أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2016.. المستقبل في يد الشباب

صورة الرجل تأخذ بعدًا جريئًا لدى بعض المصممين والبعض ما زال يمسك بالعصا من الوسط

«غوتشي»  -  «برادا»  -  سالفاتوري -  «غوتشي»   -  فيرغامو  -  جيورجيو أرماني  -  من عرض «فرساتشي»
«غوتشي» - «برادا» - سالفاتوري - «غوتشي» - فيرغامو - جيورجيو أرماني - من عرض «فرساتشي»
TT

أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2016.. المستقبل في يد الشباب

«غوتشي»  -  «برادا»  -  سالفاتوري -  «غوتشي»   -  فيرغامو  -  جيورجيو أرماني  -  من عرض «فرساتشي»
«غوتشي» - «برادا» - سالفاتوري - «غوتشي» - فيرغامو - جيورجيو أرماني - من عرض «فرساتشي»

إنه موسم اللعب على التناقضات وقلب الموازين والتابوهات القديمة، حسب ما تم عرضه خلال أسبوع ميلانو الرجالي. من «برادا» و«غوتشي» إلى «دولتشي أندغابانا» و«فيرساتشي» وغيرهم، كانت التوجه يجنح إلى تنعيم صورة الرجل، بل تأنيثها في صورة تصيب بالحيرة في بعض الأحيان، بينما ظلت قلة من المصممين رافضين لهذا التوجه.
فالواضح أن ميلانو، مثل لندن قبلها، وقعت في سحر لعبة الذكورة والأنوثة وذلك الخلط الأنيق بينهما، سواء من حيث الألوان أو التطريزات والقصات والأقمشة، لا سيما الدانتيل الذي دخل خزانة الرجل بقوة على شكل قمصان، علما بأن هذا القماش ظهر أول مرة في عرض «بيربري» خلال أسبوع لندن، قبل أن يظهر ثانية في عرض «غوتشي» في الأسبوع الماضي. بيد أن «غوتشي» لم تكتف به وحده كوسيلة لتأنيث الرجولة، بل أسهب مصممها أليساندرو ميشال في طرح كل ما يجعل الرجل يبدو «جميلا»، حسب قوله، من عدد لا يستهان به من قمصان بياقات تعقد على شكل وردة أو بوردة وسط الرقبة، و«شورتات» إما من الكروشيه أو مطرزة بصور فراشات أو ورود، وهلم جرا. فما كان في الماضي يعتبر ضربا من المحال ولا يمكن أن يجد له طريقا إلى خزانة الرجل، أخذ في الأسبوع الماضي شكلا جذابا ومقنعا، على الأقل بالنسبة لشريحة الشباب. فالفرق بين الماضي والحاضر أن الكثير من قرارات الموضة أصبحت في يد شريحة الشباب، لهم القدرة الشرائية التي تمكنهم من تحديد توجهاتها والتأثير على مبيعاتها.
وهكذا بعد ثلاثة عروض فقط منذ أن تسلمه مقاليد «غوتشي»، استطاع أليساندرو ميشال أن يقنع أوساط الموضة بأنه المصمم الذي كانت تحتاجه الدار الإيطالية، ليحولها من دار أزياء راقية وقعت في السنوات الأخيرة في براثن التكرار والعادي، إلى دار أزياء راقية ترقص على إيقاعات شبابية وديناميكية تخض المتعارف عليه وتفتح جدلا فكريا وفنيا لكل من يحضر عروضها. هذا ما تشعر به وأنت تتابع عرضه الرجالي لربيع وصيف 2016 في أسبوع ميلانو الأخير، ويتأكد لك عندما تخرج من مكان العرض وأنت لا تسمع سوى تعليقات مجموعة من الشباب وهم يكررون بتلذذ وبلكنة إيطالية قوية تُجر فيها الحروف جرا «إنه عرض سوبر سترونغ» Super Strong.
منذ بداية العرض، وجه ميشال أليساندرو رسالة واضحة بأن الجماليات الفنية التي كانت حكرا على المرأة يمكن أن تكون من نصيب الرجل أيضا، حيث ظهر عارض بمعطف واقٍ من المطر مطرز بلوغو الدار، تم تنسيقه مع بنطلون أخضر وحذاء مذهب وإيشارب طويل مطرز بالورود. بعده توالت القطع، وفي كل مرة تزيد الرسالة وضوحا، في بدلات بخطوط محددة على الجسم تتميز ببنطلونات منخفضة عند الخصر وتتسع عند الساق والكاحل أو قطع مطرزة بسخاء لافت.
معظم التفاصيل في هذه التشكيلة تخاطب شابا جريئا وواثقا، خصوصا عندما تلعب على مفهوم الذكورة والأنوثة وعلى رغبة محمومة في إلغاء الفروقات بينهما. ما يشفع للمصمم أنه قام بهذه الثورة «الغوتشية» وهو متسلح بالكثير من الابتكار المعزز برغبة جامحة في وضع بصمته الشخصية، ولو بقلب الموازين ما دامت النتيجة ستكون أزياء سوبر قوية وجريئة. فالفكرة التي يتوخاها كل من في «غوتشي» والمجموعة المالكة لها «كيرينغ» هي أن ينفض عن اسم الدار آثار الماضي القريب، الذي شهد ركودا أثر على مبيعاتها، وهو ما لا يمكن تحمله كون «غوتشي»، الجوهرة التي تتوسط تاج مجموعة «كيرينغ». فهي التي كانت إلى عهد قريب الدجاجة التي تبيض لها ذهبا، قبل أن تتراجع في عام 2014، مثلها مثل الكثير من بيوت الأزياء الكبيرة بسبب تباطؤ نمو السوق الصينية وتذبذب سوق العملات وغيرها. مصممة الدار السابقة فريدا جيانيني لم تستطع أن مواجهة هذه التغيرات ولم تعد تصاميمها تثير الرغبة فيها كما من قبل. ما يُحسب لأليساندرو ميشال، في المقابل، شجاعته في اتخاذ اتجاه مغاير تماما، ولم يتعامل مع المسألة بشكل تدريجي، بل قام بشبه ثورة سريعة هزت الكثير من المفاهيم، بهدف تحريك المياه الساكنة وإضفاء صورة شبابية على الدار من جديد. كانت هناك ومضات من جينات الدار التي استقاها المصمم من ماضيها المجيد وترجمها بلغة عصرية، مثل حذاء «اللوفر» والأحزمة التي تتوسطها الحرف الأول للدار، والأزهار والورود