اللغة العربية دون «حوسبة» متأخرة 60 سنة عن الإنجليزية

تعيش في القرن الماضي والترجمة الإلكترونية بعيدة المنال

عدنان عيدان
عدنان عيدان
TT

اللغة العربية دون «حوسبة» متأخرة 60 سنة عن الإنجليزية

عدنان عيدان
عدنان عيدان

لماذا لا تزال الترجمة الآلية من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى والعكس بالعكس متأخرة، عن كل ما عداها؟ هل هي قواعد النحو التقليدية التي لم تُحدّث؟ أم قلة المهارات التكنولوجية في العالم العربي؟ أم هو بكل بساطة الإهمال واللامبالاة باتجاه قضية باتت عمادًا للوصول إلى المعلومات بلغتنا الأم؟ لماذا بمقدور الفرنسي والأميركي والإسباني أن يضع أي نص بلغته على برنامج الترجمة، الذي تتيحه «غوغل» مثلاً ويحصل بكبسة زر على مقابله التقريبي بلغة أخرى، فيما يبقى العربي عاجزًا عن الوصول إلى نتيجة مقبولة ومفهومة.
المشكلات كثيرة ومتشعبة، لكن المعضلة الأصل هي في أن العرب لم يقوموا لغاية اللحظة بوضع «مدونة للغة العربية» أي جمع مئات آلاف النصوص التي كُتبت باللغة العربية، قديمًا وحديثًا، وفي مختلف المجالات العلمية والأدبية، إلكترونيًا ومن ثم حوسبتها، أي درسها بطريقة علمية حسابية، لاستخلاص النتائج حول قواعدها وأسس استخداماتها، ومعرفة تحولاتها، وتشكل دلالاتها وتبدل صيغها تاريخيًا، والتعامل معها من منظور جديد.
بعد حوسبة اللغة، أي جمع المخزون الهائل من النصوص الذي يعود عمره إلى 1500، نصبح قادرين على وضع بنية تحتية حديثة للغة العربية، وإجراء قراءات إحصائية حسابية وعلمية للكلمات، أو العبارات، وطريقة استخدام فعل ما أو تحولات دلالة ما، وهذا أمر لم يعد صعب الإنجاز، عندها أمور كثيرة تصبح ممكنة، منها معالجة اللغة آليًا، وضع قواميس ومعاجم حديثة، أو إجراء دراسات على الشعر وربما جرد بعض المفردات، ومعرفة الألفاظ الأكثر استخدامًا، واعتبار تعليمها أولوية في المدارس.
حين يصبح احتساب كل كبيرة وصغيرة في مدونتنا اللغوية منذ عرفت العربية النصوص المكتوبة إلى يومنا هذا ممكنًا، وجرد ما نريده بكبسة زر، تتغير حياتنا حتمًا.
الدكتور عدنان عيدان، يقول إنه والدكتور نبيل علي، ربما وحدهما من عملا جديًا في هذا المجال، في محاولة منهما للخروج من المأزق الذي تعاني منه العربية آليًا أولاً وعمليًا في الاستخدامات الحياتية بالنتيجة. «لا ترجمة آلية تقترب من الكمال دون حوسبة للغة، وكذلك لا دراسات آلية متطورة يمكن أن يقوم بها باحثون، بأساليب تختلف عن تلك التقليدية التي ما زالت وحدها تحتل الميدان» يشرح د. عيدان. والرجل عالم تخصص في علم الإحصاء، ومن ثم حصل على الماجستير في علم الاجتماع السياسي، لكن همه اللغوي قاده لتحضير الدكتوراه في لندن في جامعة برونيل في «علم الحاسب الآلي» وتحديدًا في مجال تطبيق علوم الحاسبات ومعالجة اللغة العربية، وكان موضوعه حول «إعراب الجملة العربية حاسوبيًا».
