روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد

«شبيك لبيك» كل عطور الدنيا بين يديك

روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد
TT

روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد

روائح لندن تناديك: رمضان كريم وعيد مبارك سعيد

كل من يعيش في لندن بات يعرف أنه ما إن تبدأ بشائر رمضان حتى تبدأ العاصمة البريطانية تتزين من أجل عيون زبونها العربي تحديدا، صامة أذنها عن كل الضوضاء التي يثيرها بعضهم بسياراتهم الفارهة والموسيقى التي تنبعث منها نهارا ومساء. كل هذا لا يهم، فهو زبون كريم وسخي ويستحق المعاملة بالمثل من حيث الخدمات والتسهيلات التي تجعل إقامته ممتعة، ومعطرة بأغلى انواع العطرو وأجود انواع العود نظرا لمعرفتها بمدى حبه لها واقباله عليها والاستعدادات تبدأ منذ فترة. والطريف أنه حتى من لم يكن قد سمع من قبل عن شهر رمضان بات ضليعا في طقوسه، يرسل رسائل تهنئة بالمناسبة لمعارفه وزبائنه، كما يعرف ما تتطلبه الشعائر الدينية والتقاليد الاجتماعية من أزياء محتشمة وشموع معطرة تحل محل البخور وما شابه من أمور تؤدي إلى نفس النتيجة: زيادة المبيعات وتحريك البضاعة. ورغم أن فن الإغراء ليس جديدا على لندن، فإنها كثفت جهودها وسحرها في هذا العام لتعوض النقص الذي خلفه تراجع عدد الزبائن الروسيين بسبب الأحداث الأوكرانية وما نتج عنها من تراجع في الاقتصاد. وبما أن التوقعات تشير إلى أن ما لا يقل عن 50 ألف ضيف عربي سيحطون الرحال فيها بعد العيد مباشرة، فإن المنافسة للاستحواذ على اهتمامه، على أشدها بين المحلات الكبيرة، لا سيما في مناطقه المفضلة مثل «مايفير» و«نايتسبردج» و«أكسفورد ستريت» و«بوند ستريت» وما جاورها. وحسب «غلوبال بلو» الشركة المكلفة بإرجاع الضريبة على القيمة المضافة للسياح tva والتي تعطي فكرة واضحة عن اتجاه التسوق عند السياح وتطوره، فإن تدفق السياح العرب إلى لندن يعني انتعاش الفنادق والمطاعم وطبعا المحلات الكبيرة، بحكم أن هذا السائح يعشق التسوق ويعتبره جزءا من تجربته السياحية، إن لم تكن أهمها. وبالفعل أكدت الدراسات التي أجريت لحد الآن، بأن هذا الزائر يقضي نسبة كبيرة من وقته في المحلات الكبيرة مثل «هارودز»، و«سيلفريدجز»، و«هارفي نيكولز» و«ليبرتي» ويفضلها على «البوتيكات» الصغيرة باستثناء تلك التي تقع في «سلوان ستريت» بالقرب من كل من «هارودز» و«هارفي نيكولز»، والسبب أنها تذكره بالمجمعات الكبيرة التي تعود عليها في منطقته. وتشير نفس الدراسات بأن نسبة ما صرفه في هذا الوقت من العام الماضي ارتفعت بـ43 في المائة، وهي نسبة تجعله في أهمية السائح الصيني، إن لم نقل أكثر. واحدة من الدراسات التي أجرتها شركة «غلوبال بلو» أفادت بأن الزبون العربي يصرف ما يقارب الـ1432 جنيها إسترلينيا مقارنة بما يصرفه الزائر الأميركي، وهو 512 جنيها إسترلينيا فقط.
لهذا ليس غريبا أن يتوثب الكل لكي يكون في مستوى هذا الزبون، الذي يشهد الكل بأنه لا يقبل بالحلول الوسط ويريد راحته ومتعته أيا كان الثمن، مما يشجع كل المحلات أن تجهز نفسها لاستقباله وكأنها تحضر لعرس ضخم، يجب أن تتوفر فيه شتى أنواع التصاميم ومستحضرات العناية بالجمال وطبعا العطور. ولا تقتصر الاستعدادات على توفير المنتجات النادرة والفريدة فحسب، بل أيضا على ابتكار طرق جديدة لخدمته، بدءا من توفير التفصيل على المقاس إلى خلق مساحات حميمة بعيدا عن عيون الفضوليين تخاطب المحجبات، بل يذهب البعض إلى تجنيد فريق كبير من المساعدين والبائعات الذين يتكلمون اللغة العربية، بعد أن يخضعوا لدورات تدريبية مكثفة، على يد خبراء من الشرق الأوسط، استقدموا خصيصا لكي يشرحوا لهم بعض الأمور عن ثقافة هذا الزبون حتى يتم التعامل معه بطريقة لائقة. هناك أيضا تنظيم حفلات خاصة للتسوق تدعو فيها بعض المحلات زبائنها المهمين جدا، حيث تفتح لهم أبوابها في أوقات غير رسمية لكي يجولوا ويصولوا فيها بحرية مطلقة، وهلم جرا من الطرق التي يتقنها البريطانيون جيدا ويتفننون فيها.
فالملاحظ هنا أنه عندما يتعلق الأمر بتحقيق الربح والتجارة، يذوب كل شيء ويتبخر ويبقى الزبون دائما على حق، ما دام لا يبخل على نفسه بشيء في سبيل الحصول على كل ما هو فريد ومتميز. ففي هذه الحالة، لا يسع المحلات إلا أن تقول له «شبيك لبيك طلبك بين يديك». «هارفي نيكولز» مثلا طرحت له مجموعة من المنتجات الحصرية، نذكر منها حقيبة يد من مارك غروس مطلية بالذهب، من قيراط 18، ونظارات شمسية من ليندا فارو، يقدر سعرها بـ10 آلاف دولار أميركي، هذا عدا عن حقائب اليد والأحذية المصنوعة من جلود التماسيح أو الأفاعي وغيرها. فـ50 ألف زائر من الشرق الأوسط رقم لا يستهان به ويستحق هذا الجهد، خصوصا وأنه يقدره ويدفع ثمنه عن طيب خاطر.
محلات «هارودز» أكبر شاهد على هذا، فهي تتحول في موسم الصيف إلى بيتهم الثاني تقريبا، يمكنك أن تشم رائحة العود والورد حتى قبل أن تدخلها بعدة أمتار. فهم يغزونها غزوا معطرا وأنيقا، يزعج المتسوق الأجنبي ويثير غيظه النابع من حسده، في الوقت الذي يثلج فيه صدور المسؤولين في هذه المحلات، ويطرب آذانهم وهم يسمعون أصوات آلات الدفع لا تتوقف.
من الاستعدادات الكثيرة التي قامت بها تخصيص طابق بالكامل للعطور الثمينة، تتوخى الاختلاف عن تلك التي تطرحها شركات تجارية كبيرة، وموجهة أساسا لهذا الزبون. يصل سعر بعضها إلى أكثر من 143 ألف جنيه إسترليني، كما هو الحال بالنسبة لعطر «No1 Passant Guardant» للعطار كلايف كريستيان، إضافة إلى أخرى من غيرلان، وروجا داف، وشانيل، وديور، وكيليان، وهنري جاك، وكريد، وكلايف كريستيان، وكزيرجوف، وإكس نيهيلو، وانيك غوتال، وسيرج لوتان، وتوم فورد، وغيرها، إضافة إلى عطور من بيوت جواهر عريقة مثل فان كليف آند أربلز، وكارتييه، وبولغاري، وغيرها.
القاسم المشترك بين معظم هذه العطور هو العود الذي رغم أنه أصاب الغرب بالتخمة، بحكم أنه ليس جزءا من ثقافته ولا يتذوقه مثل الزبون الشرقي، لا يتوقف عن الظهور في كل موسم في عطر جديد، يحقق لصاحبه الربح الذي كان يحلم به. صحيح أن السوق تزدحم بعطور تقوم عليها، لكن سحرها يصل دائما إلى شغاف القلوب العربية التي ليس لها ولاء لواحد فقط، بل تريد تجربة كل جديد، وبالتالي أصبح مثل سهم كيوبيد عصري، يُعول عليه العطارون ويتنافسون في البحث عن كل ما ندر منه لعل سهمه يصيبهم بمكسب.