التي أصبحت شبه لصيقة بها، فضلا عن قصات تستحضر حقبة السبعينات، الفترة التي شهدت عزها. المشكلة في هذه التشكيلة أن الرجل المتحفظ الذي يميل إلى الرسمية والأزياء الكلاسيكية، لن يراها موجهة له بأقمشتها الناعمة مثل الحرير والدانتيل، ولا بتطريزاتها الغنية التي تغطي البدلة بالكامل أو بياقات قمصانها الداندية أو ألوانها المتوهجة وهلم جرا، وإن كان من الظلم القول إنها لن تناسبه تماما، لأنه في حال فككها وأخرجها من إطار العرض وما يتطلبه من بهارات ساخنة، فإنه قد يجد قطعا رائعة تناسبه تماما. الجميل في هذه التشكيلة أنها لم تقتصر على البدلات أو شورتات الدينم فحسب، بل أيضا على قطع منفصلة كثيرة، يسهل تنسيقها بدءا من جاكيتات مستوحاة من سائقي الدراجات النارية مطرزة هي الأخرى بسخاء إلى سترات «بلايزر» وإكسسوارات متنوعة.
هذا الغنى في الأفكار والمقترحات لم يضاهه سوى ما قدمته عرابة الموضة الإيطالية، ميوتشا برادا. فهذه المصممة هي البوصلة التي تحدد اتجاهاتها ولا يكتمل الأسبوع من دونها. صرحت المصممة بأنها أرادت في هذه التشكيلة أن تستكشف مفهوم التواضع والخجل في عالم أصبح يعتمد على الترويج للذات بكل الأشكال، وعلى رأسها التقاط صور سيلفي ونشرها في مواقع التواصل. وهذا يعني تشكيلة تظهر الجانب الإنساني عوض الاستعراضي، استعملت فيها أدوات كثيرة نتجت عنها إطلالة حيوية وعملية في الوقت ذاته، كانت فيها السحابات، بطلا مهما، إلى جانب البنطلونات القصيرة التي تُظهر الكاحل وتتسع من تحت، فضلا عن البدلات المفصلة ذات السترات المحددة. اللافت أنها نسقتها إما مع كنزات صوفية مطبوعة بصور أرانب أو صور تستحضر صور الإنستغرام تظهر فيها صور عيون أو شفاه، أو مع قمصان حريرية. قدمت أيضا جاكيتات من الجلد بطول قصير و«نفخة» من الخلف وسحابات طبعا. بتنسيقها شورتات قصيرة وجوارب فوق جوارب وربطات عنق فوق كنزات، أعطت المصممة الانطباع بأنها لا تقترح أفكارا بقدر ما تطرح أسئلة تريد إجابة عنها، مثل ذلك السؤال الملح عن متى يصبح الصبي رجلا؟. فبالنظر إلى أن أغلب العارضين في الأسبوع، كانوا يتمتعون بمقاييس ووجوه صبيانية، فإنه كان من الصعب تصور أن تكون هذه العروض موجهة لرجل شاب أو فوق الأربعين، لولا تذكرنا أنهم مجرد شماعات وأن هذه العروض ليست عنهم، بل عن الأزياء.
مخاطبة الشباب امتدت أيضا إلى دار «سالفاتوري فيراغامو»، لكن بلغة مختلفة وكأن مصممها ماسيمو جيورنيتي، يريد أن يمسك العصا من الوسط، حتى يكسب معجبين جدد ولا يُبعد زبائن الدار الأوفياء ممن تعودوا على أسلوبها المميز. والنتيجة كانت تشكيلة كلاسيكية في خطوطها، عصرية في تفاصيلها، استعمل فيها الكثير من الطبعات الغرافيكية والألوان المتناقضة حتى يضخها بديناميكية غير معهودة. أكبر دليل على هذا معطف اسود يخترقه خط هندسي بالطول باللون الرمادي بدا وكأنه لوحة فنية رسمتها ريشة رسام ماهر. ولا شك أن المصمم استحلى هذه الطريقة لأنه كررها في عدة قطع، تمازج فيها الغامق بالفاتح بتناغم عجيب، فالبني والكاكي والبيج مثلا كسرها بدرجات من التركواز أو الوردي أو الأخضر. بهذه العملية حقق المعادلة الصعبة بين الشبابي والكلاسيكي، حتى في ما يتعلق ببدلات بسترات مزدوجة، وأخرى بصف أزرار واحد التي عمد إلى تنسيقها مع قمصان بتصاميم مبتكرة وألوان أكثر جرأة حتى تخرج الزبون المتحفظ من كلاسيكيته وتقدمه للموضة الجديد بجرعات خفيفة. وإذا كان جيورنيتي قد حافظ على الأساسيات الكلاسيكية في ما يتعلق بالبدلات والسترات والمعاطف، فقد أطلق العنان لخياله في القطع المنفصلة الأخرى التي ضخها بالكثير من عناصر الحداثة لتخاطب زبونا شابا يزيد من قوة الدار، التي لا يمكن أن ينسى أن جانب الأزياء والإكسسوارات الرجالية يشكل نسبة 40 في المائة من مبيعاتها.
لا يكتمل الحديث عن أسبوع ميلانو من دون التطرق إلى عرض المخضرم جيورجيو أرماني، الذي لا يزال مقاوما للموجة الجديدة ورافضا لفكرة أن يُلبس الرجال ملابس المرأة وإن كان العكس صحيح، إذا عدنا بالذاكرة إلى الثمانينات حين أعطى الجنس الناعم بدلات مفصلة، لكي تدخل بها عالم الرجل ومنافسته في مجالات كانت حكرا عليه قبل ذلك. اللافت أنه ظل وفيا لأسلوبه الهادئ سواء من حيث الألوان أو من حيث القصات المريحة المائلة للاتساع، ولم لا وهي وصفة تحقق له الربح، فضلا عن أنه لا يزال يحتفل بمرور 40 عاما على تأسيسه داره الخاصة، وبالتالي من حقه الرجوع إلى أرشيفه لكي يستقي منه ويطوره حسب مزاجه. ولحسن الحظ أن مزاجه كان عاليا لأنه قدم للرجل مجموعة في غاية الأناقة مع لمسة لا مبالاة، تجلت في عدم ظهور أي قميص. فكل البدلات كانت ملبوسة وحدها، باستثناء صديرات ظهرت في بعض الإطلالات، وهو ما كان موفقا لأن هذه السترات ترافقت مع بنطلونات بطيات كثيرة عززت المظهر اللامبالي في الأزياء وفي نظرة جيورجيو أرماني لما يجري حوله من تغيرات لا تورق له ولا يريد مواكبتها.