الدكتور عيدان، أحد مؤسسي شركة «آي تي آي» للبرمجيات، ويعمل منذ ربع قرن على الحاسوبيات اللغوية، والترجمة الآلية ومحركات البحث حيث وضع محرك «الهدهد»، يرى أن العمل على حوسبة اللغة الإنجليزية، والترجمة الآلية بهذه اللغة بدأ منذ أكثر من نصف قرن. ويضيف عيدان: «بدأ الأميركيون العمل على الترجمة الآلية منذ الخمسينات، مع اختراع الكومبيوتر وتطوير برامجه لأغراض عسكرية». حاولت وزارة الدفاع الأميركية، ترجمة صحيفة «البرافدا» من الروسية، في إطار الحرب الباردة التي كانت مشتعلة حينها، لكنهم فشلوا. الباحث المعروف ناعوم تشومسكي هو الذي كشف لهم أن الترجمة كما يحاولونها لن تصل بهم إلى نتيجة، وأنهم بحاجة أولاً إلى ترجمة آلية للغة البشرية، وهو ما نطلق عليه اليوم اسم الحوسبة.
فاللفظة الواحدة في لغة ما، قد تعني أشياء متعددة ومختلفة، وهو ما لا تستطيع أن تدركه الآلة، وبالتالي علينا أن ندرس المحددات؛ فكلمة «بوك» بالإنجليزية، قد تعني حجز مقعد، أو كتابا أو إنذارا، تمامًا كما كلمة «كَتَبَ» أو«كُتُب» أو «كُتِبَ» باللغة العربية. كيف لجهاز الكومبيوتر أن يعرف حين تكون لفظة «كتب» غير محركة إن كانت اسمًا أو فعلاً، دون أن نعطيه المحددات التي تأتي قبل كل حالة وبعدها. نحن بحاجة لإعادة دراسة اللغة من منظور حاسوبي، كي نفلح في جعلها لغة إلكترونية بكل ما في الكلمة من معنى، لتفادي الاشتراك اللفظي.
لكن إذا كان الأميركيون قد سبقوا العالم أجمع إلى حوسبة لغتهم؛ فكيف نجح الأوروبيون في اللحاق بهم، ولماذا لم ينل العرب القسط نفسه؟ الأوروبيون عملوا بجدية على هذا الموضوع، منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وحتى بداية الثمانينات، خدمة لمشروعهم الأوروبي المشترك. يشرح د. عيدان: «الأميركيون ركزوا على الترجمة الإنجليزية - الروسية لكن الأوروبيين اشتغلوا على الترجمة بين لغاتهم المختلفة، من فرنسية وألمانية وإسبانية وإيطالية. كان هدفهم التوصل إلى ترجمة آلية كي يفهموا بعضهم بعضا. أرادوا إذا ما تحدث مسؤول إنجليزي عن الزراعة مثلاً أن يحصلوا على ترجمة مباشرة بست لغات أخرى، وبالتالي قاموا بعمل قاموس وسيط يسمح لنص بإحدى اللغات السبع أن يدخل من باب، ليخرج بست لغات من الجهة الأخرى». من أواسط الستينات إلى أواسط الثمانينات، مئات الرسائل العلمية حررت في كل من أميركا وأوروبا حول حوسبة اللغات. ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، يقول د. عدنان عيدان: «بدأت مرحلة جديدة، وركز الأميركيون بشكل خاص على الترجمة الإنجليزية – الإسبانية، والعكس بالعكس، لأن همهم أصبح داخليًا، وصار الهدف ربط شرق أميركا بغربها الذي يتكلم الإسبانية ويصدر صحفًا بهذه اللغة. وهكذا صار ما تكتبه بوسطن من صحف يمكن أن تقرأة مباشرة كاليفورنيا. وبالتالي توصل الأميركيون إلى ترجمة بين الإنجليزية والإسبانية تصل إلى 95 في المائة من حيث دقتها، ووصل الأوروبيون إلى النسبة ذاتها عند الترجمة بين اللغات الأوروبية، وهو ما لم تحلم به العربية لغاية اللحظة.
يتساءل الدكتور عيدان بحسرة، حول ما لا يقل عن 400 جامعة عربية، ألا يوجد فيها 15 أستاذا و20 طالبًا يعملون على الترجمة الآلية من العربية إلى الإنجليزية مثلاً؛ أليس هذا معيبًا؟! لماذا هذه الجامعات تصرف المليارات، ولا تعني بالترجمة الآلية التي باتت عمادًا لكل تطور؟!
«بلغت من العمر 69 عامًا ولا أريد شيئًا، لنفسي»، يقول د. عيدان، «شكرًا لكم، فقط اهتموا بجامعاتكم».
