الاستثناء التونسي

الإخفاقات الأمنية وتشبيه تونس بالصومال وأفغانستان تهدد «النموذج الناجح» لثورات 2011

الاستثناء التونسي
TT

الاستثناء التونسي

الاستثناء التونسي

بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا، تشهد كل تلك الدول تحديات أمنية تثير مخاوف من تقدم المجموعات المتطرفة. إلا أن تونس، التي شهدت ثورة «الياسمين» غير الدموية التي انطلقت في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2010 وأطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، هناك مخاوف من تبعات هجمات المتطرفين الهادفة إلى قلب تلك التجربة «الناجحة».

تواجه سلطات المملكة المتحدة منذ قرار ترحيل سياحها ورعاياها من تونس «تحسبا لعملية إرهابية جديدة» أعنف حملات انتقادات في وسائل الإعلام التونسية وفي بعض الأوساط السياسية التونسية والمغاربية، فضلا عن قسم من السياح والساسة البريطانيين.
وتتابع وسائل الإعلام البريطانية والتونسية والعربية نشر شهادات صوتية ومصورة عن السياح الذين عارضوا قرار ترحيلهم واتهموا حكومتهم بـ«الرضوخ لمخطط الإرهابيين» ودفع اقتصاد تونس نحو العجز والإفلاس والتسبب في توجيه ضربة قاسية جدا للسياحة التونسية والقطاعات المرتبطة بها.
لكن السؤال الذي يطرحه الخبراء الاستراتيجيون هو: هل لن يتسبب قرار بريطانيا سحب سياحها وتشبيه تونس أمنيا بالصومال والعراق إيذانا بـ«انهيار آخر قلاع الانتقال الديمقراطي والربيع العربي». وهناك قلق من أن تكون هذه ضربة قاصمة «للاستثناء التونسي» وتكريسا للمقولات الاستعمارية عن «الاستثناء العربي والإسلامي».
وقد وصف السفير التونسي لدى المملكة المتحدة نبيل عمار خطوة لندن بـ«ترحيل سياحها» من تونس وحث كل الجالية البريطانية على مغادرة الأراضي التونسية بكونها «مساهمة في تحقيق أهداف الإرهابيين» الذين استهدفوا الموارد الاقتصادية للدولة ولمئات الآلاف من التونسيات والتونسيين وخصوصا للعاملين في قطاعات السياحة والصناعات التقليدية والتجارة والنقل والخدمات. ويذكر أن القطاع السياحي في تونس يشكل 14.5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للاقتصاد التونسي.
وتبرز وسائل الإعلام التونسية والبريطانية منذ أيام استياء عدد من الساسة والمستثمرين البريطانيين من قرار «الترحيل»، الذي اعتبره إعلاميون تونسيون «إعلان حرب» على تونس واقتصادها. وتساءل السفير البريطاني السابق في طرابلس أوليفر مايلس عن الأسباب التي جعلت حكومة بريطانيا تتخذ هذه الخطوة «التصعيدية» ضد تونس وتركز على عملية إرهابية وقعت في تونس دون بقية البلدان التي شهدت عمليات مماثلة أو أخطر وبينها فرنسا والكويت اللتين شهدتا هجمات إرهابية في نفس اليوم الذي جرى فيه هجوم سوسة الإرهابي.
وتساءلت مقالات رأي في وسائل الإعلام التونسية والبريطانية والعربية إن كان وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند سيصدر بلاغات مماثلة تدعو رعاياه إلى مغادرة فرنسا والكويت ومصر وإسبانيا وألمانيا وتركيا.. لأنها شهدت مرارا عمليات إرهابية أخطر من الهجوم على منتجع سوسة الإرهابي الذي ينسب إلى «داعش».
خلل «التعاون الأمني»
تزداد التساؤلات حول ما إذا كانت السلطات التونسية قد امتنعت فعلا عن التعاون مع المحققين البريطانيين في جريمة سوسة، بعد أن لمحت مصادر بريطانية بأن تونس لم تتعاون بالطريقة الكافية مع لندن في مواجهة التنظيمات الإرهابية. ولكن سفارة المملكة المتحدة بتونس نفت في بلاغ رسمي باسم الخارجية البريطانية أن يكون الـ600 محقق بريطاني الذين بدأوا التحقيق مع الجانب التونسي في جريمة منتجع سوسة القنطاوي السياحية قد لاقوا صعوبات في التنسيق مع الجانب التونسي. كما نفى الجانبان التونسي والبريطاني ما روج في بعض وسائل الإعلام البريطانية عن تعرض حقيبة رئيس المحققين الأمنيين البريطانيين إلى السرقة في مطار قرطاج.