* منطقة الشرق الأوسط أكبر سوق للعطور
* أفادت شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» الشريك المعلوماتي الرسمي لمعرض «بيوتي وورلد» الذي تحتضنه منطقة الشرق الأوسط كل سنة، بأن العطور ساهمت بنسبة 19.6 في المائة من إجمالي سوق التجميل واللياقة البدنية في الشرق الأوسط وأفريقيا في عام 2014، حيث بلغ حجم التجزئة 5 مليارات دولار خلال العام. ومن المتوقع أن يدعم القطاع معدل نمو سنوي بنسبة 6.3 في المائة ليصل حجمه إلى 6.4 مليار دولار في 2018. وتعد المملكة العربية السعودية والإمارات أكبر سوقيْن في المنطقة، حيث بلغ حجم مبيعات العطور في الإمارات 401 مليون دولار في 2014، بنسبة 28 في المائة من إجمالي سوق التجميل والرعاية الشخصية في الدولة (1.4 مليار دولار) خلال العام. ومن المنتظر أن ينمو ذلك بنسبة 5 في المائة سنويا ليصل حجمه إلى 485.5 مليون دولار بنهاية 2018.
وفي سياق متصل أنفق المستهلكون السعوديون 1.4 مليار دولار على العطور في 2014 حسب إحصائيات EMI – بنسبة 31.6 في المائة من إجمالي سوق التجميل واللياقة البدنية في المملكة خلال العام (4.4 مليار دولار)، كما ينمو بنسبة 9.4 في المائة سنويا ليصل حجمه إلى 2 مليار دولار بحلول 2018.
ولعل هذا الاهتمام والنمو هما ما شجعا شركات أجنبية كبيرة على المشاركة في المعرض السنوي بدبي، وصل عددها هذا العام إلى 200 شركة عارضة، منهم «روبرت جروب»، من مدينة «جراس» الفرنسية – التي تشارك لأول مرة بعد أن افتتحت مكتبا لها في دبي في عام 2014، بهدف تطوير أعمالها في المنطقة والترويج لها، إضافة إلى شركات «لوزي فراجرانس كومبوندس» من سويسرا، «ناتور ميلانو» من إيطاليا، «لا فاكتوري» من فرنسا، «سالوس هولاند» من هولندا، «إبرشم» من إسبانيا، إلى جانب الشركات الإماراتية إمبر، لطافة، وصيفا. وهكذا، فإن صناع العطور لم يعودوا ينتظرون الزبون العربي للقدوم إليهم، بل يتوجهون إليه في كل المناسبات.