اللوم على مصر أكثر من غيرها، كما يرى هذا العالم المشغول بتطوير المزيد من البرامج الحاسوبية اللغوية، لأن «الإمكانيات هناك كبيرة، وعندهم أساتذة على مستوى مهم، وهم بلد ضخم، ومع ذلك لا إنتاج يُذكر في مجال الحوسبة أو الترجمة الآلية، بل على العكس الصحف المصرية مليئة بالأخطاء، فلا يوجد ألف مقصورة، وكأنها أُلغيت من اللغة، ودائمًا تحتها نقطتين، لتتحول تلقائيًا إلى (ي)».
إهمال الجامعات العربية لموضوع على هذا القدر من الأهمية متأتٍّ من أننا مستهلكون للعلوم ولسنا مبتكرين لها أو حتى مساهمين بها. يشبه الدكتور عيدان علاقتنا بالتكنولوجيا كما صلتنا بـ«الفاصولياء المعلبة» نأتي بها جاهزة للأكل فقط. في البدء يقول: «كان العاملون في مجال الكومبيوتر إما طلاب رياضيات أو فيزياء أو كيمياء، ثم بمرور الوقت أدركوا أن دمج هذه العلوم معًا سيكون مفيدًا لفتح تخصص أكاديمي جديد هو هندسة الكومبيوتر؛ 15 سنة بعدها بدأت تفتتح أقسام الهندسة الطبية، واللسانيات الحاسوبية، وهي موجودة في كثير من الجامعات في بريطانيا، وهو ما لم يحدث بعد في الجامعات العربية».
تدشين أقسام للسانيات الحاسوبية في الجامعات العربية، يفتح الباب ليس فقط لتطوير الترجمة الآلية، وإنما أيضا للعمل على تطوير «التعرف الضوئي على الحروف» لمسح النصوص الورقية ضوئيًا وجعلها إلكترونية، وسيسهم أيضا في تطوير محركات بحث عربية، وبرامج التصليح الآلي، وأمور أخرى يصعب حصرها هنا. الجامعات العربية لا تزال قاصرة عن تخريج طلاب مؤهلين للقيام بهذه المهمات على لغتهم الأم.
الأفراد والشركات الصغيرة ليسوا هم المخولين القيام بهذه الأدوار التي تحتاج دولاً وجهودًا جماعية متواصلة. تسليم هذه المهمات للشركات يجعل منه أمرًا تجاريًا، في الجامعات الأميركية والإنجليزية تمكنوا من تفكيك نصوص الأدب الإنجليزي بشكل رائع، بفضل الحوسبة وبنوا عليها، واستفادوا منها في مختلف مناحي الحياة، فيما لا تزال النصوص العربية تنتظر من يعنى بها. ولا يزال الطالب العربي يتخرج ولا يعرف الفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع، ولا يستطيع الكتابة دون أخطاء، ولا يميز بين الهاء والتاء المربوطة.
«في لغتنا ست حركات إضافة إلى السكون والشدة، لماذا لا يستخدمهما أحد؟ لماذا تم الاستغناء عنهما، وهما جزء من لغتنا التي نكتبها ونتفوه بها». مشكلة إضافية أخرى يتحدث عنها عيدان هي إدخال تكنولوجيا غير مقيسة إلى بلداننا. فكل يحمل هاتفًا أو يعمل على حاسوب ترتيب الحروف العربية عليه مختلف عن الآخر، وهذا يحدث بلبلة حقيقية. لماذا لا يتم وضع أسس يتم اعتمادها وتفرض على الشركات المصنعة التي تشحن بضائعها إلى الدول العربية، وهذا ممكن وميسر.
التكنولوجيا تربكنا. ما كان ينقص اللغة العربية في زمن انحطاطها الأكبر إلا هذه التحديات المتزايدة، التي تواجه بكسل متماد. 60 سنة عمل، تفصل بين الإنجليزية واللغات الأوروبية الأخرى واللغة العربية التي لا تزال عمليًا تعيش في ستينات القرن الماضي.
كم قطعنا من مسافة في مشوار الحوسبة الطويل، بجهود أفراد قلة انتدبوا أنفسهم لعمل بحجم أمة، يجيب د. عيدان: «مدوّنة اللغة العربية هي ملف إلكتروني هائل يتجاوز حجمه حاليًا مليار (ألف مليون) كلمة عربية، والعمل جارٍ للوصول في النهاية إلى 10 مليارات (عشرة آلاف مليون) كلمة». الترجمة الآلية العربية التي يمكن الركون إليها للتعرف على ما تنتجه اللغات الأخرى لن تكون غدًا.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».