وخلال جلسة مساءلة رسمية في البرلمان التونسي عقب رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد على تصريحات وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند التي تدعو إلى «ترحيل السياح»، وضمنيا كل الجالية البريطانية، بكون تونس «تحترم القرار السيادي لحكومة لندن وستساعد السلطات البريطانية على نقل من يرغب في المغادرة». لكن رئيس الحكومة التونسي ووزير داخليته محمد ناجم الغرسلي اعترضا على الاتهامات «الجانية» التي وجهت لتونس وأكدا أن «المؤسسات الأمنية والعسكرية جندت نحو مائة ألف أمني وعسكري لإحكام السيطرة أمنيا على كامل البلاد رغم بعض الصعوبات التي تمر بها من بينها «نقص بعض التجهيزات» والتدهور الخطير للأوضاع في ليبيا وتسرب مسلحين عبر حدود تونس مع ليبيا منذ سقوط القذافي قبل 4 أعوام».
تزحلق كرة الثلج
وقد اعتبر البرلماني وزعيم الحزب القومي العروبي زهير المغزاوي أن «التصعيد البريطاني» ضد تونس سيكون له وقع «تزحلق كرة الثلج» وستتبعه دول غربية أخرى ستمنع سياحها من زيارة تونس بما سيؤدي إلى شل جانب كبير من قدرات البلاد المالية والاقتصادية «وستزيد التحديات الاقتصادية والأمنية في تونس ما بعد الثورة تعقدا». وبالفعل فقد انخرطت الدنمارك وأيرلندا في نفس المسار ولوحت حكومات أوروبية أخرى بالاقتداء بلندن.
واعتبر ساسة من النقابات العمالية ومن اليسار التونسي، مثل البرلماني فتحي الشامخ، أن «النموذج التونسي للتغيير السلمي والانتقال الديمقراطي مستهدف»، معتبرا أن «النتيجة الطبيعية لشل اقتصاد الديمقراطية الناشئة هي دفعها نحو العسكرة والإجراءات اللاشعبية ومن بينها إعلان حالة الطوارئ والزيادات المشطة في الأسعار وتسريح مئات الآلاف من العمال».
وذهب بعض الخبراء في الدراسات الاستراتيجية، مثل السفير ووزير الدولة السابق للخارجية صلاح الدين الجمالي، إلى أبعد من ذلك فيعتبرون أن «تونس تعاقب على نجاحها السياسي والديمقراطي فلم تحصل على المساعدات التي وعدت بها الدول الصناعية السبع مرارا في قممها ولا تلك التي تعهد بها الاتحاد الأوروبي وستكون النتيجة انهيار النموذج التونسي للديمقراطية والتوافق بين الإسلاميين والعلمانيين». وهذا «الاستثناء التونسي» والتنمية البشرية «المتوازنة» تعتبر مهددة اليوم.
«نظام إقليمي» جديد
وربط الخبير في السياسة الدولية السفير السابق عبد الله العبيدي «التصعيد البريطاني ضد الديمقراطية التونسية الناشئة» بالمتغيرات الجيو استراتيجية التي تمر بها تونس والمنطقة العربية والإسلامية عموما والبلدان المغاربية خصوصا وبمشاريع إعادة صياغة «النظام الإقليمي» في «الشرق الأوسط الكبير» بعد قرن عن اتفاقية سايكس بيكو البريطانية - الفرنسية وربع قرن عن انهيار جدار برلين.
وإذ أكدت انتفاضات الشعوب العربية منذ 5 أعوام وجود إرادة للإصلاح والتغيير في دول «الجنوب» وتوفر شروط موضوعية لتمرد المهمشين والطبقة الوسطى وتيار من النخب على منظومات الاستبداد والفساد، فقد تسبب «فشل بلدان الربيع العربي أمنيا وسياسيا واقتصاديا في إعادة الجدل عالميا» حول المقولات الاستعمارية عن «الاستثناء العربي والإسلامي» ثقافيا ودينيا واستراتيجيا، أي المقولات التي تطالب منذ عقود باستثناء الشعوب العربية والإسلامية من مشاريع الإصلاح الديمقراطي وبرامج التنمية السياسية بحجة أن مرجعياتها الدينية والثقافية والتراثية معادية للتعددية».