* توجهات الموضة الرجالية للموسمين المقبلين
في الوقت الذي جادت فيه قريحة ميوتشا برادا بالكثير من الشورتات القصيرة والجاكيتات بسحابات بقصات مريحة باتساعها النسبي، جاءت البدلات مفصلة على الأكتاف ومحددة عند الخصور بكلاسيكية خففت من رسميتها قصات البنطلونات الواسعة من أسفل.
- تميزت البنطلونات بتنوع عجيب؛ فبعضها جاء بطيات عند الخصر، مثلما هو الحال بالنسبة لـ«جيورجيو أرماني» و«كانالي» وغيرهما، وبعضها الآخر واسع عند الساق في التفاتة واضحة إلى السبعينات من القرن الماضي.
- الإيحاءات الصينية كانت حاضرة في بعض العروض وعلى رأسها «دولتشي أند غابانا» و«غوتشي». هذه الأخيرة استعملت أقمشة مقصبة وتطريزات طبعتها الورود والفراشات بألوان متوهجة.
- اللعب على مفهوم الذكورة، أو بالأحرى تأنيثها، كان أقوى ما في الأسبوع، سواء بالاعتماد على ألوان مثل الوردي، أو أقمشة مثل الحرير والدانتيل بالإضافة إلى التطريزات السخية.
- في مقابل المصممين الذين خاطبوا الشباب بتصاميم جريئة للغاية، جاءت علامات مثل «بال زيلاري»، «سالفاتوري فيرغامو» و«جيورجيو أرماني» وفية للرجل الأربعيني وما وفوق.
- الراحة كانت عنوانا آخر للأسبوع، وتجسدت في استعمال الحرير في قطع مستوحاة من «البيجاما» أو من «روب دي شومبر»، كما هو الحال في عروض «بوتيغا فينيتا»، و«فرساتشي» و«دولتشي أند غابانا».



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.