1 - في عام 2013 أطلقت تيري دي غانزبورغ عطرها «تيريفيك عود» الذي غير النظرة إلى العود، بالنسبة للأجانب على الأقل ممن كانوا يرونه مجرد عنصر قوي لم يتعودوا عليه. الفضل في هذا يعود إلى نغمات شرقية غامضة تدغدغ الحواس. هذا النجاح شجع تيري أن تجدده في عام 2015، وأن تطلق عليه اسم «تيريفيك عود إكستريم» مستندة على نفس المكونات التي أضافت إليها مواد خام أخرى طبيعية مثل الأخشاب الثمينة التي كان لها مفعول السحر لأنها أكسبته الكثير من الانتعاش الذي يبرر سعره: 320 جنيها إسترلينيا

2 - عندما أطلقت دار «دانهيل» البريطانية اسم «أيقونة دانهيل» dunhill ICON على أول عطر تصدره، فإنها لا بد وأنها كانت تأمل أن يكون له من اسمه نصيب ويتحول إلى أيقونة بالفعل. يستمد العطر إيحاءاته من السيارات السريعة والسباقات البريطانية القديمة. وسيتوفر لحد الآن في محلات «دانهيل» و«هارودز» فقط، لكنه يخاطب بقوة شابا يريد أن يدخل نادي دانهيل النخبوي من أوسع الأبواب، نظرا لسعره المعقول 90 جنيها إسترلينيا، كما يريد أن يستمتع بنغماته الرقيقة التي تتراقص على البرغموت الإيطالي وزهرة النيرولي مع نفحات من الفلفل الأسود والهيل والخزامى فضلا عن العود والجلد والفيتفر. ومع ذلك فإنه يبقى خفيفا وعصريا لكل المناسبات.

3 - كل ما يحمل اسم إيلي صعب يعبر عن مدى حبه للمرأة، ومجموعته الأخيرة من العطور المتخصصة لم تخرج عن هذه القاعدة. فهي مستمدة من عالم الـ«هوت كوتير» بسحرها وموادها الخام النادرة والثمينة، التي ستكون ضيفة في «هارودز» ابتداء من أول شهر أغسطس المقبل إلى جانب عطور كبار العطارين.. تعبق مجموعته La collection Des Essences بنكهة العود وبرومانسية تستحضر أسلوبه في التصميم عموما، وهو ما راعاه العطار فرنسيس كوركدجيان، مبدع المجموعة، مستعينا حينا بمزج الورد بالعود، أو الغاردينيا بالعنبر أو الباتشولي بخشب الصندل وهكذا.. تتكون المجموعة من أربعة عطور، كل واحد بسعر 165 جنيها إسترلينيا

4 - عطر «نمبر 1 إمبريال» من كلايف كريستيان صانع أغلى عطر شهدته محلات «هارودز» بمبلغ 143 ألف جنيه إسترليني. لكن هذا العطر أرخص بكثير بالمقارنة، حيث لا يتعدى 750 جنيها إسترلينيا

5 - كانت أنيك غوتال، حسب القصة المتداولة عنها، سيدة فرنسية تحب الورود وتحيط نفسها بها دائما، انطلاقا من قناعتها بأنها لا تحسن المزاج فحسب بل أيضا تحسن البشرة وتجملها. وتضيف نفس القصة أنها كانت تضيف دائما قطرات من زيوتها في حمامها اليومي كما في مشروب الشاي. لهذا كان من البديهي أن تطلق، وعلى مدى سنوات، عطورا تلعب فيها الورود أدوار البطولة المطلقة إلى الآن. فالموجة السائدة حاليا تتطلب تنويع المواد ومخاطبة أكبر سوق للعطور، ألا وهي الشرق الأوسط. وبما أنه ليس هناك لغة أقوى من العود والورود للوصول إلى هذا الزبون، فإنها ابتكرت مجموعة حصرية تتوفر في «هارودز» باسم LES ABSOLUS D’ANNICK GOUTAL تدور في فلك العود والعنبر والفانيلا، ويبلغ سعر كل واحد منها 166 جنيها إسترلينيا



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.