها ما يتعلق بنشاط وعمل مختلف المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والتعاون الأوروبي، ومناقشة وصياغة الوثائق الدولية القانونية التي تنظم عمل الصحافيين وتحافظ على حقوقهم ووضعيتهم خلال عملهم في المناطق الساخنة، إلى جانب الدفاع عن حرية الصحافة في مختلف البلدان.. إلخ.. وأشارت أيضا إلى ما تقوم به إدارة الصحافة والإعلام في إطار اعتماد وخدمة ما يزيد على 1000 من ممثلي الصحافة الأجنبية وعمل المكاتب الصحافية والإعلامية من حيث توفير السبل اللازمة للاضطلاع بمهامهم المهنية في إطار أراضي روسيا الاتحادية.
وأضافت كذلك ما تقوم به إدارة الصحافة والإعلام من نشاط ومساهمات في ذات الإطار خلال إقامة الدورات الأوليمبية والبطولات الرياضية العالمية داخل روسيا الاتحادية. على أن نشاط إدارة الصحافة والإعلام لا يمكن أن يقتصر على المهام الخدمية واللوجيستية فقط، إذ إن المهمة الرئيسية تظل شأنها في السابق وفي كل الأزمنة في إطار إيجاز وجهة النظر الرسمية للدولة ومؤسساتها تجاه كل القضايا الداخلية والخارجية. وفي ذلك تحديدا تبرز قدرات ومواهب المتحدث الرسمي باسم الدولة أو وزاراتها ومؤسساتها وفي صدارتها «الخارجية الروسية». ويكفي أن نشير إلى أن هذا المنصب ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تعاقب عليه تسعة من أبرز الدبلوماسيين ممن ترقى بعضهم إلى منصب نائب وزير الخارجية، شرفنا بالعمل معهم جميعا، ولم يكن بينهم امرأة واحدة، وهو ما يفسر الكثير من الجدل والتعليقات التي انطلقت تعليقا على هذا القرار الفريد النمط، رغم أن أحدا لم يتطرق إلى هذا المسألة يوم اختار الرئيس ديمتري ميدفيديف لدى توليه رئاسة الدولة في عام 2008 ناتاليا تيماكوفا ناطقة رسمية باسم الكرملين. وبهذه المناسبة نشير إلى أن تيماكوفا ولدت في كازاخستان في أبريل (نيسان) 1975.
ورغم صغر سنها نسبيا فقد حققت خلال سنوات معدودات ما لم يحققه غيرها على مدى عقود طويلة حيث استطاعت أن تقفز إلى قطار الصحافة الرسمية الكبرى، ولم تكن قد أنهت بعد دراستها في كلية الفلسفة جامعة موسكو.
بدأت مسيرتها في صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» التي انتقلت منها إلى «كوميرسانت» ومنها إلى وكالة أنباء «إنترفاكس» قبل اختيارها للعمل بالجهاز الصحافي للحكومة الروسية في عام 1999 بعد أن عهد الرئيس الأسبق يلتسين رئاسة الحكومة إلى فلاديمير بوتين. وهناك سرعان ما تدرجت من نائبة رئيس إدارة لم الصحافة إلى رئيسة الجهاز الصحافي، حتى وقع اختيار الرئيس ميدفيديف عليها في عام 2008 لتعيينها متحدثة رسمية باسم الكرملين ولم تكن قد تجاوزت 33 عاما بأكثر من شهرين، فيما عاد واصطحبها معه، ناطقا رسميا باسم الحكومة الروسية بعد تعيينه رئيسا لها في عام 2012.



كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