ويبدو الخبراء وصناع القرار الاقتصادي والسياسي والأمني الدولي اليوم مجددا مقسمين بين أنصار الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والرأي العام في الدول العربية ودعاة إعطاء الأولوية مرة أخرى للحلول الأمنية والعسكرية بحجة «الاستثناء الثقافي والديني والاستثناء الاقتصادي والاستراتيجي»، على حد تعبير الجامعي التونسي ومدير معهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية - سيريس رضا الشكندالي.
ثنائية الفوضى والاستبداد
ويعيد تخلي لندن والعواصم الغربية عن تونس اقتصاديا، في نظر الخبير الأمني العسكري العميد المختار بن نصر، سيناريوهات أمنية خطيرة تخدم الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية التونسية والجزائرية والليبية التي وجهت لها الحكومة التونسية ضربات قاصمة خلال الأعوام الماضية وخصوصا منذ الهجوم الإرهابي على المتحف الوطني في العاصمة يوم 15 مارس (آذار) الماضي.
وحذر الخبير الاستراتيجي حاتم بن سالم من «خطورة دفع تونس، على غرار ما جرى مع عدة دول عربية، نحو ثنائية الاستبداد أو الفوضى - أي الاختيار بين أمرين أحلاهما مر الديمقراطية مع الفوضى أو القمع الشامل تحت شعار الأولية المطلقة للأمن».
وقدر وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي نسبة نجاح القوات الأمنية التونسية في القضاء على إرهابيين من دول عربية فارين منذ أكثر من 10 أعوام بـ90 في المائة، بينهم زعماء لعصابات تهريب وإرهاب من الجزائر تطاردهم قوات الأمن الجزائرية منذ عقد التسعينات في القرن الماضي مثل لقمان أبو صخر ومختار بلمختار
تركيع «الاستثناء التونسي»
ويستعد رئيس البرلمان التونسي ورئيس حزب «النداء»، الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي لزيارة لندن ولقاء ساستها وأعضاء برلمانها لإقناعهم بجدية «الشريك التونسي» في محاربة الإرهاب وتذكيرهم بتعهدات أوروبا بدعم «النموذج التونسي للاعتدال والوسطية والوفاق». ويأتي ذلك مع تكثيف رئيس الحكومة الحبيب الصيد وزعماء المعارضة، وبينهم قادة حركات النهضة والوطني الحر وآفاق، لقاءاتهم واتصالاتهم الهاتفية مع الدبلوماسيين الأوروبيين وكبار صناع القرار في لندن والاتحاد الأوروبي «لتجنيب تونس كارثة اقتصادية مالية وسياسية أمنية» على حد تعبير الخبير الاقتصادي الدولي الصادق جبنون.
مبادرات رمزية
وبما أن الحكومة التونسية تعلم أن المعركة الحالية تعتمد جزئيا على كسب الرأي العام، كلفت الحكومة التونسية الحقوقي السابق التونسي الفرنسي كمال الجندوبي، الوزير المستشار في حكومة الصيد، بتنظيم سلسلة من المؤتمرات الصحافية فسر فيها الإجراءات الأمنية والعسكرية الإضافية التي قررت الحكومة التونسية اتخاذها. ومن تلك الإجراءات إعلان حالة الطوارئ لمدة شهر «قابل للتجديد» وتسخير 100 ألف عسكري وأمني لتعزيز حماية المؤسسات السياحية وحدود تونس مع ليبيا والجزائر وتأمين الشعب في كل المدن والقرى في كل المحافظات.
وأكد عبد اللطيف حمام مدير عام ديوان السياحة والصناعات التقليدية أن السلطات التونسية شرعت منذ هجوم متحف باردو الإرهابي قبل 3 أشهر في اعتماد «مخططات حماية أمنية إضافية» للمؤسسات الثقافية والسياحية تقرر قبل هجوم سوسة يوم 26 يونيو (حزيران) تفعيل القسط الجديد فيها يوم 1 يوليو (تموز) الذي يعتبر في تونس موعد دخول «موسم الذروة السياحي». وقد تعززت تلك المخططات بإجراءات استثنائية تقررت في أعقاب هجوم سوسة.
لكن الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي يعتبر أن «هدف الإرهابيين ليس إضعاف مداخيل الدولة من السياحة والعملات الأجنبية فقط بل تركيع الاقتصاد الوطني والنموذج التونسي للتغيير السلمي». وأضاف أن هناك سعيا من المتطرفين لتفنيد ما روج عن «الاستثناء التونسي» ونجاح مسار الانتقال الديمقراطي التعددي والتداول العادي على السلطة بين أحزاب وزعامات متناقضة سياسيا وآيديولوجيا بينها زعامات علمانية وأخرى إسلامية.
الثغرات الأمنية والسياسية.. والإعلامية
لكن الانتقادات الكثيرة للقرار الحكومي البريطاني، الذي اعتبره البعض وقوعا في فخ الإرهابيين، لا يقلل حسب تحاليل قدمها عدد من الساسة والإعلاميين التونسيين والبريطانيين من أهمية «الثغرات الأمنية والسياسية والإعلامية» التي كشفتها جريمة سوسة.
ولقد استبعد الصحافي والخبير البريطاني في الشؤون الأمنية فرانك غاردنر أن تكون حكومة بلاده وفرق المحققين الذين أرسلتهم إلى تونس تأكدوا من احتمال تعرض مؤسسة سياحية جديدة إلى عمل إرهابي آخر. لكنه أورد أن «اقتناع المحققين البريطانيين» بوجود إرهابيين في حالة فرار، بينهم شريك سيف الدين رزقي في الهجوم على منتجع سوسة القنطاوي السياحي - جعلهم يقتنعون بأن هؤلاء «الفارين الخطرين» قد ينظمون عملية جديدة.
في نفس الوقت يعتقد كثير من الخبراء العسكريين والإعلاميين أن «الأداء الإعلامي» لكثير من وسائل الإعلام و«الناطقين» باسم السلطات الاقتصادية والسياسية والأمنية «ليس مهنيا» وكانت نتائجه مزيدا من ترويع المواطنين والسياح وسفاراتهم، بما في ذلك عند إعلان الناطق باسم الحكومة عن «تعبئة 100 ألف أمني وعسكري تونسي لحماية الشعب والمؤسسات السياحية من الإرهاب والعنف ومن مخاطر المسلحين القادمين من ليبيا».
لكن الأهم في نظر عدد من الخبراء التونسيين والعرب بينهم في السياسية الدولية في جامعة جون هوبكنز الأميركية خليل العناني هو مستقبل الإصلاحات السياسية والتنموية في تونس وبقية الدول العربية.
ويعتبر الجامعي والباحث في تاريخ الحضارة والفكر زهير بن يوسف أن «نجاح الاستفتاءات الشعبية والانتخابات التعددية والشفافة بعد 2011 في عدد من الدولة العربية مرارا في مصر وتونس والمغرب وليبيا فندت أسطورة وجود مجتمعات وثقافات معادية للقيم العالمية للحريات والتعدد واحترام حقوق الإنسان الفردية والجماعية».
وعلى الرغم من تعاقب أعمال العنف والصدامات في عدد من الدول العربية بعد انهيار الأنظمة المركزية المطلقة السابقة، فإن «النموذج التونسي للانتخابات التعددية والتوافق السياسي بين أطراف ذات مرجعيات عقائدية وسياسية متناقضة» ينطوي على أبعاد رمزية ومفارقات سياسية كثيرة بحسب بن يوسف الذي يقول إنها «أثبتت أن قطار التغيير السياسي السلمي نحو الانفتاح والإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل يسير في طريقه الصحيح في كامل الوطن العربي، وإن مر بمراحل تعثر لأسباب عدة من بينهم وجود إرادات محلية وإقليمية ودولية لتعطيله».
ورغم الرسائل السلبية التي أطلقها تيار من النشطاء التونسيين والعرب بعد 2011، ثم المورطون في العنف والإرهاب فإن المتفائلين بدلالات «الاستثناء التونسي» وبنجاح خيار التعدد الثقافي والسياسي عربيا يعتبرون أن المتضررين من الديمقراطية والتغيير، لأسباب داخلية اقتصادية وسياسية وأخرى استراتيجية، لن ينجحوا في تعطيل المسار الجديد للتغيير والإصلاح حتى وإن حققوا نجاحات مؤقتة عبر تعطيله مستفيدين من الإرهاب ومن الصراعات الدولية على الوطن العربي وأفريقيا.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.